الخزانة السابعة..
فقه الإتباع:
الإتباع هو: الاقتداء، والتأسي، والاقتفاء، والائتمام، وإتباع النبي ﷺ هو الشهادة له بالرسالة، وهو الركن الثاني من أركان التوحيد.
التوحيد كله في أمرين:
١ - شهادة أن لا إله إلا الله.
٢ - شهادة أن محمد رسول الله.
والإتباع في الشرع هو: الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في خمسة أمور:
١ - في توحيده، وإيمانه.
٢ - في نيته، وفكره.
٣ - وفي أقواله الحسنة.
٤ - وفي أعماله الصالحة
٥ - وفي أخلاقه الكريمة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فنوحد الله ﷿ كتوحيد النبي ﷺ لربه، ونؤمن به، ونؤمن بالله كإيمانه، ونذكر الله كذكره، وندعوه كدعائه، ونستغفره كاستغفاره، ونعبد الله كعبادته، ونتوضأ كوضوئه، ونصلي كصلاته، ونصوم كصيامه، ونحج كحجه، ونبيع كبيعه، ونشتري كشرائه، ونجاهد كجهاده، وندعي إلى الله كدعوته، ونعلم شرعه كما علم، وكاد نحسن كإحسانه، ونعفو كعفوه، ونرحم كرحمته، ونحلم كحلمه، ونعطي كعطائه، ونزور كزيارته، وهكذا ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فنقول كقوله ﷺ، ونفعل كفعله ﷺ على الوجه الذي فعله من أجل أنه فعله، كالأدعية، والأذكار، والصلاة، والصيام، والنكاح، والطلاق، والبيع، والشراء، والدعوة، والجهاد، وغيرها، مما جاء عنه ﷺ، وهذه حقيقة التأسي والإتباع:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وضد الإتباع المخالفة، وتكون في الاعتقاد، والقول، والفعل، والترك: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وكما أن لكل إتباع ثواب، كذلك لكل مخالفة عقاب: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وبحصول الرضوان والجنة في الآخرة كما قال سبحانه:﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وأجهل الناس من يطلب مراده من الله، دون أن يحقق مراد الله منه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
فنوحد الله ﷿ كتوحيد النبي ﷺ لربه، ونؤمن به، ونؤمن بالله كإيمانه، ونذكر الله كذكره، وندعوه كدعائه، ونستغفره كاستغفاره، ونعبد الله كعبادته، ونتوضأ كوضوئه، ونصلي كصلاته، ونصوم كصيامه، ونحج كحجه، ونبيع كبيعه، ونشتري كشرائه، ونجاهد كجهاده، وندعي إلى الله كدعوته، ونعلم شرعه كما علم، وكاد نحسن كإحسانه، ونعفو كعفوه، ونرحم كرحمته، ونحلم كحلمه، ونعطي كعطائه، ونزور كزيارته، وهكذا ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فنقول كقوله ﷺ، ونفعل كفعله ﷺ على الوجه الذي فعله من أجل أنه فعله، كالأدعية، والأذكار، والصلاة، والصيام، والنكاح، والطلاق، والبيع، والشراء، والدعوة، والجهاد، وغيرها، مما جاء عنه ﷺ، وهذه حقيقة التأسي والإتباع:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وضد الإتباع المخالفة، وتكون في الاعتقاد، والقول، والفعل، والترك: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وكما أن لكل إتباع ثواب، كذلك لكل مخالفة عقاب: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
لهذا يجب أن نفعل ما فعله ﷺ من جميع الأوامر، والطاعات بقدر الاستطاعة، ونترك ما تركه من أنواع المعاصي، والمحرمات كلها ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٢ - ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
ويجب علينا أن نجتب ما نهى الله، ورسوله عنه مطلقًا ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ».
متفق عليه.
وأفعال النبي ﷺ من حيث الإتباع، والتأسي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأفعال الجبلية:
كالقيام، والقعود، والدخول، والخروج، والأكل، والشرب، والنوم، واليقظة، ونحو ذلك.
فهذا من حيث الإتباع، والتأسي نوعان:
الأول: نوع جاء النص الشرعي بإيجابه، أو ندبه، كالأكل باليمين، أو النوم على الشق الأيمن، والسلام عند الدخول، والخروج، فهذا يشرع التأسي، والاقتداء به ﷺ في ذلك، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثاني: نوع لم يأتِ به نص، دال على مشروعيته، فهو باقٍ على أصل الإباحة، كالصلاة في موضع صلى فيه النبي ﷺاتفاقًا، وكنزوله بالأبطح لما فرغ من مناسك الحج، فهذا لا يشرع التأسي، والاقتداء بالنبي ﷺ بفعله؛ لأنه فعله اتفاقًا لا قصدًا له بعينه.
القسم الثاني: الأفعال التعبدية:
وهي جميع العبادات، والمعاملات التي يقصد بها التشريع، فهذا يجب الاقتداء بالنبي ﷺ به فعلًا للأوامر، واجتناب للمناهي، وهذه هي الأصل في أفعال النبي ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال النبي ﷺ: «وصَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصلِّي» متفق عليه.
القسم الثالث: الأفعال الخاصة به، وهي التي علمنا شرعًا أنها من خصائصه سواء كانت من المباحات، أو الواجبات، أو المحرمات، أو المكروهات، فمن المباح له ﷺ يه وسلم خاصة مثل: النكاح أكثر من أربع نسوة، والنكاح بلا مهر، والنكاح الواهبة نفسها له.
ومن الواجب عليه: وجوب التهجد، وقيام الليل.
ومن المحرم عليه: الأكل من صدقة، وأكل ما له رائحة خبيثة من المباح كالثوم، والبصل.
فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد، ولا يقتدي، ولا يتأسى بها أحد؛ لأنه جاء الخبر بأنها من خصائصه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الوسائل المعينة على إتباع النبي ﷺ
الوسائل المعينة على إتباع النبي ﷺ كثيرة وهذه من صورها:
الأول: معرفة سيرة النبي ﷺ، وسنته، آدابه، وأخلاقه، وجهاده، وصبره في سبيل إعلاء كلمة الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثاني: تقوى الله ﷿، فمن اتقى الله، وخاف جعل الله له فرقان يميز به بين الحق، والباطل، وبين النور، والظلام، وبين ما ينفعه، وما يضره، فمن اتقى الله أعطاه الله نورًا، وعلمًا، وهدى، يمشي به في ظلمات الجهل، والضلال، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨].
والتقوى، والاستقامة هي أساس الدين كله، وأساس سعادة الإنسان في الدنيا، والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٩].
الثالث: إخلاص العمل لله، فمعرفة الحق فقط، لا تكفي للعبد، لابد من التجرد لله في طلبه، وشكره على معرفته، وطلب عونه في أدائه، وإبلاغه، فمن سعى لطلب الحق مخلصًا هداه الله إليه، وأعانه على أدائه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن أعرض عن إتباع الحق الذي يعلمه، فإن ذلك يورثه الجهل، والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
وقال ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
الرابع: إظهار الافتقار إلى الله، والتضرع إليه، واللجوء إليه من أعظم الأسباب المعينة، على الإتباع لما جاء به النبي ﷺمن الهدى، والنور ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وكان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يفعل ذلك، ومن دعائه ﷺ:«اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
أخرجه مسلم.
ومن دعائه ﷺ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ.
وَفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وَأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ، آمنتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنزَلْت، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرسَلتَ، فإِنْ مِتَّ.
مِتَّ على الفِطرةِ، واجْعَلهُنَّ آخِرَ ما تَتَكّلم به».
متفق عليه.
الخامس: من الوسائل المعينة على إتباع النبي ﷺ تعلم الأحكام الشرعية، من القرآن، والسنة، فالعمل بأحكام الإسلام فرع عن العلم بها، فلابد من العلم قبل القول، والعمل، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله ﷿: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
وقال الله ﷿: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فسماع القرآن، وتلاوته، وتدبره، من أعظم الأسباب المعينة على الإتباع، لما فيه من تقرير التوحيد، والإيمان، وأخبار الأنبياء، والرسل، وأحوال اليوم الآخر ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
عن معاذ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ».
متفق عليه.
عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَعَلَّمَهُ».
أخرجه البخاري.
السادس: تدبر نصوص القرآن، والسنة، وفهم معانيها فهما مصدر تلقي الحق، والهدى، والسنة، والأحكام: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقد تكفل الله سبحانه بحفظ كتابه من التحريف، أو التبديل، أو الزيادة، أو النقصان؛ وذلك لأنه منهج الأمة إلى قيام الساعة، وقد تكفل به الحفيظ سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وكذلك قيد الله لسنة محمد ﷺ من يكتبها، ويحفظها، ويدافع عنها، ويخرج منها ما ليس منها؛ وذلك لأن القرآن، والسنة مصدر الأحكام، وطريق الاعتصام بالحق، والأمن من الزيغ، والضلال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣].
السابع: اتباع طريقة السلف في فهم النصوص الشرعية، وفى العلم، والعمل، فخير قرون هذه الأمة، وأفضلها، وأقربها إليه ﷺ، فأصحاب النبي ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه.
عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى، أَوْ اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى، أَوْ اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً».
أخرجه الترمذي والحاكم.
الفلاح والنجاة في فهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة فقط: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وعن ابن عمر ﵁ قال: «مَنْ كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ ﷿لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ».
أخرجه أبو نعيم في الحلية بسند حسن.
الثامن: الصحبة الصالحة، صحبة الصالحين، والأخيار من أهل الإيمان، والتقوى، من أعظم الأسباب التي تعين المسلم على الإتباع، والتمسك، والعمل بما جاء به النبي ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال ﷿: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
وعن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، وجَلِيسِ السُّوءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً».
متفق عليه.
والصاحب ساحب، إما إلى خير، أو إلى شر، وإما إلى سنة، أو بدعة، وإما إلى تقوى، أو إلى فجور، وإما إلى جنة، أو نار.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيُ ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ».
أخرجه أبو داود، والترمذي.
***
مختارات
