خطر الجهل (٢)
وأما المكر الذي وصف الله به نفسه، فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن، فيكون المكر منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء، لأنه عدل ومجازاة.
وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله وأوليائه، فهي منهم أقبح شيء، ومن الله أحسن شيء، لأنها عدل ومجازاة.
أما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فإن هذا الرجل عمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملاً صالحاً مقبولاً للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه، فإن فيه آفة كامنة خذل بها في آخر عمره، فلو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه، والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض.
وأما شأن إبليس، فإن الله قال لملائكته: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)} [البقرة: ٣٠].
فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا تعلمه الملائكة.
فلما أمرهم الله بالسجود، ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد لأمر الله فبادروا إلى الامتثال والطاعة.
وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والكفر والحسد، فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
وأما خوف أولئك من مكره فحق، فإنه يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم، فيصيروا إلى الشقاء.
فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمة ربهم.
أما قوله سبحانه: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)} [الأعراف: ٩٩].
فهذا إنما هو في حق الكفار والفجار، ومعناه: فلا يعصي ويأمن مقابلة الله له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون.
والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الذنوب، فيحصل لهم نوع اغترار، فيأنسوا بالذنوب، فيأتيهم العذاب على غرة وفترة قبل التوبة.
أو أن يغفلوا عنه، وينسوا ذكره، فيتخلى عنهم، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، فيكون مكره بهم تخليه عنهم.
أو أن يعلم سبحانه من ذنوبهم، ما لا يعلمون من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون.
أو يبتليهم ويمتحنهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنوا به وذلك مكر.
هذا خطر الجهل بأسماء الله وصفاته، يولد مثل هذه الطامات، والقول على الله بلا علم، وظن الناس بربهم غير الحق.
فماذا ينتظر هؤلاء من العقوبة؟
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)} [الأنعام: ١٤٤].
وأما الجهل بدين الله وشرعه، فقد نشأ بسببه من البدع والمخالفات ما عمَّ وطمَّ، وبلغ السهل والجبل.
والناس متفاوتون في ذلك، فمن الناس من يعبد الله مخلصاً لكن على جهل، ومنهم من ابتدع في الدين عبادات لم يشرعها الله ورسوله، فصارت عبادات يتقرب بها الجاهلون إلى الله، ويدافعون عنها، ويعادون من أنكرها عليهم،
ويدعون الناس إليها، وينسبونها لله ورسوله فبأي شيء يفرح الشيطان بأكثر من هذا؟.
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)} [الشورى: ٢١].
وأما الجهل بقضائه وقدره، فقد نشأ بسببه نسبة ما لا يليق به إليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فالجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم، والعارف إنما يشكو إلى الله وحده.
وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس، فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه كما قال سبحانه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)} [النساء: ٧٩].
فالمراتب ثلاث:
أخسها أن تشكو الله إلى خلقه.
وأعلاها أن تشكو نفسك إليه.
وأوسطها أن تشكو خلقه إليه.
والجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة في ثنايا التاريخ.
وليست المقابل لما يسمى بالعلم والحضارة.
وإنما حقيقة الجاهلية: هي رفض الاهتداء بهدي الله.
ورفض الحكم بما أنزل الله.
ورفض العمل بشرع الله.
فالجاهلية في الحقيقة هي التي تستنكر هدى الله.
وتستحب العمى على الهدى.
وتزعم أن ما هي فيه هو الخير المحض.
وأن ما تدعى إليه من الهدى هو الضرر والخسران كما قال سبحانه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)} [فصلت: ١٧].
وزوال هذه الجاهلية يكون بالإيمان، والأعمال الصالحة، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله.
ولما جاء الإسلام ذهب الكفر، ولما جاء الحق زهق الباطل.
مختارات

