الخزانة التاسعة..
الصفات التي تؤدى بها الأعمال الصالحة:
كل عملٍ لا بد له من صفات يؤدى به ليكون صالحًا مثمرًا مقبولًا عند الله سواء كان من العبادات كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغيرها، أو كان من المعاملات كالبيع، والتجارة، والصلح، والوكالة، وغيرها.
أو كان من الآداب، أو المعاشرات، أو الأذكار، أو الأدعية، وغيرها من أوامر الله ﷿، كالدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهم الصفات التي يجب توفرها في كل عمل ليكون مثمرًا مقبولًا.
ما يلي:
الأول: اليقين بأن هذا العمل الذي أمرنا الله ورسوله به فيه فقط قضاء حاجاتنا، وفوزنا، ونجاتنا، وفلاحنا في الدنيا والآخرة، بلا ريب: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: إخلاص العمل لله وحده لا شريك له؛ لأنه هو الذي خلقنا وهدانا وأعاننا عليه، وهو الذي يثبتنا عليه، ويثيبنا عليه ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال ﷿: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
وأعمال الدين غالية، لا يستطيع أحدٌ أن يدفع قيمتها إلا الله وحده، فكل من في السموات والأرض لا يستطيعون أن يعطوا أحدًا، ثواب تسبيحةٍ واحدة.
فأخلص العمل لمن وعدك بأجره وهو الله وحده، لا شريك له ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٤].
الثالث: إتباعه الرسول ﷺ في كل عمل بأن نفعله كما فعله الرسول ﷺ، ونستحضره لو كان النبي ﷺ حاضرًا أو في مكاني ماذا سيفعل في هذه الحال فأفعله إن علمت به أو إن جهلت سأسأل من يعلمه.
الرابع: استحضار فضيلة العمل، فالأعمال الصالحة ثقيلة:﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
وإذا عرفنا فضائلها سهل القيام بها، والمداومة عليها، والإكثار منها، والدعوة إليها ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
الخامس: استحضار فضيلة العمل الصالح، فنعرف فضيلة الذكر، والصوم، والحج، والدعوة إلى الله، وصلة الرحم، وغيرها من أعمال البر ليسهل القيام بها، والمداومة عليها.
سادسًا: الإحسان بأن نؤدي العبادات بصفة الإحسان، بأن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فهو يراك، فنستحضر أن الله يرانا ويسمع كلامنا، ويعلم أحوالنا، ويراقب تصرفاتنا، وأنه قادرٌ على قضاء حوائجنا، وأنه سوف يستجيب دعائنا.
العبد حق من عمل لله في الخلوة، أو مع الناس، على حدٍ سواء، وتوجه إلى ربه وحده بقلبه وقالبه، ولم يلتفت إلى أحدٍ سواه.
ومن أحسن عمله لله بحضرة الناس، وأساء عمله في الخلوة فقد استحضر عظمة المخلوق للخالق، وهذا هو النفاق: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
السابع: المجاهدة، فلنجاهد أنفسنا لنسارع إلى كل عمل صالح، ونفطم أنفسنا مما تحب وتريد، إلى ما يحبه الله ويريده.
ونبذل كل ما نملك من أجل رضا الله، وفعل ما يحب، واجتناب ما يكره.
فالعبد حقًا من قدم مراد الله إلى مراد نفسه، وقدم ما يحبه الله على ما يحبه نفسه.
فمن وفقه الله لهذا فهو المجاهد حقًا الذي وعده الله بالهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وإذا قمنا بالأعمال بهذه الصفات الحسنة، انتشر العلم والعمل والصفات الطيبة، وإذا قمنا بالعلم والعمل بدون هذه الصفات، انتشر العلم والعمل بدون الصفات، وكثر الجدل والخلاف.
وطلب الرخص والكسل والرياء وهبت الفتن، وانتشرت الفرق والأحزاب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ومن قام بالعمل بهذه الصفات، حصل على موعودات الله في الدنيا والآخرة.
ومن قام بالعمل وقد أخلّ بإحدى هذه الصفات، لم يحصل على الموعود من العمل، ولم ينجو من الخسارة إلا من أكمل وسائل النجاة أربعة كما قال -سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
حقيقة الرسالة:
أرسل الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ رحمة بالعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فمحمدٌ ﷺ رحمة للعالمين كلهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فمن آمن به نال هذا الخير، ومن لم يؤمن به فهو الذي حرم نفسه، وضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى المبسوطة لكل أحد، ولو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء سهلة التناول، فمن سقى نفسه ومواشيه وزرعه بمائها صلحت حاله وتتابعت عليه النعم، ومن فرط وكسل عن العمل ضيع نصيبه من تلك العين، فقد حرم نفسه من منافع تلك العين، فساءت حاله؛ لأنه حرمها مما ينفعها، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
وقال ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
وأفضل الخلق على الإطلاق هو سيد الخلق سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ، وقد ذكر الله من أسماء النبي ﷺ في القرآن اسمين هما محمد وأحمد، والفرق بينهما في الصيغة أن اسم محمد اسم مفعول يعني محمود، وأحمد تفضيل، والفرق بينهما في المعنى في محمد الفعل واقعًا من الناس، أي الناس يحمدونه لكمال صفاته وأخلاقه.
وفي أحمد يكون الفعل واقعًا منه ﷺ فهو ﷺ أحمد الناس لله -تَعَالَى-، وهو أحق الناس أن يحمد ولعل هذا هو السر في أن الله ألهم عيسى أن يقول أحمد لبني إسرائيل لأنه أحمد الناس لله - تعالى-، وهو أحق الناس بالحمد، كما قال ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
فصلوات الله وسلامه عليه، وأفضل صيغة للصلاة على النبي ﷺ هي ما علمه أصحابه في الصلاة عليه والسلام عليه، وهي: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
متفق عليه.
أما السلام فيقول كما جاء عن النبي ﷺ في تشهد الصلاة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأما الصلاة فيصل عليه وعلى آله وأزواجه و ذريته وأتباعه إلى يوم القيامة، فإن الآل تطلق على الأتباع.
ورسول الله ﷺ أرسله ربه رحمة للعالمين، لقد كان ﷺأرحم الخلق بالخلق، وأشفق الخلق على الخلق وأرحمهم لهم، فقد كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله لئلا يعمل به الناس فيفرغ عليهم فيشق عليهم، ومن ذلك ترك قيام رمضان جماعة في المسجد لئلا يفرض على الأمة، وترك تأخير صلاة العشاء لوقتها الأفضل، والوصال لئلا يشق على الأمة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا».
متفق عليه.
فسبحان من خص رسوله ﷺ بالأقوال الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة، وقد خص الله ﷿ رسوله محمد ﷺ بأشياء ففرض عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرّم عليه أشياء لم تحرّم على الأمة، وأُحِل له أشياء لم تحل للأمة، فأما ما فُرِضَ عليه فالتهجد بالليل والوتر، والسواك وقضاء دين من مات معسرًا وإذا عمل عملاً أثبته، وإنكار المنكر إذا رآه، وتخيير النساء.
وأما ما حُرِمَ عليه فمن ذلك تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم صدقة التطوع عليه، وخائنة الأعين وهي أن يُظْهِر خلاف ما يبطن، وحرام عليه إذا لبس لأمة الحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وأكل الأطعمة الكريه الرائحة، التبدل بأزواجه، وقول الشعر وتعليمه، وأن يمُد عينه إلى ما متّع به الناس من الأزواج والأولاد: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١].
وأما ما أحُل له خُمس الخُمس، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، والنكاح بلفظ الهبة، والنكاح بغير ولي، والنكاح بغير صداق، وسقوط القسم بين الأزواج عليه، ولكنه ﷺ كان أحسن الناس عدلًا وقسمًا، ومما أُحل له القتال في مكة، وأنه لا يُرَث وبقاء زوجيته بعد وفاته، ولا تنكح أزواجه من بعده فهذا من خصائصه ﷺ.
***
مختارات
