الخزانة الثالثة..
فضل الذكر والدعاء:
أمر الله ﷿ عباده بكثرة الذكر والاستغفار والتسبيح خاصة في العبادات الكِبار كالصلاة والصيام والحج، ففي الحج أمر الله بذكره بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
ثم بين سبحانه أنه يجب على الناس ذكر الله كذكر الآباء وبل أشد؛ لأنه مفاخر الآباء قليلة أما صفات الرب ﷻفهي غير متناهية، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].
فبعد الذكر يكون الدعاء بعد كسر النفس، وإزالة ظُلماتها وتنوير القلب بالذكر والدعاء إنما يكمُن إذا كان مسبوقًا بالذكر: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].
• والذين يدعون الله فريقان:
الأول: من دعائه مقصور على طلب الدنيا.
والثاني: من طلب في دعائه بين طلب الدنيا وطلب الآخرة.
أما طلب الآخرة وحدها فغير مشروع؛ لأن الله خلق الإنسان محتاجًا ضعيفًا فقيرًا لا طاقة له بآلام الدنيا، ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يطلب من ربه ما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويستعيذ بالله من شرور الدنيا والآخرة فيقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
فكل مخلوق لا يستغني عن إمداد وعطاء ربه في الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فلو سلط الله الألم على العبد عرق واحد أو منبت شعرة واحدة في البدن تشوش الأمر على الإنسان وصار محرومًا من الأنس بذكر الله والاشتغال بطاعته، فالإنسان لا يستغني عن ربه أبدًا في الدنيا والآخرة، والحسنات كثيرة سواء إن كانت مادية كالصحة والمال والولد الصالح والزوجة الصالحة، او كانت روحية كالأمن والإيمان والطاعات: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وأعظم الحسنات في الدنيا الإيمان، والعمل الصالح، وعلم الحسنات في الآخرة دخول الجنة ورضوان الرب ورؤيته.
اللهم ربنا أتنا في الدنيا حسنة في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
والكريم سبحانه يقول للأولياء عند الحساب بعد أخذ الكتب: هذه سيئاتكم قد عفوت عنها، وهذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم كما في الحديث القدسي أن الله يقول:«يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
أخرجه مسلم.
ويكون ذلك يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وإذا تيقن العبد انه عبد محتاج إلى من خلقه وحده لا شريك له فدعاه مضطرًا استجاب الله دعاءه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥].
ومن أراد أن يستجيب الله دعائه فليستجيب إلى طاعة منهج من يدعوه إن كان يُحب أن يستجيب الله دعائه:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
ويستجيب الله دعاء من دعاه إذا كان مُؤهلا للإجابة بإخلاص الدعاء لله وحده: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
فإذا دعا العبد غير قادر على الوفاء فليس الله مسئولًا على إجابته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: ١٩٤].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
فمن استجاب لله استجاب الله له، وأجابه لما طلب:﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
روح الدعاء: الإنسان يدعو ربه؛ ليطلب منه جلب خير، أو دفع شر، ولا يعلم ذلك إلا الله، فالله قد يمنعك ما تراه خيرًا؛ لأنك ظننت أنه خير، وهو شر عند الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
والله سُبْحَانَهُ كريم لا يرد سائلا أبدًا، فمن دعاه مخلصًا، أجابه بعطاءٍ، أو منع، وذلك هو الخير، فقد يكون الخير بعد السؤال أن تُعطى، أو قد يكون أن تُمنع ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
وروح الدعاء هو: الانكسار بين يد الله، والتضرع إليه في كل حال، فهذا هو مقصود الدعاء، أما إجابة الدعاء فهي مضمونة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والله سُبْحَانَهُ يجيب المضطر إذا دعاه بعد أن يستنفد الأسباب التي يقدر عليها كإنسان، والتي أمر الله بفعلها:﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
فمن جعل حظه من الدعاء الإجابة، فهو أحمق؛ لأن الحكمة من الدعاء العبادة، وإظهار التذلل، والانكسار بين يدي الله، فالله قد يبتليك ببلاء؛ ليظهر منك عبودية الدعاء، لمن يقدر على رفعه، ولمن يملك القدرة على إزالته: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقد يجيب الله العبد، فيعطيه ما سأله؛ ليبين له أنه لو لم يُجب، لكان أحسن، وإذا كان جهاز الداعي ملوثًا بالمحرمات، التي نهي الله عنها، فمن الحكمة ألا يجاب.
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَاسْ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك».
أخرجه مسلم.
فغشيان المحرمات مانع من إجابة الدعاء، وقد يمنع الله عنك الإجابة؛ لأنه سُبْحَانَهُ يريد أن يعطيك من خير الآخرة، فيمنعك خير الفانية، ليعطيك خير منه في الباقية، وقد يجيب الله أحيانًا دعوة من لا يحب، فيأمر جبريل فيعطيه؛ لأن الله لا يحب أن يسمع صوته، وقد يمنع أحيانًا إجابة الدعوة، ويؤخرها؛ لأن الله يحب سماع صوت هذا العبد الصالح، وتضرعه، فمن عباد الله من يحب الله دعائهم، فيبتليهم؛ ليقولوا: يا رب، يا رب: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧].
ومن استجاب الله له فيما أمره به، قنع بما قدره الله عليه،عما يطلبه منه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فربط العبد بربه، ربط العبد بربه بحبس حاجته عند إشعاره بحب الله له، وأنسه بصوته، فإبراهيم ﷺ لما أُلقي في النار، لم ينكر حاجته، لما قال له جبريل: ألك حاجة؟، لم يستكبر على البلوى، فقال: أما إليك فلا، أما إلى الله فبلى، فرأى الله أقرب إليه من جبريل، فقال جبريل: سله، فقال:علمه بحالي يغني عن سؤالي: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١].
وشأن العبد في كل حال الافتقار، والتذلل، وشأن الرب سُبْحَانَهُ الجلال والإكرام: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
وآدم عصى ربه، وإبليس عصى ربه، لكن معصية آدم كانت عن ضعف، معصية شهوة لا عن كبر، فتاب، فتاب الله عليه، ومعصية إبليس كانت عن كبر: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فرب طاعة أورثت استكبارًا، وغرورًا، كما حصل من إبليس، فإنه كان من العباد، وأغتر بعبادته.
ورب معصية أورثت ذلًا، وانكسارًا، وتوبة، كما حصل من آدم ﷺ، فمعصية آدم عن ضعف، ومعصية إبليس عن استكبار، ولهذا تاب الله على آدم، وجعله خليفة في الأرض، وطرد إبليس، ولعنه.
• حكمة الدعاء:
الدعاء هو العبادة، والدعاء يقبله الله تعالى ﷿ إذا أظهر العبد لربه كمال الافتقار والذل له، وأعظم الناس افتقارا لربه سيد الخلق محمد ﷺ، الذي وقف في العريش يوم بدر يناجي ربه ويقول عن أصحابه: اللهم إنهم جياع فأطعمهم وحفاة فاحملهم وعراة فاكسهم، اللهم نصرك الذي وعدتني، فنصره الله ﷿ حيث لا عدد ولا عدة،، كما قال الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وكلما افتقر العبد إلى ربه كلما مرغ وجهه في التراب بين يديه، وكلما وقف أمام ربه مفتقرا ذليلًا، غمره ربه بالعطاء رفع ذكره وأغزه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وكلما قال العبد أنا ونحن وعندي ولي كلما خذله الله ففي بدر أظهر الرسول ﷺ وأصحابه الافتقار فنصرهم الله، وفي حنين قال بعض الصحابة: لن نغلب اليوم من قلة، فتخلى الله عنهم، ثم لما أنابوا وتابوا نصرهم الله كما قال الله سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
فقوة الدعاء بقوة اليقين وقوة الإخلاص وكمال الخضوع والافتقار والانكسار والتذلل بين يدي الملك العزيز الجبار، وجميع دعاء الأنبياء روحه كمال اليقين وكمال الافتقار، وأجابهم الله ﷿ وأعطاهم ما سألوه،، كما قال الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٩١].
ومن قبل دعاء نوح: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
قل لربك العظيم الملك الرؤوف الرحيم: يا ربي إني ضعيف فقوني، وإني مريض فاشفني، أنا فقير فاغنني، وأنا جاهل فعلمني: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦].
فشأن العبد دائمًا الخضوع، وشأن الرب العطاء، وبقدر ما تخضع يرفع العزيز شأنك: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ١ - ٨].
وإذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق في العالم العلوي والعالم السفلي، وإذا أحب الله عبدا كتب له القبول عند الخلق، فليشكر ربه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
والله حكيم عليم في خلقه وأمره، خلق الإنسان ضعيفًا ظلومًا جهولًا يئوسًا، قنوطًا، كنودًا كفورًا، ضالًا فقيرًا،عجولًا جذوعًا منوعًا هلوعًا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فلماذا خلق الله الإنسان كذلك؟
لأن الله لو خلق الإنسان كامل الصفات، قويًا غنيًا؛لاستغنى بقوته عن الله وشقي بذلك: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
فخلقه ربه ضعيفًا ليسعد بافتقاره إلى القوي الذي خلقه، لهذا بين الله للناس أنه الغني وهم الفقراء، وهو الغني وهم الضعفاء، ليدعوه ويسألوه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
ورفع مقام عباده أن يسألوه وحده فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والله سُبْحَانَهُ لطيف خبير خلقنا ضعفاء وساق إلينا بعض المصائب كي نفتقر إليه، وننكسر بين يديه، ونتصل به ونذوق طعم القرب منه، ونسعد بقربه، وأنه مولانا القائم على جميع أمورنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فعلة الدعاء وسببه أن الله يبتلي العبد إذا ابتعد عنه ببعض المصائب ليعود إليه، أو يبتليه لأن للعبد مقاما عند الله، لا يبلغه إلا بالصبر وكثرة الدعاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
فعلة البلاء أن تتصل بالله وتنكسر بين يديه؛ ليرفعك:﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وهذا حال عامة المؤمنين، أما الأنبياء والرسل والصديقون والربانيون فيتصلون بالله من دون مصيبة أو ابتلاء، أما عامة المؤمنين لضعف إيمانهم فيحتاجون إلى بواعث وأسباب تلجئهم للدعاء، فإذا أجاب الله دعاء العبد بعد البلاء الذي نزل به، أكرمه الله بخمس كرامات، فيحصل له إيمان جديد، وتوبة جديدة، ومعرفة جديدة، وحب جديد وتعظيم جديد لله، وعبادات جديدة، فالضعف والنقص والفقر في حياة الإنسان لمصلحته، ليلتجئ إلى ربه ويفتقر إليه؛ فيدعوه فيغنيه ويسعده، والله سُبْحَانَهُ عليم بما يسعد خلقه، فيغني هذا بعد فقره؛ لأن الغنى يذكره بربه فتصلح حاله، ويفقر هذا لن الفقر يذكره بربه، فيدعوه ويجيبه فتصلح حاله ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤].
• مقصود الدعاء:
الدعاء هو العبادة، وهو عبادة من العبادات الكبار، فالفقير يسأل الغني سُبْحَانَهُ، والعاجز يسأل القادر، والصغير يسأل الكبير، والله هو الصمد الذي تصمد إيه جميع الخلائق في جميع حاجاتها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وبقدر كمال الإيمان واليقين وحسن التوجه إلى الله تكون سرعة الإجابة من الرب لعبده: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومقصود الدعاء وسر الدعاء هو أن يتصل العبد بالله الذي يمك وحده جميع الحاجات، فجميع الحاجات كلها بيد الله:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وجميع الحاجات مستجيبة لمشيئته سُبْحَانَهُ، ومسرعةٌ إلى إرادته وخاضعة إلى أمره، ومسبحة بحمده وشاهدة بوحدانيته، فمقصود الدعاء أن يسعد العبد بمناجاة الله ويذوق طعم القرب من ربه، وأن يرى كمال عزته وقدرته، وأن الأمر كله بيده، وأن يرى افتقار جميع من في العالم العلوي والعالم السفلي إليه سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والدعاء من أعظم أسباب تقوية الإيمان، فإذا دعوت ربك مضطرًا، ثم أجاب دعاءك، وأنت الذي ابتلاك هو الذي عافاك، ورأيت أن الذي منعك هو الذي أعطاك، وأنت لم تفعل سببًا إلا الدعاء الذي انكسرت فيه بين يدي ملك الملوك؛ فكل مصيبة محركة للعبد للدعاء وباعثة له على سؤال الرب الذي ابتلى ليعافي والذي منع ليعطي والذي قبض ليبسط: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فمن تذلل للعزيز أعزه ومن تصعر للكبير كبّره، ومن افتقر إلى الغني أغناه، ومن استعان بالقوي أعانه، ومن استغفر الغفور غفر له، ومن سأل الكريم أعطاه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
فسبحان الملك الصمد الذي تصمد إليه جميع المخلوقات بحوائجها: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
والله سبحانه كريم وكرم الله ليس له أول ولا أخر ليس له بداية ولا نهاية؛ لأن كرمه مطلق، والكريم من الخلق هو الذي إذا قدر عفا، وإذا عاهد وفى، وإذا سُئل أعطى، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى.
والله سبحانه - أكرم الأكرمين، وكل كرم في الخلق فمن فضل كرم الكريم الذي وهبه لهم، فهو سبحانه - أكرم الأكرمين وبيده جميع حاجات الخلق، أحيانًا يعطي بالأسباب وأحيانا يعطي بضد الأسباب وأحيانًا يعطي بدون الأسباب.
فيعطي بالأسباب كما ينزل المطر على الأرض فتنبت من كل زوج بهيج، وكما يحصل الولد بالنكاح وأحيانًا يعطي بضد الأسباب كما جعل النار بردًا وسلاما على إبراهيم، وحفظ الله حياة يونس في بطن الحوت، في بطن البحر، وأحيانا يعطي بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
كما أعطى مريم ابنًا بلا ذكر، وثمر بلا شجر: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» أخرجه الترمذي.
قلب الدعاء وروحه وسره أنك تذوق طعم القرب من الله، ولذة مناجاة الرحمن الرحيم، وحلاوة التذلل بين يدي ربك العظيم، وهو من أعظم العبادات، أما الإجابة للدعاء فهي متحققةٌ قطعًا بنص القرآن ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
إن الله كريم لا يرد سائلا، ولا يؤيس مؤملا، ولا يقطع رجاء راجيًا، فإما أن يعطي عبده فورًا، أو يدفع عنهم من الشر أعظم مما سأل، أو يؤخره لأنه -سبحانه يحب أن يسمع صوت عبده بالتضرع بين يديه أو يؤجل إجابته للآخرة؛لأنه يعلم لو أنه أعطاه ما طلب في الدنيا لأفسده وأطغاه:﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
وكلما تلقى العبد ما أصابه من ربه بالقبول والرضا والتسليم كلما كان أقرب إلى زواله واستبداله، فإبراهيم ﷺقبل أمر الله في ذبح ولده إسماعيل، وباشر الذبح يقينا؛فأنجى الله إسماعيل من الذبح: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧].
وأخرج من نسله سيد الأنبياء والمرسلين، كما قال إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ [الصافات: ١٠٠ - ١١١].
فإبراهيم ﷺ لكما يقينه على ربه ضحى بالحياة، فوهب الله له الحياة في مكان الهلاك، في قعر النار، وضحى بالبلد في العراق فأعطاه الله أحسن بلد مكة فبنا فيها البيت العتيق، وضحى بالولد وهو إسماعيل فأحيى الله الولد وأخرج من نسله أفضل ولد محمد ﷺ، وضحى بأم الولد فتركها في مكان غير ذي زرع فأحيى الله أم الولد، وجعل خطواتها نسكًا يتعبد به إلى يوم القيامة في الحج والعمرة في السعي بين الصفا والمروة.
اللهم ارزقنا اليقين يا ذي الجلال والإكرام.
كلما تلقى ما أصابه من مكروه من ربه بالقبول والرضا والتسليم كلما كان أقرب إلى زواله عنه واستبداله، فإبراهيم ﷺ قبل أمر الله في ذبح ولده إسماعيل، وباشر الذبح؛ ولأنه رضي وسلم لله أنجى الله إسماعيل من الذبح ففداه بذبح عظيم، وكلما تلقى العبد المصيبة بالضجر وعدم الصبر كلما أطالت مدتها حتى يأذن الله بزوالها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
والدعاء هو العبادة، فالذي يدعو الله مؤمن بأن الله موجود، ومؤمن بأن الله يسمعه ويراه، ومؤمن أنه يعلم بحاله، ومؤمن أنه قادر على تغيير حاله، ومؤمن بأنه يحب أن يرحمه، وأن يغير حاله إلى ما هو خير: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
فخلق الله الإنسان ضعيفًا فقيرًا؛ ليسعد بسؤال ربه القوي الغني، ويتوجه إليه في كشف كربته، فكل دعاء رفع المحتاج لحاجته إلى قاضي الحاجات، وليس رفع البلاء هو المقصود وإنما المقصود الأنس بقرب الله ولذة مناجاته والتوجه إليه في قضاء حاجات العبد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)
اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وأقوى الدعاء ما كان خفيا بين العبد وربه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
وحظك من الدعاء الانكسار والتضرع والتذلل والبكاء بين يدي الله ولذة مناجاته، والإجابة حاصلة حاصلة من دون دعاء، والبلاء باعث على الدعاء، والدعاء وسيلة للقرب من الله والاتصال به فالله لا يفعل لك إلا الأصلح في دينك ودنياك، سواء دعوته أو لم تدعه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
ولك أجر الدعاء ويقربك الكريم لكن لا يعطيك إلا ما يصلحك: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فما يختاره الله هو الأصلح: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
فما اختاره الله لك من مكروه هو الأصلح، سواءً أعجبك أولم يعجبك، وسوف يعجبك لأن اختيار الله أحسن من اختيار العبد لنفسه، فالله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، والله تعالى لا يحب المعتدين برفع صوت أو الإطالة على الناس بالدعاء أو الاعتداء على الناس؛فالاعتداء حجاب يمنع الدعاء عن الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
وأفضل الدعاء أن يطلب العبد ما يسعده في الدنيا والآخرة، من طلب الهداية وتيسير العمل الصالح، وزيادة الإيمان والعلم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وكل قوي أو غني أو طاغوت إلا الحكيم العليم يوظفه في خدمة أهل دينه وإصلاح أوليائه من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد ومن دون أن يؤجر، وإن الله ليعز هذا الدين بالرجل الفاجر.
فدور هذا الطاغي بجبروته أن يرد الناس إلى الله ويرجعهم إليه إذا شردوا عنه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣]
فالجبابرة والطغاة والظلمة عِصِيٌ بيد الله ينتقم بها من الظالمين ثم ينتقم منها؛ فطغيان الجبابرة وشدتهم وجبروتهم وقهرهم يرد المؤمنين إلى ربهم؛ فهم نصر سلبي للمؤمنين، فإن انحرف الناس وتجاوزوا حدود الله غضب الله عليهم، فأرسل إليهم طائفة من الطغاة، تردهم إليه إن أحسنوا إليه لم يقبل وإن أساؤوا إليه لم يغفروا، وإن رأى خيرًا كتمه وإن رأي شرًا أذاعه، فما من طاغ إلا ويرد الناس بطغيانه وهو لا يعلم إلى باب الله إلى باب التوبة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٤ - ٦].
وما عند الله يناله العبد من ربه بكثرة إحسانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
فأحسن بأقوالك وأعمالك وأخلاقك وإحسانك، فأحسن في عبادة ربك، وأحسن إلى والديك، وأحسن إلى جارك، و أحسن إلى الناس، وأحسن في تجارتك، وأحسن إلى موكليك، وأحسن إلى زبائنك، فإحسانك يحقق أهدافك من الدعاء؛ فالدعاء حظك من القرب من الله، ومضمون الدعاء يحقق إحسانك إلى الناس: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
***
مختارات

