الخزانة السادسة..
أصول الاعتصام بالسُنة:
أصول الاعتصام بالسنة والحذر من البِدعة كثيرة وهذه أهمُها:
الأصل الأول: أن الإسلام مبنيًا على أصلين عظيمين هُما:
الأول: ألا نعبُد إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ وهو بمعنى (شهادة أن لا إله إلا الله).
الثاني: أن نعبُد الله إلا بما شرع، وهو بمعنى أن (شهادة أن مُحمدً رسول الله).
فالشرك ضد الأصل الأول، والبدعة ضد الأصل الثاني ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فلا يقبلُ الله ﷿ أيُ عملٍ إلا إذا كان خالصًا صوابًا فالخالص لله وحدهِ والصواب ما كان على السُنة، فالفوز والنجاةِ في التوحيديِ في السُنة والخُسرانِ والهلاك في الشركِ والبدعة ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
الأصل الثاني: أن السُنة سُنتان:
سنةً فعلية.
وسُنةً تركية.
والسُنةِ الفعلية هي: ما فعلهُ النبي ﷺ أو أقر عليه مثل الآذان للصلواتِ الخمس، والتلبية في الحجِ ونحوِها.
والسُنةِ التركية هي: ما تركه ﷺ مع قيام المُقتضي لذلك مثل ترك الآذان لصلاة العيدين، وصلاة الجِنازة.
فالتركُ السُنةِ النبوية كما أن فعل الأول سُنةِ نبوية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الأصُلِ الثالث: إن الأصلِ في العِبادات المنع إلا بدليلٍ شرعي من القُرآنِ والسُنة أو من احدهِم والأصلُ في المُعاملات والعادات الحل إلا بدليلٍ شرعي يدُلُ على التحريم.
الدليل الأول: قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
وقولهُ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»متفق عليه.
الدليل الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
الأصلُ الرابع: أن التأسي بالنبي ﷺ يتحقق بستةِ أمور:
الأول: السبب بأن تكون العِبادة موافقة للشريعةِ في سببِها، فلو زاد أحدٌ صلاة سادسة على الصلواتِ الخمس عبادتهُ مردودةَ، لأن ليس لها سببٌ شرعي في القُرآنِ والسُنة، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
الثاني: الجنس فلو ضحى أحدٌ بفرس فلن تُقبل أضحيتهُ، إن الشريعة جاءت بالأُضحية، من بهيمة الأنعامِ فقط (الأنعامُ والبقر، والإبل)، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: القدر فلو صلى الجمعة ثلاثًا لن تُقبل صلاتهُ لأنها مُخالفة للشريعة في قدرِها لأن الشريعة جاءت بصلاةِ الجُمعة ركعتين: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١].
الرابع: الكيفية بأن تكون العِبادة موافقة للشريعة في كيفيتِها، فلو غسلَ الإنسان رجليهِ في الوضوء، ثُم مسحَ رأسهُ ثُم غسلَ يديهِ ثُم غسلَ وجههُ فهذا وضوئهُ غير مقبول، وصلاتهُ غير صحية لأنهُ خالف الشريعة في كيفية الوضوء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الخامس: المكان فلو وقف الحاج يوم عرفة بمُزدلِفة أو طاف بغير الكعبةَ أو اعتكف في بيتهِ فهذه العِبادات لا تصح لأنهُ خالف الشريعة في مكان العِبادة المُحدد لها شرعًا.
فعن عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
السادس: الزمان فلو صلى مُسلمٌ الظُهرَ قبل الزوال أو صام فرض رمضان في رجب أو حج في صفر فهذا صلاتهُ وصيامهُ وحجهُ غير صحيح لأنهُ خالف الشريعة في زمانها المُحدد لها شرعًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فهذه ستة أوصاف لا تتحقق مُتابعةٍ للنبي ﷺ إلا باجتماعها في كُل عِبادة فعلى المُسلم إتباع ذلك والحذر من مُخالفة ذلك، قال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الأصلُ الخامس: أن الله ﷿ أكمل الدين ببعثةِ مُحمد ﷺفلا يستطيع أحدٌ أن يأتي بشيء يُقرب إلى الله غير النبي ﷺفقط، قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الأصلُ السادس: أن كمال الدين يقتضي بُطلان البِدع فدين الإسلام كاملٌ لا يحتاج إلي زيادة، كما أنهُ لا يجوزُ فيهِ النُقصان، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فاللهُ سبحانه بيّن كُل شيءٍ في كتابهِ يحتاجهُ الناس في معاشِهِم ومعادهم كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال رجل لِسَلْمَانَ الفارسي ﵁: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ».
أخرجه مسلم.
الأصلُ السابع: أن التشريع حقٌ لله وحدهُ كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وأنكر سبحانه على من شرعَ للناس دينًا أضلهُم بهِ فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
والتشريع قد انقضى بموت النبي ﷺ بعد حجةِ الوداع بعد أن أنزل اللهِ عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
فمن أحدث في دين الله وزاد فيهِ ما ليس منهَ فقد جعل نفسهُ مُشرعًا مع الله ومقتضى فعله أن النبي ﷺ أنهُ لم يتم الرسالة وأنهُ ببدعتهِ جاء ليُتم الشريعة وكُل ذلك باطلٌ مردودٌ مُعاقبٌ عليه ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
والابتداع في الدين ولو بقصدٍ حَسِن يُعتبر تكذيبًا لله ﷿لقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
الثامن: أن الابتداع في الدين تقدم بين يدي الله ورسوله وهذا من الجرأة على الله ورسوله وقد حذر الله ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
التاسع: أن النبي ﷺ دائمًا يحذر من البدع في كل خطبة وفي كل جمعة وهذا يدل على عظيم خطر البدع وشدة ضلالها وإن لكل بدعة ضلالة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ: بُعثت أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ - ويقرن بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - وَيَقُولُ:أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)».
أخرجه مسلم.
الأصل العاشر: أن التعبد لله لا يكفي في معرفة الهدي النبوي فقط بل لابد من معرفة ضده من الشركيات والبدع؛ لئلا يقع الإنسان في الشرك والبعد وهو لا يدري كما مر بحديث حذيفة السابق الذي كان الذي يسأل عن البدع مخافة أن يقع أو الشرك أو غيرها من المعاصي مخافة أن يقع فيها، وقد وقع أناس في الشرك الذي هو أعظم بالبدع فكيف بالبدع؛ لأن الوقوع فيها أخف وأسرع؛ لأن أمرها قد يخفى على الإنسان فيظن أنها سنة وأنها من العمل الحسن، وأنها تقربه إلى الله وهي لا تزيده من الله إلا بعدًا فيكون من قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]
الأصل الحادي عشر: أن البدع تكون في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال وإذا انتشرت اشتهرت وصارت كأنها سنة ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الأصل الثاني عشر: أن البدع درجات وليس في خطورتها على درجة واحدة، فبعضها يُفضي إلى الكفر كبعض بدع العقائد وبعضها لا يُفضي إلى الكفر ككثير من بدع العبادات القولية، والفعلية، والبدع فوق الكبائر في المرتبة وليس فوق البدع إلا الشرك؛ لأن البدعة هي تعدٍ على الشريعة بزيادة والزيادة تحريف ولا أظلم من ذلك ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وإثم البدع أعظم من إثم الكبائر من وجوه:
الأول: أن صاحب البدع يعتقد أنه على صواب فيما يقوم به من عبادات محدثة فلا يفكر في التوبة منها أما فاعل الكبيرة من زنا، وسرقة، ونحوه فيعلم أنه مخطئ وربما أحدث التوبة فتاب الله عليه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
الثاني: أن البدع تؤدي مع مرور الزمن إلى تغيير الدين؛ لأنها تتطور وتتنوع، وتتفرع، وتشتهر أما الكبائر فكل واحد يعلم أنها مخالفة للدين وليست منه.
الثالث: أن أهل البدع في الغالب يحاربون أهل السنة إذا أمروهم بالسنة ونهوهم عن بدعٍ ربما فسًقوهم أو كفروهم أو اتهموهم، أم أهل الكبائر فإن من جاء ليذكرهم بالله وعقابه فإنهم إما أن يقبلوا النصيحة ويتوبوا إلى الله وهذا هو الغالب وإما أن يردوا النصيحة مع طلب الدعاء لهم بالهداية.
الرابع: إحياء البدع وإشهارها يؤدي إلى هدم السنة النبوية والعبد عنها: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الأصل الثالث عشر: أن صغائر البدع تكبر مع مرور الزمن، وقلة المناصح فتصير كبائر وقوى وتشتد حتى تصبح دينًا يُتعبد لله به فالنجاة في الاعتصام بالسنة والحذر من البدعة وهذا هو الصراط المستقيم الذي قال الله عنه:﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والخارجون عن الصراط المستقيم إلى الصراط المعوج اثنان:
أحدهما: رجلٌ زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير فهذا لا يُقتضى بذلته؛ لأنها مهلكة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والثاني: من عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين فهذا ضالٌ مُضل، وشيطان مريد حقٌ على من يعرفه أن يحذر الناس منه لئلا يقعوا أحدهم في بدعته: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الأصل الرابع عشر: إن من البدع كلها ضلالة وكلها سيئة وكلها مردودة، والبدع ليست من الإسلام، والبدعة ليست بحسنة.
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «جاءَ نَاسٌ مِنْ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».
أخرجه مسلم.
فمن أحيا سنة كانت موجودة فعلمت ثم أحياها وعمل بها الناس بعده فله مثل آجر من عمل بها.
وعن أبي هريرة ﵁ قال أن النبي ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».
أخرجه مسلم.
فليس في الإسلام إلا السنن لا البدع كما أنه ليس في البدع بدعةٌ حسنة، فالبدع كلها سيئةٌ مردودة كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
الأصل الخامس عشر: أن بدع العقائد أشد خطرًا من بدع الأعمال؛ لأن العقيدة عمل، وإذا صلح القلب بالعقيدة الصحيحة صلح عمل الجوارح وإذا فسد القلب في البدع المُحدثة فسد سائر عمل الجوارح.
عن النعمان بن بشير عن الرسول ﷺ قال: «الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفق عليه.
والبدع في العقيدة كثيرة وقد أخبر النبي ﷺ عن تفرق أمته في باب العقيدة إلى فرقٍ وطوائف نحو من ثلاثٍ وسبعين فرقة.
عن أبي هريرة ﵁ قال الرسول ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً».
أخرجه أحمد والترمذي.
ومن أعظم البدع والفرق التي ظهرت في العقيدة: ١ - بدعة الجهمية.
٢ - وبدعة القدرية.
٣ - وبدعة المُرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب.
٤ - وبدعة المعتزلة الذين قالوا أن مرتكبي الكبيرة كالزنا كافر وهو مُخلدٌ في النار، ومثلهم الخوارج.
٥ - وبدعة الرافضة الذين طعنوا في الرسالة وصحة القرآن وأنكروا السنة إلا ما وافق مذهبهم وكفروًا الصحابة كلهم إلا أفراد لا يصلون إلى العشرة وكذبوا ما نقلوا من الأمة من الأحاديث وعبدوا القبور وحكموا بردة الخلفاء وكفروهم إلا عليًا، وكفرو أهل السنة وعادوهم وحاربوهم وكانوا دائمًا مع أعدائهم كما حصل منهم مع التتار فشابهوا اليهود في عقيدتهم التي بها كفروا، كما قال سبحانه:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
٦ - وبدعة الخوارج والزيدية من أعظم البدع في باب السمع، والطاعة لولاة الأمر فاستحلوا الخروج على الأئمة إذا رأوا منهم معصية، وقد فعل الخوارج ما فعلوا من قتل عثمان وعلي ﵃ ثم انفتحت أبواب الشر على المسلمين إلى يومنا هذا.
وفي باب الإيمان بالقدر ضلت الجبرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، نسأل الله السلامة من مثل هذا القول.
ورؤوس أهل البدع الكبرى أربعة: الخوارج.
والرافضة.
والجهمية.
والمرجئة.
وأما البدع في العبادات فبحر لا ساحل له، فلا تكاد تجد عبادة إلا و أضاف إليها أهل البدع زيادةً سواء في آياتها، أو عددها، أو وقتها.
فما أعظم تلاعب الشيطان بالناس:﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
***
مختارات
