القسم الأول (الخزانة الأولى)
في هذه الخزائن الكبرى بَيَّنا بفضل الله وحده الأحكام، والأصول، والعلم النفيس المتين من أحكام التوحيد، والإيمان، والعباداتِ، والمعاملات، وفقه القلوب، وفقه الجوارح، وجعلناها منوعة من جميع أبواب الشريعة، لئلا تمل النفوس من نوعٍ واحد، فهي أغذية طيبة للقلب والعقل، يستنير بها المسلم، ويتعبد لله بموجبها.
فهي بستان القلوب، و العقول، يقطف منها طالب العلم ما لذَّ وطاب من ثمرات العلمِ، والهدى، ويتعبد لله به، ويتزين به، ويُزين الناس به: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فقه إحسان العمل:
والمؤمن بعد إيمانه يجب أن يعبد الله ﷿ بصفة الإحسان،فإحسان العمل هو الذي خلق الله الخلائق من أجل الاختبار فيه كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
والطريق التي يصُح بها الإحسان، ويكمن، هو الواعظ الأكبر في القرآن الكريم، وهو مراقبة الله ﷿، وعلم العبد أنه كأنه يرى وينظر إلى ربه جل وعلا حين يقف بين يديه في جميع أحواله، وأنه إن لم يكن يراه فالله بلا شك يراه في جميع أحواله فإذا علم العبد أنه بين يدي جبار السموات والأرض، وأنه بين يدي الرحمن الرحيم، وأنه يراه، أحبه وخافه، ورجاه، وأحسن عمله لربه كالآنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فإن من كان أمام ملكٍ جبار من ملوك الدنيا، لابد أن يُحسن عمله أمامه، ويطيعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ ولهذا أرسل الله سبحانه جبريل إلى محمد ﷺ ليُبين للمسلمين الطريقة التي يصِحُ بها الإحسان حين سأله عن الإيمان، والإسلام، ثم سأله عن الإحسان فقال:«الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
متفق عليه.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٤ - ١٢٦].
وامتثال أوامر الله ورسوله في كل حال، وطاعة الله ورسوله في كل أمر، وحسُن الأدبِ مع الله ورسوله، بكمال الإيمان، والتقوى، كل ذلك سببٌ لرحمة الله، ومغفرته، وتحقيقٌ لصفة الإحسان، والله يحب المحسنين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثوابِ والعقاب، والآخرة لا تصلح للمفاليس، لا تصلح للفقراء؛ لأنه ليس فيها عارية، ولا صدقةٌ، ولا خُلةٌ ليس فيها للإنسان إلا ما قَدَّم من عمله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
فاستبقوا الخيرات علمًا، وعملًا، وأخلاقًا، وإخلاصًا،وصدقًا وإحساناً: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
فقه الأحكام الشرعية
الحكم الشرعي: هو ما دَلَّ عليه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المُكلفين من طلبٍ، أو تخييرٍ، أو وضع.
فالطلب نوعان:
فعلٌ.
وتركٌ.
فطلب الفعل: هو الواجب والمُستحب، وطلب الترك: هو المُحرم والمكروه، والتخيير: هو المُباح الذي يستوي فعله وتركه.
والوضع ما وضعه الشارع سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا له.
أقسام الأحكام الشرعية:
الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
الأول: أحكامٌ تكليفية
الثاني: أحكام وضعية
والأحكام التكليفية خمسة أنواع:
١ - الواجب.
٢ - والمندوب.
٣ - والمُحرم.
٤ - والمكروه.
٥ - والمُباح.
والأحكام الوضعية سبعة:
١ - السببُ.
٢ - والشرطُ.
٣ - والمانعُ.
٤ - والصحةُ.
٥ - والفسادُ.
٦ - والرخصةُ.
٧ - والعزيمة.
وهذا بيانٌ للأحكام التكليفية:
١ - الأول: الواجب، والواجب: هو ما يُثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه، مثاله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣].
وأقسام الواجب ثلاثة:
القسم الأول: باعتبار الوقت، وهو قسمان:
الأول: واجب موسع: وهو ما كان وقته متسعاً له ولغيره من جنسه.
مثاله: أوقات الصلاة، فإن أوقاتها مُتسعة للفرائض، والنوافل.
الثاني: واجبٌ مُضيق: وهو ما كان وقته لا يتسع لغيره من جنسه.
مثاله: صوم رمضان فهو شهر واحد لصيام رمضان، لا يتسع لصيام آخر معه.
القسم الثاني: باعتبار المُكلف، وهو قسمان:
الأول: واجب عيني: وهو ما طلب الشارع من كل واحدٍ من المُكلفين فعله بعينه، مثل: الصلوات الخمس، والصيام، والحج، والدعوة إلى الله، ونحو ذلك فهذا يجب على كل فردٍ مُكلف أن يأتي به: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: واجبٌ كفائي: وهو ما طلب الشارع من المُكلفين فعله، وإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقيين، وإذا لم يقم به أحدٌ أثموا جميعًا.
مثاله: الجهاد في سبيل الله، وتعليم الناس أمور دينهم، وإفتاء الناس فيما يُشكِل عليهم، والأذان، والقضاء بين الناس، ونحو ذلك، فإذا قام بذلك من يكفي سقط الإثم عن الباقيين.
القسم الثالث: باعتبار المُكلف به، وهو قسمان:
الأول: واجبٌ معين: وهو ما طلب الشارع من المُكلف فعله بعينه، مثل: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ونحوها، فهذه عبادات أمر الله المُكلف أن يأتي بها بعينها، ولا يجوز أن يأتي ببدل عنها.
الثاني: واجب مُخيَّر: وهو ما طلب الشارع من المُكلف أن يأتي بأمر واحد من أمور معينة.
مثاله: كفارة اليمين، وفدية الأذى، ونحوهما، فالواجب على المُكلف أن يأتي بواحدٍ من كفارة اليمين، أو فِدية الأذى، وتبرأ ذمته.
٢ - الثاني: المندوب: وهو ما يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقب تاركه.
مثاله: كتابة الدين، فإن الله أمر به ثم قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فدلَّ على أن الأمر بالكتابةِ للندب لا للوجوب.
٣ - الثالث: المُحرم: وهو ما يُثاب تاركه امتثالًا، ويستحق العقاب فاعله، مثاله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
٤ - الرابع: المكروه: وهو ما يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله.
مثاله: كراهة الشرب قائمة.
٥ - الخامس: المُباح: وهو ما خيّر الشارع بين فعله وتركه،مثل: إباحة الطيبات كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]
فهذا الأمر فيه للإباحة.
فهذه أقسام الأحكام التكليفية.
والأحكام الوضعية سبعة وهي:
السببُ، والشرطُ، والمانعُ، والصحةُ، والفساد، والرُخصة، والعزيمة، وهذا بيان للأحكام الوضعية.
الحكم الوضعي: هو ما دلَّ عليه خطاب الشرع بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا له، أو كونه صحيحًا، أو فاسدًا، أو رُخصةٌ، أو عزيمة، فالحكمُ يوجد بوجود سببه، وتوفر شرطه، وانتفاء مانعه، وينتفي بضد ذلك.
أقسام الحكم الوضعي:
الحكم الوضعي سبعة أقسام:
الأول: السبب: وهو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته، فإذا وجد السبب، وجد الحُكم، وإذا تخلف السبب بطل.
مثاله: الوقت فقد جعله الله سببًا لوجوب إقامة الصلاة، فإذا دخل الوقت وجب إقامة الصلاة المفروضة، وإذا لم يدخل الوقت لم يصح الفعل.
الثاني: الشرط: وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
مثاله: الطهارة للصلاة شرطٌ لصحتها، فإذا انعدمت الطهارة لم تصح الصلاة، وإذا وُجدت الطهارة لا يلزم من وجودها وجود الصلاة.
الثالث: المانع: وهو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود.
ومثاله: الحدث مانعٌ من صحة الصلاة، ولا يلزم من عدم الحدث وجود الصلاة.
الرابع: الصحة: وهو ما ترتبت آثار فعلية عليه، سواءً كان في العبادات، أو المعاملات.
فالصحيح من العبادات كل عبادة أداها المُكلف امتثالًا لأمر الشارع، تامة الشروط، منتفية الموانع.
مثاله: أن يؤدي المسلم صلاة المغرب في وقتها، تامة الشروط، والواجبات، والأركان.
والصحيح من المعاملات، والعقود، ما ترتب الأثر المقصود من العقد عليه، ولا يكون العقد صحيحًا إلا بتمام شروطه، وانتفاء موانعه.
مثاله: أن يشتري بيتًا بماله، فيُباحُ له التصرف فيه، والانتفاع به.
الخامس: الفساد: وهو ما لا تترتب آثار فعله عليه في العبادات، والمعاملات، فالفاسد من العبادات كل عبادة أداها المُكلف على وجهٍ غير موافق للشرع.
مثاله: أن يصلي العصر في غير وقتها، أو من غير وضوء، أو لغير القبلة، فلا تصح، وعليه إعادتها بشروطها.
والفاسد من المعاملات والعقود كل ما لا يترتب الأثر المقصود من العقد عليه، بأن يفعله غير تام الشروط، أو مع وجود بعض موانع صحته.
مثاله: أن يشتري سيارة بغير رضا صاحبها، فلا يصح البيع، ولا يُباح له الانتفاع بها، ويحرم على المسلم أن يفعل العبادات، والمعاملات، والعقود الفاسدة، لأن ذلك من تعدي حدود الله، واتخاذ آيات الله هزوًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عائشة ﵂ «قَالَتْ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً، حَمِدَ اللَّهَ، وَأثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ».
متفق عليه.
السادس: العزيمة: وهي الحُكم الشرعي الثابت بدليلٍ شرعي خالٍ عن معارض.
مثاله: الصلوات الخمس في أوقاتها، وصوم رمضان للمُقيم، وجواز البيع، وتحريم الخمر، ونحو ذلك.
والعمل بالعزيمة واجب، لأنها الأصل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
السابع: الرُخصة: وهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح.
مثالها: قصر الصلاة الرباعية في السفر، وإباحة أكل الميتة للمضطر، وجواز المسح على الخُفين، ونحو ذلك.
وأسباب الرُخصة سبعة:
الأول: السفر: كقصر الصلاة الرباعية في السفر.
الثاني: المرض: كالتيمم عند المرض.
الثالث: الإكراه: كالعفو عن التلفظ بكلمة الكُفرِ مع اطمئنان القلبِ بالإيمان عند الإكراه.
الرابع: الجهل: كمن شرب الخمر جاهلًا بحكمها، يدرأ عنه عقوبتها جهله بحكمها.
الخامس: العُذر، وعموم البلوى، كالصلاة مع وجود نجاسة لا يمكن التخلص منها.
السادس: النسيان: كمن شرب أو أكل وهو صائم ناسيًا.
السابع: النقص: كعدم تكليف الصغير، والمجنون، لعدم البلوغ، والأهلية.
فقه المُطلق والمُقيد:
المُطلق: ما دلَّ على الحقيقة بلا قيد.
مثاله: الجمل، الماء، الكتاب، ونحو ذلك.
والمقيد: ما دلَّ على الحقيقة بقيد.
مثاله: الجمل الأسود، الماء الكثير، الكتاب الأخضر.
أحوال المُطلق والمُقيد في الشريعة:
إذا ورد النص الشرعي مطلقًا في موضع، ومقيدًا في موضع فله أربعة أحوال:
الأول: أن يتحد الحكم والسبب، فيجب حمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: لفظ الدم ورد مُطلقًا في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
وورد مُقيدًا في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
فالحُكمُ مُتحد، وهو التحريم، والسبب متحد وهو الضرر، فيجب حمل المُطلق على المُقيد، فيحرم الدم المسفوح دون الباقي في العروقِ، والكيد ونحوهما بعد الذبح.
الثاني: أن يختلف الحُكم والسبب، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: لفظ اليد، وردت مُطلقة في السرقة في قوله:﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ووردت مُقيدة في الوضوء في قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
فالحُكم مختلف، ففي الأولى وجوب القطع، وفي الثانية وجوب الغسل، والسبب مُختلف، فالأولى في السرقة، والثانية في الوضوء، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد، وبَيَّنت السنة أن القطع من مفصل الكف.
الثالث: أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، فيُحمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: الرقبة في كفارة الظهار، جاءت مُطلقة كما قال سبحانه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
ووردت مُقيدة في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]
فالحكم واحد، وهو تحرير رقبة، والسبب مُختلف في الأولى في الظهار، وفي الثانية في القتل، فيُقيد المُطلق في كفارة الظهار بالمُقيد في كفارة القتل، ويُشترط الإيمان في تحرير الرقبة.
الرابع: أن يتحد السبب، ويختلف الحُكم، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: غسل اليد ومسحها، ورد مسح الأيدي مطلقًا في التيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وورد مُقيد في آية الوضوء في قول ﷿: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
فالسبب مُتحد، وهو التطهر، والحكم مختلف، ففي الأول تيمم، وفي الثاني الوضوء، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد، ويكون لكل حالة حُكمها.
فقه العام والخاص:
العام هو اللفظ المُستغرق لجميع أفراده بلا حصر.
مثاله: الرسول، البر، الرقبة، وصيغ العموم مثل: كل، جميع، كافة، عامة، وأسماء الشرط مثل: مَنْ، والأسماء الموصولة مثل: الذي، اللذين، إلى آخره، والمُعرف ب ال، والنكرة في سياق الشرط مثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦].
وسياق النهي: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
والنفي مثل: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
أقسام العام:
ينقسم اللفظ العام من حيث الدلالة إلى ثلاثة أقسام:
عامٌ يُراد به العموم مثل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
الثاني: عامٌ يُراد به الخصوص مثل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فلفظ الناس عامٌ، ومخصوص بغير المُكلفين: كالأطفالِ، والمجانين.
الثالث: عامٌ ومخصوص: وهو العام الذي يقبل التخصيص، وهذا غالب العمومات التي في الكتابِ، والسنة، ويجب العمل بلفظ العام، حتى يثبت تخصيصه.
والخاص: هو تفرد الشيء بما لا يشاركه فيه غيره، وهو كل لفظ وُضع لمعنى واحد على الانفراد، مثاله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فالآية عامة خُصت بقوله سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
والتخصيص بالنص الشرعي له أربع حالات:
الأولى: تخصيص القرآن بالقرآن، مثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
خُصصِت بقوله سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
فيجوز نكاح نساء أهل الكتاب.
الثانية: تخصيص القرآن بالسنة، مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
خُصصت بقوله ﷺ في البحر: «هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ».
أخرجه الترمذي والنسائي بسندٍ صحيح.
الثالثة: تخصيص السُنة بالسُنة، مثل قول الرسول ﷺ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ».
متفق عليه.
خُصَّ بقول النبي ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ».
متفق عليه.
الرابعة: تخصيص السنة بالكتاب، مثل قول النبي ﷺ:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّي رَسُولُ اللهِ».
متفق عليه.
فهذا عام خُصِصَّ بقول سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
فقه: الأمر والنهي:
الأمر: طلب الفعل، والنهي: طلب الترك.
الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
وصيغة الأمر لها حالتان:
الأولى: أن يكون الأمر مقترنًا بما يدلُ على أنه للوجوب أو لغيره.
مثاله: الوجوب كقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦].
والاستحباب أن يقترن الأمر بما يدل على أنه للاستحباب.
مثال: قوله ﷺ: «لوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ».
متفق عليه.
الثانية: أن يرد الأمر مطلقًا مجردًا من القرائن، فهو الوجوب،كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
والنهي هو: القول الدال على طلب الكف الفعلي على جهة الاستعلاء.
وصيغ النهي مثل: لا تفعل، وأن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحذر، أو القُبح، أو نفي الحل، أو الأمر الدال على الترك، وذم فاعله، أو يترتب على فعله عقاب ونحو ذلك.
والنهي يقتضي التحريم، والفساد، إذا تجرد عن القرائن كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
حكم القياس:
أدلة الشرع أربعة:
١ - الكتابُ.
٢ - والسنة.
٣ - والإجماعُ.
٤ - والقياس.
والقياس: إلحاق فرعٍ بأصلٍ لعلةٍ بينهما.
ومثال القياس: كقياس النبيذ على الخمر في التحريم، لعلة الإسكار، وقياس الأرز على البر في إخراج زكاة الفطر؛ لعلة القوت والادخار، ونحو ذلك.
وأركان القياس أربعة:
١ - الأصل المقيس عليه: كالخمر.
٢ - والعلة الجامعة بينهما وهي: الإسكار.
٣ - والفرع المقيس: كالنبيذ.
٤ - وحكم الأصل، وهي: التحريم.
والجامع بين الفرع والأصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قياس العلة: كقياس الأرز على البر في زكاة الفطر؛ لعلة القوتِ، والطُعمِ، والكيلِ، والادخار.
الثاني: قياس الدلالة، وضابطة أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة: كإلحاق النبيذِ بالخمر بجامع الشدة المُطربة، وقياس القتل بمثقلٍ عمدًا على القتل بمحدد بجامع الإثم، وقطع الجماعة في السرقة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في غير العمد.
الثالث: قياس الشبة: كالعبد الرقيق، لأنه متردد بين أصلين، فهو يشبه المال؛ لكونه يُباع، ويُشترى، ويوهب، ويشبه الحر؛ لكونه إنسانًا ينكح، ويُطلق، ويُثاب، ويُعاقب، لكن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر، فيلحق في الأحكام بالأموال؛ لأنه يشبه المال في الحُكم، والصفة.
والقياسُ هو: العدل والميزان الذي ذكره الله في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
والقياسُ ينقسم إلى قسمين:
الأول: قياسٌ صحيح، وهو: الميزان الذي أنزله الله مع كتابه كما سبق.
الثاني: قياسٌ فاسد، وهو: ما يُضاد القياس الصحيح، كقياس الميتة على المذكاة؛ لما يشتركان فيه من إزهاق الروح، هذا بفعل الله، وهذا بفعل الآدمي، وقياس الربا على البيع؛ لما يشتركان فيه من التراضي، هذا كله قياسٌ باطل مذموم فاسد: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
فقه الغفلة
الغفلة ضد الذِكر، والغفلة هي الشرود عن الشيء، وخروجه عن الذهنِ؛ للاشتغال بغيره، وإذا غفل الإنسان فاته مطلوبه، ووقع في الخطأ، والله ﷿ لا يغفل أبدًا، فعلمه محيط بكل خلقه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
فالله سبحانه سميعٌ بصيرٌ عليم، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء لا يغفل عما يفعله الظلمة، ولكنه يُمهل ولا يُهمِل؛ لعلهم يتوبون أو ليزدادوا إثمًا؛ ولتكون عقوبتهم أشد يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
فكل ما يعمله الكُفار والظلمة والطغاة مدخره الله لهم،ومُجازيهم عليه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١]
وليس الله بغافل عما يعمله المسلمون من الخير والحسنات، فهو مدخرة لهم، ومُجازيهم عليه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
فجميع الأعمال خيرها وشرها، تُحفظ عند الله، ويُجازي بها أهلها يوم القيامة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٣].
وأعظم أنواع الغفلة: الغفلة عن الله ﷻ، والغفلة عن أوامر الله، والغفلة عن اليوم الآخر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
***
مختارات
