الخزانة الثالثة..
• مجامع تلبيس إبليس:
لمّا طلب إبليس من الله إمهاله إلى يوم القيامة أمهله، فالشيطان يريد إغواء بني آدم وإضلالهم، كما قال سبحانه:﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
وقامَ الشيطان بإفسادِ أكثر بني آدم: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
واستعملَ الشيطانُ جميعَ الأسلحةَ في إفساد بني آدم، وتوعده الله على هذا الإفساد بجهنم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦١ - ٦٥].
فلا إله إلا الله كم أضلّ الشيطان من الخلق، وكم جرّهم إلى معصيةِ الذّي خلقهم، ورَزَقَهُم وَهداهُم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
فالشيطانُ يقولُ للإنسان لا جنّة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب، ويقول للإنسان شهواتُ الدنيا حاضرةٌ مُتَيَقّنَة فاستمتع بها، وشهواتُ الآخرةِ غائبةٌ غيرُ مُتيقّنة، ويقول هذه العبادات لا فائدة فيها للعابدِ والمعبود فهي عبثٌ محض والعياذُ بالله، ثم يقول إنها تُوجِبُ التعب والمحنةَ وذلك من أعظم المضار، ويعدهم بالأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل وتسويف التوبة وشفاعة الأصنام لعابديها، فهذه مجامعُ غرور، كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ [الإسراء: ٦٤].
والشيطانُ يدعو بغروره إلى ثلاثةِ أمورٍ مُهلِكة:
١ - قضاءُ الشهوات.
٢ - وإمضاءُ الغضب.
٣ - وطلبُ الرياسة.
ولا يدعو أبدًا إلى معرفة الله ﷿ ولا إلى عبادته وحده لا شريك له: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
وبهذا التزيين وهذا الإغراء غرّ أكثرُ الخلق، لكنّه لا سلطانَ له على أولياء الله أهلُ الفضل والعلمِ والإيمان.
قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].
ومداخل الشيطان التي يفسد بها الإنسان ثلاثة:
١ - الشهوة.
٢ - والغضب.
٣ - والهوى.
فالشهوة بهيمية يشتركُ فيها الإنسان مع الحيوان، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
والشهوة آفة لكنّ الغضب أعظم منها، والغضبُ آفة لكنّ الهوى أعظمُ منه، فبالشهوة يصير الإنسان ظالمًا لنفسه بإتباعه الشهوات وتركه أوامر ربه ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وبالغضب يصير الإنسان ظالمًا لغيره، وبالهوى يصير الإنسان ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره، ومُشركًا بمولاه الحق:﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
والظلمُ ثلاثة أنواع:
١ - ظلمٌ لا يغفر وهو الشرك بالله.
٢ - وظلمٌ لا يترك وهو ظلمُ العبادِ بعضُهم بعضًا.
٣ - وظلمٌ عسى الله أن يتركه وهو ظلم الإنسان نفسه بإتباع شهوات نفسه وتركِ أوامرِ ربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
فمنشأ الظلم الذي لا يُغفر هو الهوى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
ومنشأُ الظلم الذي لا يُترك هو الغضب، ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة.
ولهذه الآفات نتائج.
فالحرصُ والبُخُل نتيجة الشهوة، والعُجبُ والكِبِر نتيجة الغضب، والكفرُ والبدعة نتيجةُ اتباعِ الهوى، فإن اجتمعت هذه الآفات الست في بني آدم تولد منها آفةٌ سابعة وهي أعظمُ الشرور وهي الحَسَد، والحسد نهاية الأخلاق الذميمة، والشيطانُ هو النهاية في الأشخاص المذمومة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٦ - ٨].
ولهذا السبب ختم الله مجامعَ الشرور الإنسانية بالحسد فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
وخَتَمَ سُبحانه مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة فقال:﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
فليس في بني آدم أشرُ من الحسد، وليس بالشياطين أشرُ من الوسوسة، والحاسِدُ أشرُّ من إبليس، وما خلا جسدٌ من حسد ولكنّ الكريم يُخفي واللئيمَ يُبدي: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥].
الجانّ هو أبو الجن خلقه الله من النار بل من أشدها وهي نار السموم شديدةِ الحرارة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].
وخلقه من مارجٍ من نار وهو اللهب الذي لا دخان فيه كما قال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٥].
وإبليس أول من استكبر وعصا ربه وامتنع من السجود لآدم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فإبليس أول من استكبر وتعاظم، لعنه الله فأهبطه من السماء إلى الأرضِ صاغرًا ذليلًا مدحورًا كما قال سبحانه:﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [الأعراف: ١٨ - ١٩].
وقال ﷿ لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٢ - ١٣].
والمتكبر لا يمكن أن ينال ما أراد من العظمةِ والرفعة، وإنما يعاقبه الله بنقيضِ قصده من الذلّةِ والصغار والهوان،كما قال سبحانه: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ﴾ [غافر: ٥٦].
ومن عقوبات الكبر أنه سببٌ لصرف صاحبه عن فهمِ آيات الله ﷿، كما قال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ [الأعراف: ١٤٦ - ١٤٧].
والكبرُ ذنبٌ عظيمٌ وسببٌ للشواء في النار، كما قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠].
والمتكبر لا يحبه الله، كما قال سبحانه: ﴿لَا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ [النحل: ٢٣].
والكبر من أعظم الآفات والشرور: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر: ٢٧].
أما التواضع فهو سبيل الفوز والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
والشيطانُ عدوٌ مبينٌ للإنسان، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
فالشيطان يجتهد على المسلم ألا يقوم بأي عمل صالحٍ من دعوةٍ أو عبادةٍ أو تعليمٍ أو إحسانٍ إلى الخلق، فإن قام به تسلّطَ عليه بإضاعة الأوقات، فإن لم يقدر اجتهد علينا لكي تكون أعمالنا لغير الله، فإن لم يقدر اجتهد لإفسادِ أخلاقنا لتحصل العداوةُ وسوءُ الظن لكي لا نجتم، فإن لم يقدر علينا كجماعة اجتهد على كل فردٍ بإشغاله بالمباحات ثم ينقله إلى الصغائر ثم ينقله للكبائر ثم إلى الردة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
فهذه خطوات الشيطان فاحذروه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨].
وشياطين الإنس والجنّ مع أعداء الأنبياء والرسل والمؤمنين، وقد بينّ اللهُ ﷿ أنّ لكلِّ واحدٍ من شياطين الإنس والجن علاجٌ خاص.
• وبيّنَ هذا العلاج الشافي في ثلاثة مواطن في كتابه:
الأول: شياطين الإنس:
وهو كل من أراد أن يَضُرّ من الإنسِ غيره ويجره إلى الشر وإلى معصيةِ الله.
هذا علاجه الوحيد الذي ينجيك هو أن لا تتبعه في شره، وأن تقابل إساءته بالإحسان إليه والصفح عنه، هذا الفعل يجعله يندحر وينكسر، ويكونُ صديقًا بعد أن كان عدوًا، ولا يحصلُ على هذا إلا من تحلّى بالصبر، كما قال سبحانه:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
الثاني: شياطين الجن
وهم شياطين الجن الكفرة الذين يضرون الناس ويفسدون حياتهم ويجرونهم إلى معصية الله.
وشيطانُ الجنّ لا علاج له البتة إلا بالاستعاذة بالله منه، لأن الملاينة لا تزيده إلا طغيانًا، وأنت لا تراه لكي تنتصف منه، فلا دواء له إلا بالاستعاذة بالله من شره.
وقد ذكر الله هؤلاء وهؤلاء في ثلاثةِ آيات من كتابه، كما قال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ١٠٠].
وهذا العلاج لا يعطيه الله لكل أحد، بل لا يعطيه إلا من جعل له الحظ الأعظم والنصيب الأوفرِ عنده، وهو كل مسلمٍ تقي: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥].
خَطرُ الشياطين:
الشيطان هو إبليس الذي يدعو إلى الكفر والمعاصي، وكل متمردٍ عاتٍ شيطان، وسمي إبليس بالشيطان لأمرين:
الأول: لشدة بعده عن رحمة الله وعن طاعة الله، فهو مأخوذٌ من شَطَنَ بمعنى بَعُدَ.
الثاني: ولأنه هالك، فهو من شَطَنَ يشيطُ إذا هَلَكْ.
والشيطانُ عدوٌ لبني آدم لأنه يزعم أنّ سبب شقائه هو آدم ﷺ، وأنه أُخرج من الجنةِ بسببه، وأقسم بعزة الله أن يبذل كل مجهودٍ لإغواء بني آدم، كما قال ﷿ عن الشيطان: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ الحجر: [الحجر: ٢٨ - ٤٤].
وقد خضع للشيطان أكثر الخلق وزينّ لهم معصية الله فجرّهم من التوحيد إلى الشرك ومن طاعة الله إلى معصيته،كما قال الله سبحانه عن الشيطان: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
ولما وقعت الزلّة من أبوي البشر آدم وحواء فأكلا من الشجرة أهبطهم الله من الجنة إلى دار الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١١٦ - ١٢٢].
وحكم الله ﷿ أنه لا يدخل أحدٌ من ذريته الجنة إلا بعد الامتحان والابتلاء في الأوامر والنواهي، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧].
والشياطين أخطرُ الخلقِ على البشر كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦١: ٦٠].
• وقد أكثر الجنّ من إغواء الإنس وإضلاله، والشياطين يستكثرون من الإنس من جهتين:
الأول: من يتبع تشريعهم وقوانينهم كما هو الحال الآن في أقطار الدنيا: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
الثاني: يستكثرون من جهة تزيين الشهوات للإنس كالزنا والسرقة وشرب الخمر والربا وغيرها من المعاصي.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فهؤلاء وهؤلاء كلهم أولياء للشيطان لأنهم أطاعونهم، هؤلاء يوالونهم في التشريع، وهؤلاء يوالونهم في الطاعة بشأن المحرمات، والكل في جهنّم.
والكافرُ ولي الكافرُ والفاجرُ وليّ الفاجرِ، والمؤمنُ وليّ المؤمن، كما قال سبحانه:﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٢٨ - ١٣٠].
واستمتاعُ الجنِّ بالإنس أن التمتع هو استمتاعُ البعضِ بالآخر، أما انتفاعُ الإنس بالشياطين هو أنّهم يدلونهم على لذّاتِ الدنيا المحرّمة ويزينونها لهم فيستمتعون بِزِنا وشُرب الخمر وأكل المال الحرام بالسرقة والغصبِ والربا ونحو ذلك من المنافع التي تضر بها الشياطين جهلة الإنس.
وأما انتفاعُ الشياطين هو أنّهم يكونوا سادةً مطاعين، لأنّ لذة الطاعة والرياسة أمرٌ عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨].
وكلُّ من كفر بالله وعصاه إنما أغرّته الحياة الدنيا لأنّ الدنيا دار الغرور تغر الجاهل فيشتغل بشهواتها ولذاتها وراحاتها عن موجبات الجنة من الإيمان والأعمال الصالحة لأنّ الجنة حُفت بالمكاره وما يُدخل الجنة فيه تكاليف شاقة على من لم يهده الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
فالرجل أحيانًا يكون عزيزًا مطاعًا فإذا أسلم كان من عامّةِ الناس، وكذلك أوقات التكاليف الشرعية من صلاةٍ وصوم يفضّلون عليها لذّات الدنيا التي تشغل الإنسان عن معاده،كما قال ﷾: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال ﷿: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠].
***
مختارات

