الخزانة الثانية..
فقه القواعد الكلية الشرعية
القاعدة الأولى: اليقينُ لا يزول بالشك.
هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه الإسلامي، وتُعد مظهرًا من مظاهر اليُسر والرحمة في الإسلام؛ لما فيها من رفع الحرج الذي ينشأ عن الوسواس خاصة في باب الطهارة، والصلاة.
واليقين هو: العلم الجازم المستقر في القلب الذي لا يقبل الشك.
والشك هو: الأمر الذي استوي طرفاه في القلب، فإذا ترجح أحدهما ولم يُطرح الآخر فهو الظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين، وإذا لم يطرحه فالمرجوحُ وهم.
واليقين أعلى مراتب الدين، وهو ثمرة الفقه في الدين،والدعوة إلى الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
حُكم الشك:
الشك هو: التردد بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
ومحل الشك: إما أن يكون في وجود الشيء وعدم وجوده، وإما أن يكون في جنسه من أي جنس هو، وإما أن يكون في بعض صفاته، وإما أن يكون في سبب وجوده.
ومما له صلة بالشك: الاشتباه، والوسوسة.
فالاشتباه: الالتباس في أمرٍ من الأمور، وعدم اتضاحه:كعدم تيقن الحُكم كونه حلالًا أو حرامًا، ويُعد الشك سببًا من أسباب الاشتباه.
والوسوسة مرضٌ في القلب، بأن ينشغل القلب بفكرة تُسيطر على العقل، فتحمله على أعمالٍ خرقاء خارجة عن المألوف.
أدلة قاعدة اليقين لا يزول بالشك:
اليقين لا يزول بالشك؛ لأن اليقين أقوى من الشك؛ لأن في اليقين حُكمًا قطعيًا جازمًا لا ينهزم بالشك، والشك لا يقوى على إزالة اليقين، فالعلم ضد الجهل، واليقين ضد الشك، وهذه القاعدة تستندُ إلى أدلة شرعية منها: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؛ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
أخرجه مسلم.
أصولٌ عامة:
الأصل ما ثبت بدليلٍ شرعي يُعمل به، ومن ذلك.
أولاً: الأصل في المياه الطهارة: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
ثانيًا: الأصلُ في الأرضِ وما تولد فيها الطهارة، كما قال النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
متفق عليه.
وقال ﷺ: «الصَّعِيدَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ».
أخرجه البخاري.
ثالثًا: الأصل في الذبائح التحريم إلا ما دل الدليل على حله،كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
رابعاً: الأصلُ في الأبضاع، والفروج التحريم إلا ما دل الدليل على حله، كالنكاح وملك اليمين كما قال سبحانه:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤].
خامساً: الأصلُ في دماء المسلمين، وأعراضهم، وأموالهم التحريم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
وقال النبي ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».
أخرجه الترمذي.
سادسًا: الأصلُ في الطلاق التحريم إلا عند الضرورة والحاجة والمصلحة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
سابعًا: الأصلُ في المنافع: الحِل والإباحة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
ثامنًا: الأصلُ في المضار التحريم.
قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
أخرجه أحمد وابن ماجة.
تاسعًا: الأصلُ في الميتة التحريم إلا السمك والجراد فهو جلال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
فروع قاعدة اليقين لا يزول بالشك:
يتفرع عن هذه القاعدة الكُبرى عدة قواعد منها:
أولًا: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فما كان حلالًا يبقى حلالًا إلا أن يرد دليلٌ على الحُرمة، وما كان طاهرًا يبقى طاهرًا إلا أن يرد دليلٌ يُفيد النجاسة.
ثانيًا: الأصلُ براءة الذمة، فالأصلُ في ذمم الناس فراغها من جميع أنواع التحمل إلا أن يثبت ذلك بدليل، فالبينة على المُدعي، واليمينُ على من أنكر.
ثالثًا: الأصل في الأمور العارضة: العدم، فالصفات الطارئة على الشيء يُحكم بعدمها إلا أن يثبُت دليل الوجود:كالعيب في المبيع.
رابعًا: لا يُنسب إلى ساكتٍ قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان: كسكوت المُتصدق عليه، وسكوت المدين عند إبراء الدائن له.
خامسًا: إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فإذا حصل اختلاف في زمن حدوث الشيء نُسِب إلى أقرب الأوقات للحال؛ لأنه يقين، ويُترك الأبعد لأنه شك.
سادسًا: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل، فكل حجة فيها احتمال مستند إلى دليل يجعلها غير معتبرة فهي باطلة، فلا تُقبل شهادة الأصول والفروع بغضهم لبعض؛ لتمكن التهمة الناشئة عن القرابة.
سابعًا: لا عبرة بالدلالة مع، وجود التصريح؛ لأن دلالة التصريح يقينية، ودلالة القرائن محل شك، فالتصريح مُقدمٌ على الدلالة عند التعارض؛ لأنه أقوى منها.
القاعدة الثانية: قاعدة الضرر يُزال.
هذه القاعدة من أهم القواعد الفقهية، ولعلها تدخل في نصف الفقه الإسلامي؛ لأن الأحكام إما لجلب مصلحة، أو لدفع مضرة، ويدخل فيها ما يتعلق بالضروريات الخمس،ويدخل فيها كثيرٌ من القواعد الفرعية: كالضرر يُزال بقدر الاستطاعة، بقدر الإمكان، والضرر لا يُزال بمثله، والضرر الإخلال بمصلحةٍ مشروعة لنفسه أو لغيره؛ تعديًا أو تعسفًا أو إهمالًا، فيجب إزالته ورفعه عن النفس و الغير.
ويجب رفع الضرر قبل وقوعه وبعده، فإذا وقع وجبت إزالته، وترميم آثاره، فشُرِع الجهاد في سبيل الله؛ لدفع ضرر العدو، ووجبت العقوبة؛ للقصاص والحدود، لقمع الإجرام، وشُرعت الشُفعة، لدفع ضرر الجار أو الشريك.
والضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقة، والضرار: إلحاق مفسدة بالغير على وجه المُقابلة.
تأصيل قاعدة الضرر يُزال:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
أخرجه أحمد وابن ماجة.
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا».
متفق عليه.
إعمال قاعدة الضرر يُزال:
يُشترط لإعمال هذه القاعدة ما يلي:
أولًا: أن يكون الضرر مُحققًا في الحال أو المستقبل.
ثانيًا: أن يكون الضرر فاحشًا.
ثالثًا: أن يكون الضرر بغير حق؛ بالتعدي، والتعسف، والإهمال.
رابعًا: أن يكون الضرر مخلًا بمصلحة مشروعة، فيجب إزالة الضرر قبل وقوعه، وإزالة الضرر بعد وقوعه، فيجب سد الذرائع المؤدية إلى المضار، وقاية من حصول الضرر، كمنع السفيه من التصرف في ماله وتجب إزالة الضرر بعد وقوعه؛ لأن الضرر ظلمٌ يجب إزالته.
أحوال إزالة الضرر:
إزالة الضرر لها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون بإزالة عينه: كالتنورِ، والمطحنةِ، والمدبغة التي تؤذي الجار.
الثانية: أن تكون بالتعوذ عنه وهو المُسمى بالضمان؛ حفظًا للحقوق، والأموال.
الثالثة: أن تكون بإيقاع العقوبة على الفاعل من قصاصٍ، وحدٍ، وتعزير.
فروع قاعدة الضرر يُزال:
أولًا: تصرف الإنسان في ملكه الخاص يجوز إذا لم يتضرر به غيره.
ثانيًا: تُقدم المصالح إذا كانت غالبة، وتُقدم المفاسد إذا كانت غالبة، ودرء المفاسد مُقدمٌ على جلب المصالح عند التساوي.
ثالثًا: إذا تعارضت مفسدتان اُرتُكِب أخفهما ضررًا.
رابعًا: تُرتكب المفسدة الخاصة؛ دفعًا للمفسدة العامة، ويُتحمل الضرر الخاص، دفعًا للضرر العام.
خامسًا: الضرر يُدفَع بقدر الإمكان قبل وقوعه، ويُدفع البعض إذا لم يمكن دفع الكل.
ضوابط قاعدة الضرر يُزال:
أولًا: الضرر لا يُزال بمثله، أو أشد منه، وإنما يُزال الضرر بغير إضرارِ بالغير إن أمكن، وإلا بأخف منه.
ثانيًا: الضرر يُزال قديمًا كان أو حديثًا، فلا ضرر ولا ضرار:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
القاعدة الثالثة: قاعدة المشقة تجلب التيسير:
المشقة تجلب التيسير من أمهات القواعد الفقهية التي عليها مدار الفقه الإسلامي، فهي أصلٌ للتخفيفات المُطلقة، والرُخص الشرعية، وهي مظهرٌ من مظاهر سماحة الإسلام ووسطيته، وتكليف الناس بما يطيقون، ورفع الحرج عنهم: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
معنى القاعدة:
أولاً: المشقة هي: العُسرُ والعناء الخارجين عن حد العادة في الاحتمال، ويتصل بالمشقة من الألفاظ: الحرج، والضرورة، والحاجة؛ فالحرج ما فيه مشقة فوق المُعتاد، فهو أشد من المشقة، والضرورة: بلوغ الإنسان حدًا إن لم يتناول المحظور هلك أو قارب، وهي أشد من المشقة،
والحاجة ما تكون حياة الإنسان بدونه عسرة شديدة، فهي أدنى من الضرورة.
ثانيًا: التيسير هو: ما كان أيسر وأسهل على الناس، ويتصل بالتيسير من الألفاظ: التخفيف، والترخيص، والتوسعة، والتعزيم.
فالتخفيف: رفع مشقة الحُكم الشرعي بنسخٍ، أو تسهيلٍ، أو إزالة بعضه ونحو ذلك.
والترخيص: الحكم النازل باليُسر بعد العُسر؛ لعذرٍ من الأعذار كسفر أو مرض.
والتوسعة هي: ما يكون به الشيء واسعًا مُيسرًا.
والتعزيم: الحُكم الوارد على فعلٍ غير منظورٍ فيه للعُذر: كوجوب الصلاة تامة في الأحوال العادية، وتحريم أكل الميتة.
فالأحكام التي يكونُ فيها حرج على المُكلف في الشريعة تُخففها بما يستطيعه المُكلف دون عُسرٍ أو حرج: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
مقصود القاعدة:
المشقة تجلب التيسير المقصود منها رفع الحرج عن العباد بتحقيق مصالحهم بحفظ الضروريات، والحاجيات، والتحسينات.
فالضروريات: حفظ النفس، والعرض، والعقل، والمال، والدين.
والحاجيات هي: التي يحتاجها الناس للتوسعة عليهم، ورفع الحرج عنهم، وتتمثل في تشريع الرُخص، وإجازة المُضاربة، والمُسابقات، وغيرها من المعاملات بين الناس.
والتحسينات هي: ما يقتضيه الأدب الشرعي، وتتمثل في العادات الحسنة، ومكارم الأخلاق: كالطهارة، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ونحو ذلك.
تأصيل قاعدة المشقة تجلب التيسير:
ثبتت هذه القاعدة الشرعية بالكتابِ والسُنة بأدلةٍ كثيرة منها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: -٢٨].
وقال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ١ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَعَلَيْكُمُ بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِي النَّاسِ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ».
أخرجه البخاري.
أسباب وجود المشقة:
الأسباب التي يغلب معها وقوع المشقة كثيرة ومنها:
أولًا: السفر، وهو: كل ما يسمى سفرًا في العُرف، فيُشرع للمسلم الترخُص برخص السفر بعد مفارقة بنيان بلده في قصر الصلاة، والفطر في رمضان، ونحو ذلك.
ثانيًا: المرض، وهو: عرض يطرأ على بدن الإنسان يضعفه عن القيام بالمطلوب على الوجه المُعتاد: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].
ثالثًا: الإكراه، وهو: حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد، فمن أُكره على شيء بغير حق، فله فعله ما لم يضر غيره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
رابعًا: النسيان، وهو: زوال المعلومة عن فكر المُكلف، فإذا كان النسيان لا يتعلق بحقوق العباد؛ لأن حقوق العباد لا تسقط بالنسيان، ولم يكن الحق قابلًا للتدارك: كمن نسي الصلاة، والزكاة، أو الكفارة، فهذه يجب الإتيان بها عند تذكرها.
فالنسيانُ سببٌ من أسباب رفع المشقة، جالب للتيسير في حقوق الله.
قال النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةً أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ».
أخرجه مسلم.
خامسًا: الجهل، وهو: عدم العلم بالحُكم الشرعي، وهو سببٌ في التيسير، والتخفيف في حقوق الله؛ لأن حقوق العباد مضمونة لا تسقط بالجهل.
سادسًا: العُسر، وهو: عموم البلوى: كصحة الصلاة مع وجود النجاسة، كمن به سلس البول.
سابعًا: النقص، ويتعلق بثلاثة أمور: العقل، والحُرية، والذكورة.
فالنقص في العقل خمسة:
الجنون، والعته، والنوم، والإغماء، والسُكر.
والنقص الذي يعترض الحرية: الرق، والنقص الذي يتعلق بالجنس: الأنوثة: كحيض المرأة.
ثامنًا: الخطأ، وهو: ما ليس للإنسان فيه قصد، وهو عُذرٌ إذا كان في حق الله، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم.
أنواع المشقة:
المشقة باعتبار تحمل الإنسان لها تنقسم إلى قسمين:
الأول: مشقة مُعتادة، وهي التي يستطيع الإنسان تحملها دون ضرر، وهذه من مستلزمات التكاليف الشرعية:
كمشقة الوضوء، والغُسل في شدة البرد، والصوم مع طول النهار، ومشقة الحج، فهذه المشقة لا اعتبار لها في إسقاط العبادات والطاعات؛ لأن المصالح كلها منوطةٌ بالتعب، وعلى قدر التعب تكون الراحة والأجر.
الثاني: مشقة غير مُعتادة، وهي الزائدة عن العادة، فلا يتحملها الإنسان عادة، وتُفسد على النفوس تصرفاتها، وتُعطل البدن عن العمل غالبًا، فهذه المشقة تجلب التيسير:﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
حكمة عدم التكليف بالمشقة:
الله ﷿ رءوف بالعباد، والإسلام دين يُسر، وشريعة سمحة، لم يُكلف العباد بما يشق عليهم؛ رحمةً بهم، وخوفًا من الانقطاع في الطريق، وبُغض العبادة، و كراهة التكاليف، وإدخال الفساد على جسم المُكلف، وعقله، وماله، أو حاله؛ لأن الله وضع الشريعة المُباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ بها الخلق من كل شر، فلو عملوا بخلاف السماحة واليُسر، لأصابهم الضرر، وخوف التقصير عن إكمال العمل.
أنواع الرُخصة:
رُخص الله ﷿ لعباده لإزالة المشقة عنهم، كما يلي:
أولًا: رخصة تنقيص: كقصر الصلاة الرباعية في السفر.
ثانيًا: رخصة بدل: كإبدال الوضوء، والغُسل بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عند استعماله.
ثالثًا: رخصة اضطرار: كأكل الميتة للمضطر.
رابعًا: رخصة تغيير: كتغيير هيئة الصلاة عند الخوف في الجهاد.
خامسًا: رخصة تقديم: كتقديم العصر إلى الظهر، أو العشاء للمغرب عند السفر، أو المطر، أو المرض.
سادسًا: رخصة تأخير: كتأخير الظهر إلى العصر، أو المغرب إلى العشاء عند السفر، أو المرض، وتأخير صيام رمضان بسبب المرضِ، أو السفر، ونحو ذلك من الترخيصات،والتخفيفات التي جاءت بها الشريعة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
فروع قاعدة المشقة تجلب التيسير:
لهذه القاعدة العظيمة فروعٌ منها:
أولًا: الضرورات تبيح المحظورات، حالة الضرورة أو الحاجة الشديدة تُجيزُ ارتكاب المحظور شرعًا، والضرورة تُقدر بقدرها، وإذا زال العُذر زالت الإباحة، وما جاز لعذرٍ بطل بزواله، لكن لا يجوز للمضطر فعل ما يضرُ بغيره: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
ثانيًا: الحاجة تُنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة، فالضرورة، والحاجة كل منهما يستدعي ويُبيح فعل المحظور، أو ترك الواجب، لكن الضرورة أشد من الحاجة؛ لأن الضرورة حالة مُلجئة تستدعي فعل المحظور؛ لحماية الضرورات الخمس، ولا يتخلص منها الإنسان إلا بارتكاب محظور، أما الحاجة فهي تستدعي التسهيل، ويسعُ الإنسان تركها لكن مع ضيقٍ، وحرج.
ثالثًا: إذا تعذر الأصل صرنا إلى البدل، فمن فقد الماء له أن يتيمم ويصلي.
رابعًا: الميسور لا يسقُط بالمعسور، فمن كُلِف بالصلاة فقدر على بعض أركانها، وعجز عن البعض، فيأتي بما قدر عليه،ويسقط ما عجز عنه كما قال النبي ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
أخرجه البخاري.
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، ومَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ».
متفق عليه.
القاعدة الرابعة: قاعدة العادةُ مُحَكمة
هذه القاعدة إحدى القواعد الشرعية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي، وهي العُرف الذي تدور عليه عجلة المعاملات بين الناس، وهي مظهرٌ من مظاهر التيسير باعتبار ما ألفه الناس واعتادوه من الأمور الصالحة الموافقة للشريعة الإسلامية، ومقاصدها.
معنى العادة مُحكمة:
العادة هي: ما استمر الناسُ عليه على حُكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى، ويتصل بالعادة من الألفاظ:العُرف، والسنة، والدأب.
فالعُرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول، والعادة والعُرف مترادفان.
والسُنة هي: الطريقة المسلوكة بين الناس.
والفرق بين العادة والسُنة أن العادة ما يُديم الإنسان فعله متبع لنفسه، والسنة الشرعية هي: التي جاء بها النبي ﷺ.
والدأبُ: هي العادة المُستمرة دائمًا مُحكمة هي المرجع عند الخلاف، فالتعامل جار بين الناس حجة يجب الرجوع إليه، والعمل به ما لم يخالف الشرع.
تأصيل قاعدة العادة مُحكمة:
الأصل في السؤال والخطاب والأحكام أنه يمضي على ما عَمَّ وغَلَبَ إلا على ما شَذَّ ونذر، ومستند العادة مُحكمة:الكتاب والسُنة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال النبي ﷺ: «لا طَاعَةَ لمَخلوق فِي مَعْصِيَةِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ».
متفق عليه.
مقصود العادة مُحكمة:
مقصودها رفع الحرج عن الناس، وتيسير أمورهم، وتحقيق مصالحهم بمراعاة عادات الناس، وأعرافهم الصالحة النافعة.
أقسام العادة أو العُرف:
تنقسم العادة باعتبار الموضوع إلى قسمين:
الأول: العُرف القولي واللفظي وهو: أن يتعارف قومٌ إطلاق لفظٍ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلى غير ذلك المعنى: كلفظ البيت في بعض البلاد بمعنى الدار، وفي بعضها بمعنى الغرفة.
الثاني: العُرف العملي وهو: ما جرى عليه عُرف الناس في معاملاتهم: كعادة الأكل، والشرب، واللباس، والركوب، والزراعة، ونحوها، وكأخذ أجرة معينة عند نقل الركاب من مكان إلى مكان، ونحو ذلك من الأعراف.
وينقسم العُرف باعتبار العموم والخصوص إلى قسمين:
الأول: عرفٌ عام وهو: ما يشترك فيه غالب الناس في جميع البلاد: كالبيع بالكيلو، والتعامل بالأوراق النقدية من الريالات، والجنيهات، والدولارات، ونحو ذلك.
الثاني: عرف خاص: وهو ما يختصُ ببلدٍ أو فئة من الناس: كأرباب المهن: كتقسيم أجرة المحامي إلى مُعجل ومؤجل، وتقسيم مهر الزوجة إلى مُعجلٍ ومؤجل ونحو ذلك.
وتنقسم العادة إلى قسمين:
عادة شرعية منصوص عليها، وعادة ليس بها نص شرعي.
أولاً: العادات الشرعية ما أمر بها الشارع، أو نهى عنها، أو أذن فيها، بنصٍ من الكتاب، أو السنة، وهذه العادات ثابتة أبدًا: كالأمر بالصلاة، وستر العورة، والبيع، والإجارة، والزواج، والطلاق، ونحوها.
ثانيًا: العادات الجارية مما ليس فيه نص شرعي، وهي نوعان:
الأول: عادات جارية ثابتة للعموم؛ لأنها تتعلق بفطرة الإنسان: كشهوة الطعام، والشراب، وميل الإنسان إلى ما يلائمه، ونفوره مما لا يلائمه.
الثاني: عادات جارية بين الناس، مُتبدلة بحسب الزمان أو المكان أو الحال مثل: كشف الرأس، فإنه حسنٌ في بعض البلاد، وقبيح لذوي المروءات
بعض البلاد، ومثل الأكل في الشارع فهو حسنٌ في بعض الديار، وقادحٌ في العدالة في بعض البلاد.
اعتبار العادة في الأحكام الشرعية:
تحكم العادة لإثبات الحكم الشرعي، فتُفسر بها النصوص المُطلقة التي لم يحددها الشرع، ولا اللغة، وتُبنى الأحكام الشرعية عليها فيما لم يرد فيه نص شرعي، وإذا تغيرت العادة أو العُرف وجب تغيير الحُكم.
والعادة أو العُرف ليست دليلًا مستقلًا، وإنما تُرد إليها الأحكام الشرعية بشروط منها: ألا تخالف العادة نصُا شرعيًا، أو أصلًا قطعيًا: كالتعامل بالربا، وأن تكون العادة مُطردة أو غالبة، وأن تكون موجودة عند إنشاء التصرف.
تطبيقات العادة مُحكمة:
يُنظر إلى العادة في الحيض، وثمن الأشياء من دينارٍ، أو درهمٍ، أو ريالٍ، ونفقة الزوجة والأولاد حسب العُرف، والعقوبة التعزيرية حسب العادة التي تحصل بها المصلحة، وتندفع المفسدة، وإفتاء الناس حسب العادة والعُرف، والقضاء بينهم حسب العُرف الجاري بينهم ما لم يخالف الشريعة.
فروع العادة مُحكمة:
من فروع هذه القاعدة ما يلي:
أولًا: المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا.
فما يتعارف الناس عليه في معاملاتهم لا يحتاج إلى ذكرٍ صريح في العقد، لكن بشرط ألا يخالف نصًا شرعيًا.
مثالها: البيع بالتعاطي دون إيجابٍ، وقبول باللفظ.
ثانيًا: الكتابُ كالخطاب: فيُصار إليه عند الحاجة، ويُستدل به على مراد المُتكلم، ويُعمل به سواء أن كان لفظًا، أو إشارةً، أو كتابًا، فالكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، تُعقد به العقود، وكل كتاب محرر على وجه المعروف الموثق يُعد حجة على كاتبه: كالنطق باللسان.
ثالثًا: تتغير الأحكام بتغير الأزمان، والأحوال، فما يتغير من العادات يتغير حكمه بتغير العُرف والعادة: كالنهي عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم لما زالت العلة أُبيح ذلك.
الأحكام التي تخضع للتغيير:
الأحكام الشرعية نوعان:
أولاً: أحكام مستندة إلى القرآن والسنة والإجماع، فهذا لا يتغير أبداً: كحرمة المحرمات المطلقة، ووجوب التراضي في العقود.
ثانيًا: أحكام مستندة إلى الاجتهاد أو القياس، أو العُرف، فهذا النوع محل التغيير والتبديل، ويجب فيه تحقيق العدل، وجلب المصلحة، ودفع المفسدة.
أسباب تغير الزمان؟.
الزمان ظرفٌ يجمع عادات الناس، وأحوالهم، وعلومهم، وحاجاتهم، وهي عادات تختلف بحسب الزمان والمكان.
وأسباب تغير الزمان كثيرة أهمها: أولاً: فساد أخلاق الناس، وضعف الوازع الديني.
ثانيًا: تغير العادات والأعراف التي هي مناط الحكم الشرعي.
ثالثًا: تطور الأوضاع، والأساليب، والوسائل التي تستدعي تغير الأحكام المبنية عليها.
رابعًا: حدوث ضرورات وحاجات تتطلبها الحياة المعاصرة مما يستدعي تغيير الأحكام: كأخذ الأجرة على الأذان، وتعليم القرآن، ونحو ذلك.
القاعدة الخامسة: قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله.
فالكلمات قوالب المعاني، واللسان مترجم لما في القلب، ومطهر لما فيه.
أقسام الكلام:
ينقسم الكلام باعتبار المتكلم إلى قسمين:
الأول: كلام الله تعالى، وهو أعظم الكلام، وأفصحه، وأبينه،وأنفعه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
تمت صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام.
الثاني: كلام الناس، وهو الكلام الذي ينطق به اللسان الذي خلقه الله تعالى وهو من أعظم نعم الله على الإنسان:﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
والبيان إما إشاري، أو كتابي، أو نطقي باللسان.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وأعلى كلام البشر، وأفصحه، وأبينه كلام النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
وينقسم الكلام باعتبار دلالته إلى: حقيقة، ومجاز.
أولاً: الكلام الحقيقي: هو: اللفظ المُستعمل فيما وضع له ابتداءً، سواء أن كان لغويًا: كالأسد، أو شرعياً: كالصلاة، أو عرفيًا: كالدابة.
ثانيًا: المجاز: وهو: اللفظ المُستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما مع قرينة مانعة من إيراد ما وضع له ومنه قول سبحانه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨٢].
أي أهل القرية.
شروط قبول الكلام:
المتكلم هو الشخص الذي يصدر عنه الكلام، ولا يُقبل كلام المتكلم ويُنفذ إلا بثلاثة شروط هي:
أولًا: البلوغ، لكن يُقبل كلام الصبي المميز الذي يُدركُ ما يتلفظ به.
ثانيًا: العقل، فلا يُقبل كلام المجنون وإقراره، لزوال عقله.
ثالثًا: الاختيار، فلا يُقبل كلام المُكره، لأنه مسلوب الاختيار.
ويجب إعمال كلام العُقلاء، وترتيب الحُكم الشرعي عليه.
والأصل في الكلام الحقيقة، وإذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز، وإذا تعذر إعمال الكلام أُهمل كما لو إدعى من له يدين على رجل آخر أنه قطع يديه، وطالبه بالدية، فهنا يقع الكلام لغوًا.
من فروع قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله:
أولًا: التأسيس أولى من التأكيد؛ لأن التأسيس يفيد معنى جديدًا، أما التوكيد فهو يكرر اللفظ لتقريره في ذهن المخاطب، فيجب حمل الكلام على التأسيس؛ لأن الإفادة خيرٌ من الإعادة.
ثانيًا: المُطلق يبقى على إطلاقه، ما لم يكن دليل التقييد نصًا، أو دلالة.
ثالثًا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
رابعًا: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، فما لا يقبل التجزئة يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله، كما لو نذر أن يصلي لله ركعة لزم أن يصلي ركعتين؛ لأن أقل الصلاة ركعتان.
خامسًا: السؤال معادٌ في الجواب، فالجواب بنعم، أو بل، أو أجل مشتملٌ على مضمون السؤال كما لو قال: هل أخذت من زيدٍ ألف ريال؟ فقال: نعم.
القاعدة السادسة: الأمور بمقاصدها.
فأفعال العبد مترتبة على نيته صحة وبطلانا، وقبولاً وردا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
***
مختارات
