الخزانة الثالثة..
• فقه السير إلى الله:
محبة الله ﵎ تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده إليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فالمحبة لله، والخوف منه، والرجاء له، هذه هي محركات القلوب إلى الله: المحبة، والخوف، والرجاء.
وأقواها المحبة، فإن لم يكن عند العبد محبة تبعثه على طلب محبوبه، فعليه بكثرة ذكر الله؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلب به، ومطالعة آلائه، ونعمائه تبعثه على التوجه إليه،والحياء منه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وكذلك الخوف، تحركه مطالعة آيات الوعيد، ومعرفة عظمة الله، وهيبة جلاله، وكبريائه، ومعرفة أهوال يوم القيامة:﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال الله ﷿: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وكذلك الرجاء، يحركه مطالعة حلم الله، وعفوه، وكرمه، ومعرفة آيات الوعد، وهكذا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وإذا تحركت القلوب إلى الله، وسارت إليه، اعتصمت به، وقلت آفاتها، أو ذهبت عنها بالكلية كما قال سبحانه:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
وإذا أطمئنت القلوب بذكر الله، وتعلقت به، وعبدته، كما أمرها، فمصيرها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
ولكن العبد إذا عزم على السفر إلى الله تعالى عرضت له الخوادع، والقواطع، فينخدع أولاً بالشهوات، والرياسات، والملاذ، والمناكح، ونحوها، فإن وقف معها انقطع عن ربه.
وإن رفضها ولم يقف معها، وصدق في سيره وطلبه ابتلي بوطء عقبه، وتقبيل يده، وكثرة الأتباع، والتوسعة له في المجالس، والإشارة إليه بالدعاء، ورجاء بركته، ونحو ذلك.
فإن وقف مع ذلك انقطع به عن الله، وكان حظه منه، وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات، فإن وقف معها انقطع بها عن الله، وكانت حظه.
وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد، والتخلي، ولذة الجمعية، وعزة الوحدة، والفراغ من الدنيا.
فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود، وإن لم يقف معه وسار ناظراً إلى مراد الله منه، وما يحبه منه، بحيث يكون عبده الموقوف على محابه، ومراضيه أين كانت؟ وكيف كانت؟ تعب بها أو استراح، تنعم أو تألم، أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم.
لا يختار لنفسه غير ما يختار الله له، واقفًا مع أمره ينفذه حسب استطاعته، ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها، ولذتها على مرضاة سيده وأوامره، فهذا هو العبد الذي وصل ونفذ، ولم يقطعه عن سيده شيء البتة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• جهات التكليف:
كل مسلم بالنسبة لأوامر الله مكلف بجهات ثلاث:
الأولى: من جهة قلبه بالإيمان، والتوحيد، والتسليم، والانقياد.
الثانية: من جهة عقله بتقديم أوامر الله ﷿ على أوامر الخلق، وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس.
الثالثة: من جهة جسده بالعمل، والعبادة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
والإخلاص في العبادة: هو أن يؤديها العبد لله؛ لأن الله أمر بها، وإن اشتمل الأمر على حكم تكون علة للامتثال، إلا أن الإخلاص يقتضي أن تكون العلة هي الأمر الإلهي بذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
فإن كانت الحكمة علة، فالعبادة باطلة، وإن بقيت مرجحة فجائزة، فالصدق، والإخلاص، والمتابعة، هذه الأركان الثلاثة، هي أركان السير إلى الله، وأصول الطريق التي من لم يبني عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وإن ظهر أنه سائر، فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده، وإما سير المقعد المقيد، وأما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى أمام رجعت عشراً إلى خلف.
فإن عدم الإخلاص، والمتابعة انعكس سيره إلى خلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وإن اجتمعت له الثلاثة، فذلك الموفق الذي لا يجارى في مضمار سيره إلى ربه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
***
مختارات

