الخزانة الثانية..
• وسوسة الشيطان للإنسان:
الشيطان عدوٌ مبينٌ للإنسان.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠].
فالشيطان يوسوس في صدور الناس، والقلب في الصدر، فهو يوسوس في الصدور لا في القلوب، لأنه ضعيف لا يستجيب له إلا من أصغى إليه فهو ضعيف في ذاته سريع الاندحار، كلما قاومه الإنسان ولم يبالِ به واستعاذ بالله من شره، فكلما دافعه المؤمن خنس ورجع، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
فالشيطان كلما ذكر العبد ربه خنس وهرب، لأنه ضعيف لا يقاوِم، لكنه مؤثرٌ في القلب الذي يصغي إليه، ملازمٌ لكل إنسان، فالمؤمن لا يلتفت إلى وسوسة الشيطان، بل يذكر ربه فيفر منه الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].
والشيطان مثل الكلب إن التفت إليه لحقك وتحرش بك، وإن أهملته وتركته نبح مرة أو أكثر، ثم تركك: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
ومدافعة وسوسة الشيطان محض الإيمان، لأن الله رد كيده إلى الوسوسة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
فلا يضر الشيطان إلا من أصغى إليه، وعن أبي هريرة أنهم قالوا: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ:«وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ».
أخرجه مسلم.
• ومداخل الشيطان على ابن آدم ثلاثة:
فهو يدخل على ابن آدم ليضله من أحد ثلاثة أبواب:
الباب الأول: باب حب التملك وطول الأمل، كما قال لآدم ﷺ: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠].
فغرّ إبليس آدم ليعصي ربه بقوله: كل من هذه الشجرة لتكون مَلَكًا خالدًا في الحياة.
فإذا يئس من الإنسان من باب حب التملك، من باب حب الملك والدنيا، جاءه من باب العبادة والطاعة: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ١٩ - ٢٠].
الباب الثاني: باب العبادة والطاعة وطول الأمل.
فقال لآدم ﷺ وزوجه: كلا من هذه الشجرة لتكون عبادتكما كاملة، وطاعتكما كاملة كالملائكة المخلدون،الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون:﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٧].
الباب الثالث: أنه أقسم لآدم أنه ناصحٌ له.
وهذه أخطر الثلاث، كما قال سبحانه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢١ - ٢٥].
فأقسم الشيطان بالله أن هذا الأمر فيه نجاتك وحياتك وسعادتك، وذلك بالأكل من الشجرة، وقد غر إبليس آدم وزوجه فأكلا من الشجرة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢].
ثم تاب الله على آدم وزوجه وأهبطه للأرض بعد أن حذره من إبليس.
قال الله تَعَالىَ: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ [الأعراف: ٢٤].
فقه عداوة الشيطان:
لما أمر الله ﷿ الملائكة بالسجود لآدم، سجدوا كلهم أجمعون، ولكن إبليس لم يسجد لآدم متعللًا بأنه أشرف من آدم، ولم يلتفت إلى الآمر له سبحانه بالسجود وهو الله ﷿ فلعنه الله وطرده، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٣ - ٣٥].
فتأصلت العداوة بين الشيطان وبين آدم ﷺ ففكر في الانتقام والتشفي منه ومن ذريته، فنطق على عجل قائلًا:﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٤٤].
فطلب إبليس من الله ﷿ النظرة إلى يوم القيامة، لا ليندم على خطيئته ومعصية ربه أمام الخالق العظيم، ولا ليتوب إلى الله ويرجع عن إثمه العظيم، ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه الله وطرده، فربط لعنة الله له بآدم، ولم يربطها بعصيانه لله.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١١ - ١٨].
والله ﷿ هو الخلاق العليم، الذي خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، وجميع مخلوقاته شاهدةٌ بوحدانيته، ودالةٌ على عظمته، ومسبحةٌ بحمده، وخاضعةٌ لأمره، ومستجيبةٌ لمشيئته: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩].
والمخلوقات التي خلقها الله ﷿ على قسمين:
١ - مخلوقاتٌ غير مكلفة، وهم عالم الجماد والنبات والحيوان.
٢ - ومخلوقاتٌ مكلفة وهم ثلاثة أصناف: الملائكة والجن والإنس.
فالملائكة خلقهم الله من نور، وكلهم مؤمنون، ولكنهم مسخرون: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
والجن خلقهم الله من نار، ومنهم المؤمن والكافر، وأعظم كفارهم إبليس وذريته، وأبوهم الجان.
والإنس خلقهم الله من تراب، ومنهم المؤمن والكافر، وأعظم كفارهم فرعون، وأبوهم جميعًا آدم ﷺ، ولا شك أن المكلف أفضل من غير المكلف، والملائكة أفضل من الجن، والبشر المؤمنون أفضل من الملائكة، كما قال سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤].
وجهد الشيطان على الناس متصل، ليلًا ونهارًا في جميع الجهات، وجهدنا على غيرنا منفصل، فنجتهد أحيانًا ونترك كثيرًا، فجهد الشيطان في إضلال الناس متصلٌ في كل وقت، عامٌ لكل الخلق، محيطٌ بكل الجهات، فهو عدوٌ راصدٌ لكل إنسان من كل جهة ليوقعه في الفخ في معصية ربه:﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٨].
• فنصب الشيطان لكل إنسان أربعة أفخاخ:
من الأمام.
والخلف.
واليمين.
والشمال.
وكل فخ لا يشعر به الإنسان ولا يراه فخًا، والصياد الماهر لا يمكن الصيد من رؤيته، وكذلك الشيطان، الذي حذرنا الله ﷿ منه بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٣٠].
فالشيطان يأتي الإنسان من حيث لا يشعر، ويزين له ما يضره، بل يجعله أحيانًا يدافع عنه، وتمجد أحيانًا اختياره لك من حيث لا تشعر، فيأتيك من الأمام وينسيك الله والدار الآخرة، ويأتيك من الخلف فيذكرك بزخارف الدنيا وشهواتها، فمن دخل في الصلاة فقلبه متعلقٌ بالله والدار الآخرة.
فيأتي الشيطان إليه ويزين له أن يؤخر الله والدار الآخرة ويقدم الدنيا والشهوات، فالمؤمن حقًا من أمامه الله والدار الآخرة، وخلفه الدنيا والشهوات، وعلى يمينه تكون محبوبات الرب من الإيمان والأعمال الصالحات، وعلى شماله محبوبات النفس من الأموال والشهوات يأخذ منها بقدر الحاجة، ويعطي للدين بقدر الطاقة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
عداوة إبليس للإنسان:
إبليس مخلوقٌ مطرودٌ من رحمة الله، لأنه كفر واستكبر على أوامر الله، وأخذ على عاتقه إغواء بني آدم ليعصوا ربهم مثله، ومن رحمة الله ﷿ أن بين لنا أنه عدوٌ مطرودٌ من رحمة الله لئلا يظن العبد به خيرًا، ولكن لا سلطان له على أحدٍ من الخلق إلا من علم الله أنه يطيعه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقد ترك الله ﷿ أمر الهداية للاختبار من الناس، ومن أراد الله هدايته فلا يضله هو ولا غيره: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وطرق الشيطان التي يسلكها لإغواء بني آدم أربعة كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
فالشيطان يقعد للبشر على الطريق المستقيم، ولا يقعد على الطريق المعوج، لأن سالكه شيطان، فهو يلاحق أهل الطاعات الذين يسيرون على الصراط المستقيم، لا أهل المعاصي الذين يسيرون على الصراط المعوج، فهو يضل الإنسان من اليمين والشمال، ومن الأمام والخلف، أما الفوق والتحت، فلا يقدر الشيطان عليهما، لأن الشيطان يعلم أن من تمثل الفوقية الإلهية والتحتية العبودية لا يقدر عليه أبدًا، لأنه يعيش في مستوً إلهي فوقي، وحظيظ عبوديةٍ تحتي.
ولهذا جاءت جميع رافدات الإلحاد من الجهات الأربع، فهذا تقدمي وهذا رجعي، وهذا يميني وهذا يساري، أما المؤمنون فهم أمةٌ محمديةٌ فوقية، خاضعون لله لا لغيره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والفرق بين معصية آدم وإبليس أن آدم ﷺ عصى ربه، وإبليس عصى ربه.
• والفرق بينهما:
أولًا: أن معصية إبليس عن كبرٍ برد الأمر على الآمر سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
ثانيًا: أن معصية آدم عن شهوة، فقد أكل من الشجرة عن شهوة ولم يرد الأمر على من أمره، فهو يقول الأمر صحيح، والتكليف حق، ولكني ضعيف لم أستطع أن أمنع نفسي من المعصية والأكل من الشجرة.
فآدم بسبب الاعتراف والاستغفار تاب الله عليه ومن فعل مثله من ذريته: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وذلك حين أقر لربه بالذنب واستغفره منه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]
أما إبليس فمصممٌ على الكفر والكبر والإغواء، فلهذا طرده الله وأبعده من رحمته: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥].
وخطوات الشيطان في الإغواء:
إن الشيطان أقسم بعزة الله على أن يغوي بني آدم بكل وسيلة ومن كل جهة وفي كل وقت ووفي كل مكان، يبدأ أولًا بتزيين الكفر للإنسان، فإن لم يستطع انتقل منه إلى ما دونه من الكبائر، وإذا امتنع عليه خلقٌ في معصية نقله إلى معصيةٍ أخرى، مسموعةً أو مرئيةً أو غيرها، يضله من الباب الذي يريحه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وهذا هو الفرق بين معصيةٍ يوحي بها الشيطان، ومعصيةٍ تصر عليها النفس.
• فالمعاصي نوعان:
١ - معصية يوحي بها الشيطان.
٢ - ومعصيةٌ تصر عليها النفس.
فمن حدثته نفسه بمعصية، ولم تتراجع عنها، بل أصرت عليها، هذه معصيةٌ من النفس، كمن يصر على شرب الخمر أو الدخان أو الزنا أو غيرها، لأن النفس تريد المعصية من هذا اللون فقط الذي يحقق لها الشهوة العاجلة.
أما الشيطان فهو يريد الإنسان عاصيًا لربه بأي شكل، فإن عز عليه في باب من أبواب المعصية، طرق عليه بابًا آخر حتى يصيده به ويجره إليه ليُسخط ربه.
• والسلطان نوعان:
الأول: سلطان القهر والغلبة، وهو القهر على فعلٍ لا يريده من يفعل.
الثاني: سلطان الحُجّة، وهو الإقناع، لتُقبِل النفس على الفعل وهي راضية، سواءٌ كان حسنًا أو سيئًا.
فالأول تفعله وأنت مقهورٌ كاره، والثاني تفعله وأنت مقتنعٌ راضٍ، والشيطان يزيين للناس بسلطان التزيين، لأن سلطانه على الذين يتولونه ويطيعونه كما قال سبحانه:﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ١٠٠].
فذو السلطان إما أن يقهر غيره بالقوة، وإما أن يقنعه بالحجة، فالأول سلطان الجبارين، والثاني سلطان النبيين،والشيطان يوم القيامة يتبرأ من أتباعه من سلطان القوة وسلطان الحجة بقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
***
مختارات

