الخزانة الثانية..
• حكم رفع اليدين في الدعاء:
رفع اليدين عند الدعاء له ثلاث حالات:
الأولى: المسألة وهي أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، فتجعل باطنهما إلى السماء، وظهورهما إلى الأرض، وهذا في دعاء الرغبة؛ لأن الراغب كالمستطعم، وهذا أكثر الأحوال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثانية: الابتهال وهو أن تمد يديك جميعًا وترفعهما حتى يُرى بياض إبطيك فتجهل بطونهما مما يلي وجهك، وظهورهما مما يلي السماء، وهذا في دعاء الرهبة؛ لأن الراهب لأن المستجير المستعيذ الدافع، وهذا كما في صلاة دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، وخطبة الاستسقاء.
فعن أنس بن مالك قال: «كان النَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْه».
متفقٌ عليه.
وكان ﷺ يدعو أحيانًا بلا إشارة ولا رفع، والدعاء مشروع من الأدنى للأعلى، ومن الأعلى للأدنى، والداعي إذا دعا لغيره أثاب الله الداعي على دعائه، ونفع المدعو له بالدعاء، ولله المنة على الداعي، والمدعو له حيث نصب الله سبحانه لهم أسبابًا يرحمهم بها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
١ - والدعاء من الأعلى للأدنى كثير مثل قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
٢ - والدعاء من الأدنى للأعلى مثل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال الله تعالى:: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وعامة أدعية القرآن من هذا.
فالخلق كلهم فقراء إلى الله سواء كانوا أنبياء أو غيرهم، فكل مخلوق مهما كان مطبوع على أربع صفات ضعيف فقير عاجز محتاج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فمن جعل أحد من الأنبياء أو غيرهم مستغنيًا عن مزيد الرحمة والرضوان وعلو الدرجات فهو جاهل بالله، ومن ظن أن دعاء الداعي للأنبياء وصلاته عليهم، أو صلاته على المؤمنين منة منه عليهم فهو جاهل، فإن الله يثيبه على عمله، وينفع من دعا له، ولله المنة على هذا وهذا:﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
أما حكم طلب الدعاء من الغير فيجوز للمسلم طلب الدعاء من الصالحين سواء كان لصالح المسلمين، أو لمصلحة نفسه فطلب الدعاء لمصلحة النفس كم قال الله عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢].
وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨].
وطلب الدعاء لمصلحة المسلمين كما طلب أحد الصحابة من النبي ﷺ أن يستسقي لهم السماء، فدعا الله ﷿ لهم فمُطِروا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فبينما رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ؛ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أن يسقنا، قال: فرفع رسول الله ﷺيديه وما في السماء قزح قال: فطار صحابي أمثال الجبال المطر ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ قال: فمُطرنا يومنا ذلك، وفي الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، قام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتْ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ حَتَّى سَالَ الْوَادِي وَادِي قَنَاةَ».
متفقٌ عليه.
فقه الدعاء:
الدعاء من العبد لربه ينقسم إلى قسمين:
دعاء العبادة.
ودعاء المسألة.
أما دعاء العبادة فهو أن يقوم الإنسان بعبادة ربه، وهذه العبادة متضمنة للدعاء سواء إن كانت صلاة أو ذكرًا أو دعًا،وأما دعاء المسألة فهو أن يسأل العبد ربه شيئًا فيقول:﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
أو يقول: يا رحمن ارحمني، ويا رزاق ارزقني ونحو ذلك.
وهذا الدعاء كذلك عبادة لما فيه من صفة التوجه إلى الله تعالى، والاعتراف بفضله والله تعالى كريم رحيم يستجيب لمن دعاه، والاستجابة في دعاء العبادة هو قبوله، والاستجابة في دعاء المسألة إعطاء الإنسان مسألته وهذا وعد من الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
ودعاء الله ﷿ له شروط:
الأول: الإخلاص لله في الدعاء ﷿ بأن تدعوه وحده لا شريك له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: الإخلاص لله في المسألة بأن تدعو الله وتشعر بأنك بحاجة إليه، وغنيًا عنك، وأنه قادر على إعطاءك، وأنه القادر على إعطاءك وحده دون سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثالث: أن يكون الدعاء لا عدوان فيه، فإن كان فيه عدوان فإن الله لا يقبله؛ لأن الله لا يحب المعتدين كما لو سأل الإنسان ربه شيئًا محرمًا، أو سأل ما لا يمكن حسًا كان أن يطلب ولد وهو لم يتزوج، أو سأل ما لا يمكن شرعًا كان يقول: اللهم اجعلني نبيًا، أو دعا على مظلوم فهذا وأمثاله كله دعاء لا يُقبل لأن فيه عدوان: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
الرابع: اليقين على ربه، أن يدعو الله وهو موقن بالإجابة، فإن دعوت ربك وأنت شاك من إجابته فإنه لا يقبل منك، ولا يستجيب دعاءك.
الخامس: اجتناب الحرام فمن أكل الحرام ربًا أو غشًا أو كذب لا يُستجاب دعائه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وأجمع الدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقد كان الرسول ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ومن ذلك قول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
فجوامع الدعاء أبلغ في العموم والشمول والنفع ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
يشمل كل حسنات الدنيا زوجة صالحة، وعيشة هنية، ومسكن واسع، ومركب مريح مع الإيمان والتقوى والعمل الصالح: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
يشمل كل حسنات الآخرة من الحساب اليسير، وإعطاء الكتاب باليمين، والمرور على الصراط بسهولة، والشرب من حوض النبي ﷺ، ورؤية الرب وسماع كلامه، والقرب منه ودخول الجنة وغيره ذلك من حسنات الآخرة: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
نجنا من عذاب النار بقبول توبتنا من الذنوب الموجبة بدخول النار، وقبول طاعتنا التي تكون سببًا لدخول الجنة.
ولأهمية هذا الدعاء كان النبي ﷺ يختم به أشواط الطواف بالبيت، فيقول بين الركن اليماني والحجر الأسود في ختام كل شوط: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
والدعاء للمؤمنين بظهر الغيب بدون وصية أو طلب منهم من سنن الرُسل وأتباعهم، وهي تدل على محبة الداعي لإخوانه المؤمنين، وأنه يحب لهم كما يحب لنفسه من الخير،وذلك من مقتضيات الإيمان الذي يُوجب الأخوة والمحبة:﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤٠ - ٤١].
وقال نوح ﷺ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨].
وقال النبي ﷺ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ».
أخرجه مسلم.
• أقسام الدعاء:
الدعاء هو الطلب من المدعو جلب نفع، أو دفع ضر.
• والدعاء نوعان:
الأول: دعاء عبادة من يتعبد للمدعو طلبًا لثوابه أو خوفًا من عقابه وهذا لا يصح لغير الله، وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج من الملة، ومُوجب للعذاب في الآخرة لما فيه من الإعراض بالكفر والاستكبار ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
الثاني: دعاء المسألة وهو دعاء طلب الحاجات.
• وهذا الدعاء ثلاثة أقسام:
الأول: دعاء الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وهذا لا يجوز إلا لله ومن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء إن كان المدعو حيًا أو ميتًا كطلب الشفاء من مخلوق: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
الثاني: دعاء الحي فيما يقدر عليه كأن يقول: يا فلان اسقني ماءًا فهذا جائز لا شيء فيه.
الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فهذا شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يقدر أن يقوم بسقيه الماء، و دعاء غيره دليل على اعتقاده أن له تصرف في الكون مع الله وهذا ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
والدعاء هو العبادة وهو من أعظم مقامات العبودية، والمقصود من الدعاء إظهار العبودية والذلة والمسكنة لله،والانكسار بين يدي الله بالكلية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وإذا دعا العبد ربه أجابه ربه إلى ما فيه مصلحة العبد بحكمته، فإما أن يُعطى سُؤله، أو يُعطى سكينة في نفسه، أو يعطى انشراح في صدره.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ لَا تُرَدُّ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ تُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِ مَا دَعَاهُ» أخرجه الترمذي.
والله سبحانه عليم خبير لا يقضى لعبد إلى ما هو خير له في دينه ودنياه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والله سبحانه وعد بالإجابة فإذا استجاب ولو في الآخرة كان الوعد صدقًا، والله سبحانه كريم أجاب دعاءك أيها العبد مع كمال غناه عنك، فكن مجيبًا لدعائه وأمره مع أنك محتاج من كل الوجوه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وإجابة الله لدعاء العبد فضلًا منه ابتداءً وغير مُعلل بطاعة العبد، والإجابة من العبد لله الطاعة، والإجابة من الله لعبده إعطائه مطلوبه ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
***
مختارات

