الخزانة الرابعة..
فقه الشفاعة:
الشفاعة هي: طلب الخير للغير.
وأحوال الشفاعة ثلاثة:
أحدهما: الشفاعة إما أن تكون من المخلوق إلى الخالق.
الثاني: أو تكون من المخلوق إلى المخلوق.
الثالث: أو تكون من الخالق إلى المخلوق.
الأولى: شفاعة المخلوق إلى الخالق، وهي نوعان:
شفاعةٌ في الدنيا.
وشفاعةٌ في الآخرة.
فالشفاعة إلى الله في الدنيا تكون بالدعاء للمشفوع له.
والشفاعة إلى الله في الآخرة تكون بدعاء الله ﷿، وسؤاله التجاوز عن المشفوع له، أو رفع درجته، وهذه الشفاعة ثابتةٌ للنبي ﷺ والمؤمنين والملائكة كما قال النبي ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا».
متفقٌ عليه.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ».
أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».
أخرجه البخاري.
أما شفاعة الملائكة، فكما قال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].
وشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة سبعة أنواعه:
١ - شفاعته ﷺ في أهل الموقف في الإراحة من هول الموقف، والقضاء بينهم، وهي الشفاعة العظمى.
٢ - وشفاعة ﷺ في إدخال قومٍ الجنة بغير حساب.
٣ - وشفاعة ﷺ في قومٍ حوسبوا فاستحقوا العذاب ألا يعذبوا.
٤ - وشفاعة ﷺ في إخراج من أُدخل النار من العصاة أن يخرجوا منها.
٥ - وشفاعة ﷺ في رفع الدرجات.
٦ - وشفاعة ﷺ أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة.
٧ - شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يُخفف عنه العذاب.
وطلب الشفاعة على أربعة أقسام:
الأولى: طلبها من الله، فهذا طلبٌ من الله، ودعاءٌ مشروع.
الثاني: طلبها من الشفيع يوم القيامة، كما يطلبها الناس من الأنبياء يوم القيامة ليقضي الله بينهم، فهذا جائز.
الثالث: طلبها في الحياة من المسلم الصالح الحي الحاضر، وهذا طلبٌ مشروع.
الرابع: طلبها ممن مات وانتقل إلى عالم الغيب من الأموات، وهذه لا تجوز؛ لِما تفضي إليه من الشرك.
الثانية: شفاعة المخلوق إلى المخلوق، فهذه مشروعة؛ لأنها من باب التعاون على البر والخير والتقوى، إذا كان المشفوع إليه يملك التصرف فيما طُلب منه، وفيها أجرٌ وثواب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
الثالثة: شفاعة الخالق إلى المخلوق، فهذه لا تجوز؛ لأن الشفيع سائل، والله مسئولٌ لا سائل، فلا يُستشفع به على أحدٍ من خلقه، وإنما يستشفع الفقير إلى الغني: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
والناس يوم القيامة يصدرون للمحاسبة، ورؤية الأعمال،ثم الجزاء عليها كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
ويصدرون أشتاتًا، فبعضهم يذهب إلى الموقف راكبًا مع الثياب الحسنة، وبياض الوجه، وهم المؤمنون، وهم درجات:﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
وبعضهم يُذهب بهم حفاةً عراة، سود الوجوه، مقيدين في السلاسل والأغلال وهم الكفار، وهم درجات، فيذهب اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وكل فريقٍ مع شكله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [الصافات: ٢٢].
وحسنات الكافر محبطةٌ بكفره، وسيئات المؤمن مغفورةٌ إما ابتداءً، وإما بسبب اجتنابه الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وليس من مؤمنٍ ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته، ويُعذب بسيئاته: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
وهذا هو الحق والعدل، والكرم والإحسان؛ لأن المعصية وإن قلت أو صغرت ففيها استخفافٌ بالملك الجبار، والكريم لا يحتمله، وفي الطاعة تعظيمٌ للملك، فهذا التعظيم وإن قل فالكريم لا يضيعه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
وكل ذنبٍ مهما كان فهو في حق الله عظيم؛ لأنه وقع في حق العظيم سبحانه؛ ولأنه وقع في مقابلة نعم ربه العظيمة:﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
حكم الاستغاثة:
الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، وغياث المستغيثين هو الله ﵎، وقد أمر الله بالاستغاثة به في كل شدةٍ وكربٍ ومشقة.
والفرق بين الاستغاثة والدعاء:
أن الاستغاثة لا تكون إلا في الكرب والشدة.
أما الدعاء فيكون من المكروب وغيره فهو أعم.
ومن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشركٌ كافر: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
ومن استغاث بالله مخلصًا أجابه كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال/ ٩]
فضل التسبيح:
تسبيح الله ﷿ جاء في القرآن تارةً بمعنى التنزيه، وتارةً بمعنى التعجب، فالتنزيه عن الشريك والمثيل والشبيه،وصفات العيب والنقص كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
وقوله ﷿: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
والتعجب من ترك عبادة العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى المنعم على عباده بكل نعمة، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
فإذا أردت أيها المسلم رضوان ربك فسبحه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ [طه: ١٣٠].
وإن أردت الفرج من البلاء والكرب فسبحه كما قال يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وإن أردت الخلاص من النار فسبحه كما قال سبحانه:﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١].
وكن مع المسبحين، فكل ما في الكون من الخلائق يُسبح بحمده من الذرات والدواب، والحجر والرمال، والجبال والشجر، والليل والنهار، والظلمات والنور، والزمان والمكان، والجنة والنار، والأجسام والأرواح، والقطرات والرياح: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: -٤٤].
وقال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]
والله سبحانه ليس بحاجةٍ لأحد؛ لأنه الغني عن كل ما سواه، لكن إن ذكرته ذكرك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
والله ﷿ حمد نفسه قبل أن يحمده أحد، وقبل أن يخلق الحامدين له، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ١ - ٢].
فسبحان ربنا الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١].
وسبحان من بيده كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والرب الذي هذه صفاته أهل أن يعبد ويحمد ويشكر: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]
وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨].
فقه الأعياد:
العيد اسمٌ لِما يعود ويتكرر على وجهٍ معتاد.
والأعياد نوعان:
الأول: أعيادٌ شرعية، وهي ما حوى عبادةً مشروعة، وعادةً مُباحة، فالعبادة كالصلاة والنُسك، والعادة كالتزين باللباس واللعب المباح.
والأعياد الشرعية قسمان:
أولًا: أعيادٌ زمانية، وهي ما يعود كل زمن، ويُتقرب فيه إلى الله كعيد الفطر، وعيد الأضحى، والجمعة عيد الأسبوع.
ثانيًا: أعيادٌ مكانية وهي: ما يتكرر العود إليها كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومشاعر الحج.
الثاني: أعيادٌ بدعية، وهي: ما يعظمه الناس من مكانٍ أو زمانٍ لم يرد الشرع بتعظيمه، كتعظيم يوم المولد النبوي، وليلة النصف من شعبان، والسابع والعشرين من شهر رجب، وأعياد تولي السلاطين على الملك، وعيد الاستقلال،وعيد الاستيلاء على البلدان ونحوها من الأعياد المحدثة:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فهذه تحرم إقامتها وتعظيمها؛ لأن الشرع لم يجعلها عيدًا فتبقى على أصل التحريم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن عائشة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفقٌ عليه.
أقسام النذر:
النذر هو أن يوجب الإنسان على نفسه شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع.
والنذر لله تعالى نوعان:
الأول: نذرٌ مأمورٌ به عند وجود سببه، كهدي التمتع والقران والأضحية إذا عينها، والعقيقة إذا عينها، هذا نذرٌ عظيم، ونسكٌ كريم، وهو من أجل القرب كما قال سبحانه عن الحجاج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
الثاني: نذرٌ لا يؤمر بابتدائه، وإنما يؤمر بالوفاء به بعد عقده، وهو نذر الطاعة، وهو الذي قيل فيه: أنه لايأتي بخير،وقد مدح الله المؤمنين بالوفاء به بعد عقده بقوله سبحانه:﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
حكم السرقة والرشوة:
السرقة والرشوة كلاهما سُحت، وأقبح شيءٍ يأكله الإنسان ما أخذه برشوةٍ أو سرقةٍ أو ربا، لكن المرتشي أخس من السارق؛ لأن السارق يأخذ المال بغير حق، مع علمه أن فعله خبيثٌ خسيسٌ منهيٌ عنه، ولكن غلبته نفسه وشهوته فمد يده إلى الحرام، ولو انتظر لجاءه رزقه طيبًا من ربه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
أما المرتشي، فإنه يأكل أموال الناس بالباطل، وهو يزعم أن هذا من دين الله وشرعه؛ لِما يراه من قضاء حاجات الناس.
ومن أعظم أنواع الرشوة خطرًا ارتشاء القاضي، ليحكم بغير الحق، وبغير ما أنزل الله، لأجل عرضٍ من الدنيا كما يفعله اليهود والذين اتبعوهم من الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فهؤلاء أخس خلق الله كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
فكل قاضٍ أو مسئول يأكل الرشوة، ويغير أحكام الله من أجلها، ويدعي أن الله يغفر له ذلك، فهذا كله من الجهل، والجرأة على الله وكتابه وشرعه؛ لأن الله قد لا يغفر للمُصرين على أكل الرشوة، لِما هم عليه من انتهاك حرمات الله، وزعمهم أن الله يغفر لهم، فهذا كله من الغرور،وصاحبه أخو اليهود في أكل أموال الناس بالباطل:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أقسام المستحيل:
المستحيل أقسام:
الأول: المستحيل عقلًا، بأن يُكلف الإنسان بالجمع بين الضدين كالبياض والسواد، أو الجمع بين النقيضين كالعدم والوجود.
الثاني: المستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك.
فمثل هذا وما قبله لا يقع التكليف به شرعًا إجماعًا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
حكم التصوير:
التصوير هو التخليق والتكوين، والتشكيل والتزيين.
والمصور من أسماء الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
والتصوير صفته سبحانه كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦].
والمصور سبحانه هو الذي خص كل مخلوق بما يميزه عن غيره من المخلوقات من جمادٍ ونباتٍ، وحيوانٍ وإنسانٍ، وبما تحصل به مصلحته.
والصورة هي: ما يتميز بها الشيء عن غيره.
والمصور هو الله وحده؛ لأنه صور المخلوقات على غير مثالٍ سابق.
والمصورون من أشد الناس عذابًا؛ لأنهم ينازعون الله في أسمائه وصفاته وأفعاله بعملهم ما يُشابه خلقه، فكانوا بذلك أظلم الناس؛ لتعديهم على سلطان الربوبية، وتعديهم على خصائص الإلهية، وإساءة الأدب مع الله.
فالمصور لما صور الصورة على مثل ما خلق الله، صار مضاهيًا لخلق الله، فكان أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فإذا اخترع صورةً على غير مثال صار متعديًا على جناب الربوبية بتصوير ما لم يُسبق إليه، والله وحده هو الخالق البارئ المصور، فالمصورون من أشد الناس عذابًا يوم القيامة.
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً».
متفقٌ عليه.
والتصوير كله محرم، سواء كان لجمادٍ أو نباتٍ أو حيوان، لما فيه من مضاهاة خلق الله، ولِما فيه من تعدي حدود الله.
وأشد أنواعه تصوير ذوات الأرواح، وما صوره المصور من ذي روح يُعذب به يوم القيامة، حتى يُكمل خلقه بنفخ الروح فيه، وليس بنافخ، فيكون ذلك أطول لعذابه.
والتصوير من أعظم وسائل الشرك، فأول شركٍ وقع في الأرض في قوم نوح، بسبب التصوير، فصوروا صالحيهم، وجعلوهم في مجالسهم ومساجدهم؛ ليتذكروا عبادتهم، ثم في النهاية عبدوهم من دون الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
والتصوير لذوات الأرواح من المحرمات، بل من كبائر الذنوب، سواءً كان لها ظل أو لم يكن لها ظل، وسواءً كانت ثابتة أو متحركة كالصور على الجدران والألواح والملابس والنقود والأوراق، وصور الفيديو، والتصوير بآلات التصوير المختلفة، فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من كبائر الذنوب، وله أثره البالغ المشين في إفساد الدين والخلق قديمًا وحديثًا.
فقديمًا التصوير هو سبب أول كفر وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، وهم ود وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسراً بقصدٍ حسن، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله.
فأول جناية شركية على التوحيد في الدنيا إنما كانت بسبب التصوير الذي كان في قوم نوح.
وحديثًا التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق بتصوير النساء عاريات متبرجات، وعرضهن أمام غرائز الرجال؛ ليفسدوا دينهم وأخلاقهم، وقد عم البلاء وطم حتى صار كأنه مباح، بل كأنه مشروع، وهذه أعظم جناية على الدين والأخلاق: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم، فكيف إذا كان هو محرمٌ، ثم أفضى إلى محرم.
وكيف وقد لعن الله المصورين.
وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب.
وكيف وفاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟:
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقد محى النبي ﷺ الصور التي في جدران الكعبة عام الفتح بالماء، وما ذلك إلا لأنها محرمة، ووسيلةٌ إلى المحرم،بتعلق قلوب الناس بها من دون الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقد ورد في تحريم التصوير أكثر من أربعين نصًا، ست آيات، وأربعة وثلاثين حديثًا عامتها وأكثرها في الصحيحين أو في أحدهما.
فسبحان الله كيف تجرأ كثيرٌ من المسلمين على التصوير، وقد لعن الله المصورين، وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب، وكيف وفاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وكيف إذا كان التصوير في بيت الله الحرام، وفي مسجد نبيه ﷺ من الرجال والنساء كما هو حاصل الآن؟: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
عن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ».
أخرجه مسلم.
وعن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ،وَقَالَ يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ».
متفقٌ عليه.
وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ».
متفقٌ عليه.
والتصوير، والرسم باليد، والتصوير بالآلة، أو الفيديو، كل ذلك عملٌ محرم، بل هو من الكبائر.
فالتصوير بالآلة أعظم من التصوير باليد؛ لسهولته وكثرة انتشاره بين الناس، وإفساده الأخلاق بين الرجال والنساء كما هو حاصلٌ عيانًا.
والتصوير باليد أعظم واخطر، لِما فيه من مضاهاة خلق الله، فالله هو المصور الذي يصور كيف يشاء: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً».
متفقٌ عليه.
وإذا كانت قد جاءت النصوص القطعية بتحريم التصوير، وأنه من الكبائر، فيجب على المسلم ان يُطيع الله ورسوله:﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فحذار من اتباع خطوات الشيطان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
حكم الإقسام على الله:
الإقسام على الله أن يحلف الإنسان على الله أن يفعل كذا.
والإقسام على الله له حالتان:
الأولى: حال التألي والتكبر والعُجب بالنفس.
فهذا فيه تزكيةٌ للنفس، وغمطٌ للناس، كأن يُقسم بأن الله لا يُعطي فلانًا أو لا يغفر له، فهذا محرم؛ لأنه يُنافي كمال التوحيد، ولِما فيه من التحكم على الله، والتألي عليه، والحجر عليه بلا برهان؛ ولهذا أحبط الله عمل من قاله كما قال النبي ﷺ في الذي قال: «وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ،فَقَالَ اللَّهُ: ﷿ قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَك».
أخرجه مسلم.
الثانية أن يُقسم على الله معتقدًا حُسن ظنه بربه، أو مُحسنًا للظن بربه، راجيًا لطفه وفرجه، مفتقرًا إليه سبحانه، طامعًا في فضله ورحمته، لحسن ظنه به، وهذا جائز كما قال النبي ﷺ: «إنَّ مِنْ الناس مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».
أخرجه أبو داود.
أصول الاقتصاد الإسلامي أربعة:
الأول: اكتساب المال الحلال.
الثاني: صرفه في مصارفه الشرعية.
وكل واحدٍ من هذين الأصلين لابد له من أمرين:
الأول: معرفة حكم الله فيه؛ لأن الله سبحانه، لم يبح اكتساب المال بأي طريق، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ولم يبح سبحانه صرف المال في كل شيء، بل أباح بعض الصرف، وحرم بعضه، فقال في الصرف الحلال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقد وسع الله ﷿ أبواب الإنفاق الشرعي، ومدح المنفقين،فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقال سبحانه في الصرف الحرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
فمن لم يعلم حكم الله في الكسب والصرف، قد يكتسب المال من وجهٍ حرام، ويصرفه في حرام.
الثاني: معرفة الطرق الكفيلة باكتساب المال؛ ليحصل له الربح، وحسن النظر في أوجه الصرف، ليحصل للناس النفع والخير.
فإذا كان جواز الصرف في طرق الخير معلومًا، فإيقاع الصرف على وجه المصلحة لا يعلمه كل الناس، ومن جمع المال في غير هذه الأصول فلا خير في ماله، ولا بركة في تجارته، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].
والشركاء في المال ثلاثة:
الأول: القدر، فأنت ومالك عرضةً للفناء والهلاك.
الثاني: الوارث، ينتظر أن توضع في القبر، ثم يسوقه إليه وأنت ذميم.
الثالث: أنت، فقدم من دنياك ما ينفعك في أخراك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
فقه المُلك:
أعظم المُلك مُلك النبوة والرسالة، والنبوة أعظم مراتب المُلك؛ لأن الأنبياء والعلماء لهم أمرٌ عظيمٌ على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمرٌ على ظواهر الخلق: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥].
والملك أنواع:
مُلك النبوة، ومُلك العلم، ومُلك العقل، ومُلك الصحة، ومُلك الأخلاق الحسنة، ومُلك المال، ومُلك القدرة، ومُلك البلاد، وجميع أنواع المُلك بيد الملك الواحد الأحد ملك الملوك سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
وأعظم مُلكٍ يُكرم الله به عبده أن يملك نفسه، ويقهرها عن شهواتها، ويحملها على طاعة الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وأعظم مُلكٍ في الآخرة أن تكون بجانب وبقرب ملك الملوك: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وأن تكون في ملكٍ عظيم في الآخرة، بعد ان نفذت أوامر العظيم سبحانه في الدنيا، فيكرمك الله بالقصور الملكية العظيمة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢٢].
فقه المحبة:
المحبة أربعة أنواع:
الأول: محبة الله تعالى، وهي محبة الله لذاته وجلاله وجماله، وإحسانه وإنعامه، محبةً توجب توحيده وعبادته وحده لا شريك له، والذل له.
وهذه المحبة أصل الإيمان، وثمرتها توحيد الله ﷿، والإيمان به، وإخلاص العبودية لله، وبكمالها يقوي الإيمان، ويزيد العمل الصالح، وبنقصها ينقص.
وهذه المحبة حقٌ لله وحده، لا يجوز صرفها لغيره، وصرفها لغيره شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٦].
الثاني: محبةٌ في الله، وهي: محبة كل ما يحبه الله من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، والأشخاص، والأماكن، والأزمان.
فالأقوال كذكر الله وحمده، والدعوة إليه، وتعليم شرعه، وتلاوة كتابه.
والأعمال كسائر أنواع العبادات والطاعات، والأخلاق كالأخلاق الحسنة.
والأشخاص كالمؤمنين والمتقين والمحسنين، والأماكن كبيت الله الحرام، ومساجد الله ﷿ في أرضه.
والأزمان كأوقات الصلوات الخمس، وشهر رمضان، وأشهر الحج.
فهذه المحبة عبادةٌ لله، وهي أثرٌ من آثار محبة الله، وهي مكملة ومقوية لمحبة الله، فنحن نحب الله ونحب كل ما يحبه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
فالدنيا دار تكميل محبوبات الرب، والأخرة دار تكميل محبوبات العبد.
الثالث: المحبة مع الله، وهي: محبة المشركين لمعبوداتهم مع الله، وتسويتها بالله في المحبة.
وهذه المحبة شركٌ أكبر، مخُرجٌ من الملة، وصاحبها مُخلدٌ في النار، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٦].
وقال ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال سبحانه عن الكفار أنهم قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨].
الرابع: المحبة الطبيعية، كمحبة الإنسان لوالديه وزوجته وأولاده، وكمحبة المال والجمال ونحو ذلك مما يلائمه، فهذه المحبة مباحة ما لم تحمل على ترك واجب، أو فعل محرمٍ من غير إكراه، فإن حملت على ترك واجب، أو فعل محرمٍ من غير إكراه، صارت شركًا أصغر يُنقص كمال الإيمان ويعرض صاحبها للوعيد كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
والله سبحانه يحب من عباده أن يتصفوا بالصفات التي يحب، فالله تواب يحب التوابين، والله محسنٌ يحب المحسنين، والله مؤمنٌ يحب المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والصفات التي يحبها الله والتي اشترى أهلها بسبب اتصافهم بها هي: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
فنتخلق بالصفات التي يحبها الله، ونتعبد لله بالاتصاف بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
***
مختارات
