الخزانة الثالثة..
أقسام الأمانة:
الأمانة تطلق على معانٍ عدة يجمعها أصلان:
الأول: أمانة في حقوق الله:
وهى جميع العبادات التي ائتمن الله عباده عليها، وكلفهم بها كالوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد وغيرها من أنواع العبادات.
الثاني: أمانة في حقوق البشر:
وهى كثيرة جدًا منها أمانة الولاية، وهى أعظمها مسئولية فالحاكم أمين على مصالح الأمة الدينية، والدنيوية، وأمانة القاضي في عمله، وأمانة الرجل في أهله، وأمانة المعلم على طلابه، وأمانة الطبيب على مرضاه، وأمانة التاجر على زبائنه، وغير ذلك من أنواع الأمانات.
ثانيًا: الأمانة المالية:
وهي الأموال التي تكون بيد الإنسان؛ لمصلحته كالعارية، أو لمصلحة مالكها كالوديعة، أو لمصلحتهما معا كالدار المستأجرة، أو السيارة المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع، فيجب حفظها، وأداؤها لأهلها.
ثالثًا: الأمور الخاصة التي تكون بين الرجل، وصاحبه، أو بين الزوج، وزوجته، فهذه أمانة لا يجوز له أن يفشيها لأحد.
وأعظم الأمانات ما كان بين العبد، وربه بعبادة الله ﷿ وحده لا شريك له واجتناب عبادة ما سواه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فأعظم الأمانات ما كان بين العبد، وربه بالعبادة، وما يجب على خلقه بالدعوة لأن حق الرب أعظم الحقوق ثم حقوق الخلق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
• فقه حمل الأمانة:
إن السموات، والأرض، والجبال من المخلوقات العظيمة، التي يبدو الإنسان أمامها شيئًا صغيرًا، ضئيلًا، هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى من يحكمها، ويدبرها، وتطيع أمر الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر، ولا وساطة، وتجري، وتمضي في تنفيذ أوامر خالقها دائبةٌ منقادة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فهذه الشمس تدور في فلكها، وترسل أشعتها، وتجري لمستقر لها، وتؤدي وظيفتها التي قدر الله لها بلا إرادة منها، وهي مسرعة في تنفيذ أوامر ربها، وطاعته ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨].
وهذا القمر، وهذه النجوم، والكواكب، وهذه الرياح، والسحب، وهذا الهواء كلها تمضي بشأنها بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته، بلا جهد منها، ولا كد، ولا محاولة: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠].
وهذه السماء المرفوعة، بما فيها من عجائب، والمخلوقات الهائلة، وهذه الأرض بما فيها من الآيات، والعبر، تخرج زرعها، وتقوت أبنائها، وتوارى موتاها، وتفجر ينابيعها، وفق سنة الله، بلا إرادة منها ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وهذا الماء الجاري، وهذه النباتات المختلفة، وهذه الأشجار المثمرة، وهذه الجبال العالية، وهذه البحار الواسعة، وهذه السهول، وهذه المهاد، وهذه البطاح كلها تؤدي دورها، وتطيع ربها، وتقوم بوظيفتها طائعة منقادة بإذن ربها، خاشعة لربها تنفذ أمره بلا إرادة منها.
هذه المخلوقات العظيمة في العالم العلوي وفي العالم السفلي، كلها أشفقت من أمانة تبعة، أمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية، أمانة المحاولة الخاصة، وحملها الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه، وشعوره، ويهتدي إلى بارئه بتدبره، وبصره، ويطيع الله بإرادته، وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته، ونزغاته، ومجاهدة ميوله، وشهواته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
حقًا إنها أمانة عظيمة، حملها هذا المخلوق صغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر، الظلوم، الجهول، الكفور، العجول، اليئوس، القنوط، الذي تحيط به المغريات، وتناوشه الشهوات، وتستبد به النزعات، والميول، والأطماع، وإنها حقًا لتبعةٌ ثقيلة جسيمة، وبسبب ظلمه لنفسه، وجهله بطاقته، زج نفسه لحملها، وأنه لمقامٌ عالٍ كريم، حين رضي الإنسان بالتبعة، ويصل لمعرفة بارئه، والاهتداء المباشر إلى ربه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه، كالمخلوقات الأخرى، التي فطرها الله على معرفته ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
فالمخلوقات الأخرى تعرف ربها مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطلع مباشرة، ولا يحول بينها، وبين بارئها حائل، ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد، والطاعة، والأداء، فهي جميعًا في العالم العلوي، والعالم السفلي، شاهدة بوحدانية الله، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته، وخاضعة لأمره، ومسبحة بحمده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
إن الإنسان حين يصل إلى هذه الدرجة، وهو واعٍ، مدركٍ، مريد، أنه يحصل حقًا إلى مقام كريم، ومكان عظيم بين خلق الله الفريد: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
إن الإرادة، والإدراك، والمحاولة، وحمل التبعة، هي ميزة الإنسان على كثير من خلق الله في السماء، والأرض، وهى مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهو أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأكرم بذلك ذريته من بعده.
فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله، ولينهض بالأمانة التي اختارها، والتي عرضت: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
واختصاص الإنسان بحمل الأمانة، وأخذ على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه، هذا كان؛ ليتحمل عاقبة اختياره، وليكون جزائه على عمله، وليحق العذاب على المنافقين، والمنافقات، والمشركين، والمشركات، وليمد الله يد العون للمؤمنين، والمؤمنات؛ ليتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط، مما ركب فيهم من ضعف، ونقص، ما يقف في طريقهم من حوله، من عواجز، وموانع، وما يشدهم، ويجذبهم من الشهوات، والمغريات، فذلك فضل الله، وعونه: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٩].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد حمل الإنسان هذه الأمانة: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٣].
الأمانات في الدين كثيرة، وقد أمر الله ﷿ بأداء جميع هذه الأمانات، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى، الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان، والتي أبت السموات، والأرض، أن يحملنها، وشفقنا منها، وحملها الإنسان، وهي أمانة الهداية، والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد، وإرادة، وجهد، واتجاه، ومحبة، فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فكل ما عدا الإنسان، ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته، وألزمه طاعة أمره بغير جهد منه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والإنسان وحده هو الذي وكله الله إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله، كما قال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقد حمل الإنسان هذه الأمانة العظيمة، وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات، ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات التي أمر الله أن تؤدى.
• ومن هذه الأمانات:
١ - أمانة الوقت، فالوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، والنفس أن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر، فالمكان ظرف للأشياء، والزمان ظرف للأعمال، ولأهمية الوقت أقسم الله به في القرآن بجميع الأوقات، فأقسم الله بالليل، والنهار،فقال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢].
وأقسم الفجر، وبالعصر، والضحى، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١ - ٢].
وقسم العبادات على الأوقات: كالصيام، والحج، والأذكار، وغيرها.
وملأ حياة الإنسان بالأعمال الصالحة، التي تستغرق حياة الإنسان، وتسعده في دنياه، وأخراه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ومن هذه الأمانات، أمانة الشهادة لهذا الدين، فالشهادة له في النفس البشرية أولًا بمجاهدة النفس، حتى تكون ترجمة له، ترجمة حية في شعورها، وسلوكها، وظاهرها، وباطنها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس الجميلة، فيقولون ما أحسن هذا الإيمان، وأطيبه، وأزكاه، وهو يصوغ أصحابه على الجمال، والكمال، وحسن الأخلاق، والآداب: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فتكون هذه شهادة، لهذا الدين في النفس، يتأثر بها الآخرون فيدخلون فيه، والشهادة له كذلك بدعوة الناس إليه، وبيان فضله، وجماله، وسننه، وأحكامه، فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لما يدعو إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة، والتبليغ، والبيان، وهي إحدى الأمانات الكبرى،التي شرف الله بها الإنسان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
ثم الشهادة لهذا الدين، بمحاولة إقراره في الأرض منهجًا للبشرية كلها، تسير على هداه، وتتميز عن البهائم، والسباع، والكفار، فإقرار منهج لله في حياة الفرد، وحياة الأمة، في حياة البشر، هو كبرى الأمانات بعد الأيمان بالله، ولا يعفى من هذه الأمانة فرد، ولا جماعة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
ومن الأمانات التي يجب أدائها، أمانة التعامل مع الناس، ورد أمانتهم إليهم، وأمانة المعاملات، والودائع، وأمانة النصيحة للراعي، والرعية، وأمانة القيام على الأهل، والأولاد، وأمانة المحافظة على العبادات، وأدائها في وقتها بصفتها خالصة لله، وسائر ما ورد في الدين من أحكام، وواجبات، وسنن، وآداب، فهذه من الأمانات التي يجب أن تؤدى، كما أمر الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
ومن أعظم الأمانات، وأهمها:
الحكم بما أنزل الله في أي جيل، وفي أي قبيل، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فإنما يرفض ألوهية الله، ويرد أمره، وذلك كفر، وخيانة للأمانة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
***
مختارات

