فقه التوحيد (٢)
والقضاء نوعان:
إما مصائب.
وإما معائب.
وأحب الخلق إلى الله، وأقربهم إليه، من عرف عبوديته في هذه المراتب ووفاها حقها، وأبعدهم منه من جهل عبوديته في هذه المراتب كلها.
فعبوديته في الأمر امتثاله إخلاصاً واقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعبوديته في النهي اجتنابه خوفاً من الله، وإجلالاً له، وحياءً منه، ومحبة له.
وعبوديته في قضاء المصائب الصبر عليها، ثم الرضا بها، وهو أعلى منه، ثم الشكر عليها، وهو أعلى من الرضا.
وهذا إنما يتأتى منه إذا تمكن حب الله من قلبه، وعلم حسن اختياره له، وبره به، ولطفه به، وإحسانه إليه بالمصيبة وإن كرهها.
وعبوديته في قضاء المعائب المبادرة إلى التوبة منها، ووقوفه أمام ربه في مقام الاعتذار والانكسار، مستيقناً أنه لا يرفعها إلا هو، ولا يقيه شرَّها سواه، وأنها إن استمرت أبعدته من قربه، وطردته من بابه.
فيراها من الضر الذي لا يكشفه غيره، حتى إنه ليراها أعظم من ضر البدن، فهو عائذ برضاه من سخطه، وبعفوه من عقوبته، وبه منه، مستجير وملتجئ إليه.
يعلم يقيناً أنه إذا تخلى عنه، وخلى بينه وبين نفسه، وقع في أمثالها أو شر منها، وأنه لا سبيل إلى الإقلاع عنها والتوبة منها إلا بتوفيقه سبحانه وإعانته، وأن ذلك كله بيده سبحانه لا بيد غيره.
ويستيقن أنه أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه، أو يأتي بما يرضي سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته.
فهو ملتجئ إليه، ملق نفسه بين يديه، يعلم أن الخير كله بيديه، وأنه ولي نعمته، أعطاها له بدون سؤال، وابتدأه بها من غير استحقاق، وأجراها عليه، وساقها إليه، مع تبغضه إليه بإعراضه وغفلته ومعصيته، فحظه وحقه سبحانه الحمد والشكر والثناء، وحظ العبد الندم والنقص والعيب والتقصير.
فالحمد كله لله رب العالمين، والفضل كله منه، والمنَّة كلها له، والخير كله في يديه.
فمنه سبحانه الإحسان، ومن العبد الإساءة، ومنه التودد إلى العبد بنعمه، ومن العبد التبغض إلى ربه بمعاصيه.
وأما عبودية النعم: فمعرفتها والاعتراف بها أولاً، وعدم إضافتها إلى سواه وإن كان سبباً، فهو مسببه ومقيمه، فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار، ثم الثناء بها عليه، ومحبته عليها، وشكره باستعمالها في طاعته.
ومن لطائف التعبد بالنعم أن يستكثر قليلها عليه.
ويستقل كثير شكره عليها.
ويعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها.
وأنها لله لا للعبد.
فلا تزيده النعمة إلا انكساراً وذلاً وتواضعاً ومحبة للمنعم.
وكلما جدد الله له نعمة أحدث لها عبودية ومحبة، وخضوعاً وذلاً.
وكلما أحدث له قبضاً أحدث له رضىً.
وكلما أحدث العبد ذنباً أحدث له توبة وانكساراً واعتذاراً.
فهذا هو العبد الكيِّس: الذي عرف أن مولاه واحد، بيده كل شيء، ومنه كل شيء، فأحبه وتولاه، ولزم بابه.
فليس للعبد غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن تخلى عنه وأهمله هلك، لأنه ليس له من يعوذ به ويلوذ به غير سيده، وهو عبد مربوب مدبر مأمور منهي، يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، وليس عند العبد عمل إلا تنفيذ أوامر سيده، والعمل بما يرضيه.
فهؤلاء هم عبيد الطاعة الذين آمنوا بربهم، وهم المضافون إليه سبحانه في قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)} [الإسراء: ٦٥]
ومن عداهم عبيد القهر والربوبية وهم الكفار، وشأنهم شأن الملوك والأحرار، وإضافتهم إليه كإضافة سائر المخلوقات إليه، وهي إضافة مبنية على الملك والاقتدار.
لا على الطاعة والامتثال.
والعبد حقاً من يعبد ربه في جميع أحواله:
فيكون عبداً مطيعاً من جميع الوجوه صغيراً أو كبيراً، غنياً أو فقيراً، معافىً أو مبتلى، بالقلب واللسان والجوارح.
فالعبد وما يملك لسيده ومولاه، لا يتصرف إلا بأمره، وكيف يكون له في نفسه تصرف، ونفسه بيد ربه، وناصيته بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه.
وموته وحياته، وسعادته وشقاوته، وعافيته وبلاؤه، كله إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، بل هو ومن في العالم العلوي والسفلي في قبضته سبحانه، فكيف يرجو أو يخاف غيره؟.
فمن شهد ذلك صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ومعرفته.
مختارات

