الخزانة الثالثة..
• مفاتيح تدبر القرآن:
المفتاح التاسع: التحزيب للقرآن الكريم.
قراءة القرآن غذاء ودواءٌ للقلوب كالغذاء والعلاج للأبدان، فلابد أن تكون بقدر معين لا نزيد عليه ولا ننقص منه حتى يحدث الأثر في القلب من تعظيم الله ومحبته وحمده وشكره وامتثال أمره واجتناب نهيه، والله سبحانه أنزل القرآن لنعمل به ووسيلة العمل به العلم به وذلك يحصل بتكرار قراءته وتدبر معانيه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وكلما تقاربت أوقات القراءة وكثرت تكرار القراءة، كان ذلك أقوى لحفظ القرآن في القلب وفهم معانيه وأسراره، فما تكرر تقرر، ولهذا عظمت أجور قارئ القرآن وشرعت أنواع الصلوات من أجل ذلك، والمدة التي أقرها النبي ﷺ لأمته بقراءة القرآن لمن رغب في الخير والعلم هي سبعة أيام إلى شهر، ونهى عن قراءته في أقل من ثلاث.
لهذا ورد عن أصحاب النبي ﷺ أقوالٌ وأفعالٌ تؤكد على أهمية تحزيب القرآن، وأن يكون له أوقات معلومة ليسهل حفظه وتدبره وفهم معانيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
ولا يمكن للمسلم من إتباع ما جاء في كتاب الله إلا بالمداومة على قراءته بوقت معين بقدر معين: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وحياة القرن الأول أفضل حياة بسبب ملازمة تلاوة كتاب الله وتدبر معانيه والعمل بأحكامه، وما يوجد في حياتنا اليوم من نقص الإيمان والأعمال واضطراب الأحوال إنما هو بسبب هجر القرآن تدبرًا وعملًا وتخلقًا، وقال الرسول:﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠].
إن أول مرحلة وأول خطوة في ميدان طلب العلم هي القيام بقراءة القرآن حفظًا وتدبرًا وتلاوةً في كل سبعة أيام وأي استعجال في هذا الأمر حصدٌ للنتائج قبل نضجها وإتيانٌ للبيوت من ظهورها: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
فحافظ أخي المسلم على قراءة حزبك من القرآن، فإنه من أعظم العبادات إن تدبرت آياته وفهمت معانيه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]
ومن اشتغل بفروع العلم الشرعي بجل أوقاته وقصر في القيام بالقرآن وتدبره، فقد هجر أعظم مصادر الإيمان والعلم والفقه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».
أخرجه مسلم.
عن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَلَيْنَا اللَّيْلَةَ قَالَ إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ، قَالَ أَوْسٌ بن حذيفة فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ قَالُوا ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ».
أخرجه أحمد ورواه ابن داود بسند صحيح.
والختم في سبع هو فعل أكثر السلف وهو أوسط الأمور وأحسنها وهو فعل أكثر الصحابة، والتحزيب قراءة القرآن كل أسبوع من أجل أن يتقارب وقت القراءة التي هي سببٌ لقوة الحفظ وفهم معانيه هي الأحسن كلما تقاربت أوقات القراءة كل ما قوي الحفظ والضبط.
وكان أكثر السلف يختمون كل سبعة أيام وأحيانًا كل ثلاثة أيام لعلمهم أن أكثر من هذه المدة يؤدي إلى نسيان الألفاظ والمعاني، ومن ثم ينقص الإيمان والعمل الصالح ويذهب الأنس بالله وتحصل وحشة لفراق القرآن وحفظ الألفاظ، قد يكفيه شهر أو أقل لكن فهم المعاني لابد له من التقارب ليحصل الفهم والتأثر، والناس يختلفون في التحزيب حسب قوة الإيمان والأبدان والأفهام لكن فعل الصحابة والسلف أحسن منفعة، كما قال السلف «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
متفق عليه.
والأولى والأحسن هو السنة في تحزيب القرآن وتقسيمه على السور بأن تقرأ السورة في الليلة الواحدة كاملة وهذا هو السنة وعليه عمل الصحابة والتابعين أن يكون التقسيم موافقًا أو متوافقًا مع نهايات السور.
وعلينا أن ننوي القيام بالقرآن كاملًا في كل أسبوع حفظًا، وفي ليل مع الجهر والترتيل والترسل والتدبر ليكتب الله لنا أجر النية، ثم نبدأ الحفظ والتدبر بالتدريج والأسهل والأيسر أن نبدأ بجزء عم ونقسمه إلى سبعة أقسام كل ليلة نقرأ بجزء، أو تكون البداية بالمفصل نحزبه سبعة أحزاب لكل يوم من أيام الأسبوع حزب كما سبق، ثم نزيد على هذا المقدار بالتدريج بنفس الطريقة والمقدار بحيث نختم المقدار الجديد كل أسبوع حتى يثبت ويرسخ في الذهن.
• وكم نعطي من الوقت لقراءة القرآن وتدبره كل يوم؟.
نعطيه ما يستحقه من الوقت كما ورد في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ - ٢].
أي كثيرًا.
وما هو حد الكثير؟
قال الله ﷿: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٣ - ٤].
والليل غالبًا اثنتا عشر عشرة ساعة نصفه ست ساعات وثلثه أربع ساعات.
وأما خطوات تحزيب وتدبر القرآن فتكون بتحديد مقدار الوقت اليومي وتحديد ما يمكن قراءته مع التدبر من السور أو الأوجه حفظًا أو قراءة في الصلاة أو غيرها مع القراءة والترتيل وتحديد الختمة كل أسبوع أو أسبوعين أو شهر حسب الرغبة والقدرة وفسحة الوقت، وبذلك يهون على الإنسان ما كان صعب ويتيسر ما كان عسيرًا ويمتلئ القلب بالقرآن وتدبر معانيه وفقه أحكامه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
المفتاح العاشر: الربط والذكر
والربط والذكر معناه أن يربط القاري أثناء قراءته وتدبره بين اللفظ والمعني، وبين ما يجد في كتاب ربه، وبين ما يعيش في حياته من مختلف الأحوال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].
والربط أو التذكر أو التداعي الهاماتُ وفتوحاتُ يفتحها الله تعالى على من يشاء من عباده، ويحصل عفوًا وأحيانًا يكون قصدًا، بأن يربط القاري المعنى باللفظ ثم التكرار حتى يرسخ في الذهن، ويثبت اللفظ مع المعنى في القلب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].
والربط ينقسم إلى قسمين:
الأول: ربط المعنى باللفظ، بأن يحفظ الآية ومعناها.
الثاني: ربط العلم بالعمل، بأن يفهم معنى الآيات ويطبق ما فهمه منها على واقع حياته، بحيث يبقى القرآن حيًا في القلب تؤخذ منه الأحكام والتوجيهات والآداب في كل صغيرة وكبيرة: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].
• والتكرار الذي يتحقق به الربط، ويحصل به النفع، نوعان:
١ - التكرار اليومي.
٢ - والتكرار الأسبوعي.
وفي كل تكرار يحصل فهمٌ جديد وعلمٌ جديد وإيمانٌ جديد وتطبيقٌ جديد وعملٌ جديد، والناس يختلفون في الحفظ وفهم المعاني وحسن التدبر، كالأرض تختلف في الإنبات إذا نزل عليها ماء السماء: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
هذه هي أهم مفاتيح تدبر القرآن لمن أراد أن ينتفع بهدي القرآن الكريم، ويسعد بنور القرآن، ويخشع لربه عند تلاوة كتابه أو سماعه.
وهذه المفاتيح هي حب القرآن الكريم واستحضار الأهداف من قراءة القرآن، وقراءة القرآن حفظًا من قلبه، والجهر بالقرآن والتغني بالقراءة، وترتيل القرآن الكريم والتوقف والتكرار أثناء القراءة، والقيام بالقرآن في الصلاة، وأن تكون القراءة في صلاة الليل، وأن يحزب القرآن ويقسمه ليسهل حفظه وفهمه وتدبره، والربط بين ألفاظ القرآن ومعانيه، وبين العلم والعمل به في كل حال.
فمن فتح القرآن العظيم بهذه المفاتيح العشرة، فتح الله له أبواب الفهم والعلم والتدبر، ووجد طعم الإيمان وحلاوة القرآن، وحسن التعبد لربه بقلبه وقالبه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن استعمل هذه المفاتيح العشرة كان كمن استعمل منظار التقريب وتكبير الصور والأشياء، فرأى الحق حقًا ثم اتبعه، ورأى الباطل باطلًا ثم اجتنبه، ووصل من المخلوق إلى الخالق، وتجاوز الصور إلى المصور، وتجاوز الدنيا إلى الآخرة.
ومن أراد أن يتدبر القرآن ويتأثر به وينتفع به، فعليه أن يهيئ الأسباب التي تعينه على فهمه وتدبره، ولا يقتصر فقط على حسن نطق الألفاظ وما يحصل له من أجور القراءة من حسنات.
***
مختارات

