العلم بأوامر الله (٢)
والعلم الحقيقي هو الذي يورث العمل، ولا بدَّ في كل عمل من أمرين:
إخلاص العمل لله.
وأداؤه كما جاء في سنة رسول الله.
والاتباع الكامل يتحقق بثلاثة أمور:
اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نيته.
واتباعه في وجهته وهي الآخرة.
واتباعه في هيئة العمل.
فالوضوء له أحكام معلومة.
والصلاة كذلك.
والدعوة كذلك.
وأشرف العلوم بعد العلم بالله وأسمائه وصفاته معرفة دينه وشرعه، وأشرف العلوم من ذلك علم الحدود، لا سيما حدود المشروع: المأمور به، والمنهي عنه.
فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج منها ما هو داخل فيها، وأجهلهم أجهلهم بتلك الحدود كما قال سبحانه: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)} [التوبة: ٩٧].
فأعدل الناس من قام بحدود الأقوال والأعمال والأخلاق والمشروعات معرفةً وعملاً، ودعوةً وإرشاداً.
والله تبارك وتعالى فضل بعض مخلوقاته على بعض، واختص بعض عباده بكثرة الأموال، وبعضهم بحسن الأخلاق، وبعضهم بالإكرام، وبعضهم بغزارة العلم، وبعضهم بقضاء حاجات العباد.
وعلى طالب العلم مسئولية عظيمة، وهي متفاوتة بحسب ما عنده من العلم، وعلى حسب حاجة الناس إليه، وعلى حسب طاقته وقدرته.
أما من جهة نفسه:
فعليه أن يعتني بحفظ وفهم الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم، وأن يخلص لله ويراقبه ويتقيه، ويعمل بما علم، وأن يكون هدفه إرضاء الله عزَّ وجلَّ، وأداء الواجب، وبراءة الذمة، ونفع الناس.
ولا يهدف بعلمه وعمله إلى مال ولا عرض من الدنيا، ولا يهدف للرياء والسمعة.
فطالب العلم له موقف مع ربه بالصدق والإخلاص، وله موقف مع نفسه بالعلم والعمل، وله موقف مع غيره بالتعليم وحسن الخلق.
وقبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه معلوم مشاهد في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات.
فإذا كان القلب مملوءاً بالباطل اعتقاداً ومحبةً لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع.
وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير طاعة الله، لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها.
فكذلك قلب الإنسان المشغول بمحبة غير الله وإرادته، والشوق إليه والأنس به، لا يمكن شغله بمحبة الله وإرادته والشوق إليه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره، ولا يمكن شغل حركة اللسان بذكره، والجوارح بخدمته، إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته.
فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق، والعلوم التي لا تنفع، لم يبق فيه موضع للشغل بالله، ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكام دينه.
وإذا امتلأ القلب بالشبه والشكوك والخيالات، والعلوم التي لا تنفع، والمفاكهات والمضحكات والحكايات ونحوها، ثم جاءته حقائق القرآن، والعلم الذي به كماله وسعادته، فلم تجد فيه فراغاً لها ولا قبولاً تعدته وتجاوزته إلى محل سواه.
والعالم بالله هو الذي يخشاه.
والعالم بأمر الله هو الذي يعرف أمره ونهيه.
والخشية تمنع اتباع الهوى.
ومعرفة أوامر الله تمنع اتباع البدع.
والكمال في العلم وعدم اتباع الهوى.
وثمرة العلم العمل، والعمل يكمل ويكون مقبولاً إذا توفرت فيه خمسة أمور:
الأول: الإيمان: وهو أساس كل عمل، والمحرك والباعث عليه.
الثاني: الاحتساب: وهو معرفة ثواب العمل عند الله.
الثالث: العلم: وهو أن يقوم بالعمل حسب ما ورد في السنة.
الرابع: الإحسان: وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الخامس: الإخلاص: بأن تكون أعمال العبد خالصة لله وحده.
وشرطي المرور، وعامل البناء، وكل عامل يقوم بعمل، تصرف له الأجرة من المخلوق، وكذلك المسلم يقوم بالصلاة والصيام، والذكر والدعاء فيقضي الله حاجته، ويرزقه الحسنات، ويكفر عنه السيئات.
ولتحريك البدن، ودفعه للقيام بالطاعات، وبعثه للقيام بالمأمورات نذكر الله كثيراً، فنتكلم بعظمة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ونذكر نعمه وإحسانه، حتى يتأثر القلب، ثم القلب إذا زاد فيه الإيمان أمر الأعضاء والجوارح بامتثال الأوامر، وقادها للطاعات بالشوق والرغبة والمحبة.
والإنسان إذا أراد أن يعمل عند أحد عملاً سأل كم الأجرة التي سيدفعها له صاحب العمل؟، وبناء عليها يكون العمل وحسنه.
فكذلك المؤمن إذا أراد أن يعمل الطاعات، تعلم الفضائل قبل ذلك ليعرف قيمة العمل عند الله، وماذا يعطي الله عليه من الحسنات، وبمعرفة ذلك ينشط لأدائه، ويسهل عليه القيام به، ويداوم عليه، ويكثر منه، ويسارع إلى فعله.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى باب أحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» متفق عليه (١).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه (٢).
فكل شيء له قيمة، وبحسب كماله ونفعه وحسنه تكون قيمته، والأشياء المادية يعرف الإنسان قيمتها؛ لأن لها قيمة في قلبه، فهو يعمل من أجل الحصول عليها، أما الأعمال الصالحة التي جاءت عن الله ورسوله فقيمتها مجهولة عند كثير من الناس، بينما القلوب مملوءة بحب ومعرفة قيمة الأشياء المادية.
إن الجهل بأعمال الدين وقيمتها وأجوددها يجعل المسلم لا يرغب ولا يشتاق لتلك الأعمال، ولا يؤديها بيقين وحضور قلب وانشراح صدر.
فلا بدَّ بعد الإيمان من تعلم فضائل الأعمال قبل تعلم المسائل والأحكام فنعرف أولاً:
ما قيمة لا إله إلا الله؟.
ما قيمة ذكر الله؟.
ما قيمة الدنيا؟.
ما قيمة الآخرة؟.
ما قيمة الصلاة؟.
ما أجر الجهاد؟.
ما قيمة الاستغفار؟ ما قيمة الصوم والحج وحسن الخلق؟.
وهكذا، فكل عبادة لها فضائل ومسائل، فنتعلم الفضائل، ثم نتعلم المسائل، ثم نقوم بالعمل على بصيرة بالمحبة والرغبة والتعظيم للمعبود.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بالأعمال الصالحة، وجعل على نفسه الجزاء بمنه وفضله، فله الحمد على ما هدى، وله الحمد على ما شرع، وله الحمد على ما أثاب وأعطى.
وكل شيء له ثلاثة أحوال وهي:
لفظ.
وصورة.
وحقيقة.
فالتقوى مثلاً شرط لحصول الرزق والبركات، ودخول الجنة، واليسر كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ٢، ٣].
فلو تكلم المسلم عن التقوى بلسانه، أو كتب عنها بيده، أو فكر فيها بدماغه، وليس في قلبه حقيقة التقوى، لم تحصل له الموعودات السابقة على التقوى؛ لأنه جاء بلفظ التقوى، ولكن ليست عنده حقيقة التقوى.
وإذا كان المسلم لباسه فيه التقوى، وكلامه فيه التقوى، وصورته فيها التقوى، ولكن ليس في قلبه حقيقة التقوى، فليس له الموعود على التقوى، فهذه صورة التقوى.
وحقيقة التقوى:
تكون في القلب بالإيمان بالله وطاعته وعبادته وخشيته.
ثم تظهر على الجوارح بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي.
وهذه هي التي تتحقق بها موعودات الله على التقوى.
فما أحسن الفقه في الدين، ومعرفة أحكامه وسننه، وليس فوق هذا شيء من الخير كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» متفق عليه (٣).
فعلى المسلم أن يحرص على حضور مجالس الذكر التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها رياض الجنة، ليتأثر من كلام الله ورسوله، ويعرف أحكام دينه، ويزيد يقينه على ربه، وعلى موعوداته في الجنة، ويعرف قيمة الأعمال الصالحة، ويسمع كلام الله بالتوجه والإنصات لتحصل له الهداية، ثم يعمل بما علم، ويبلغه للناس: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)} [الزمر: ١٨].
فلله كم يحصل لهؤلاء من الأجر والثواب؟ وكم تنزل عليهم من الرحمات؟ وكمن يذكرهم الله فيمن عنده؟.
قال الله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)} [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى باب أحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» أخرجه مسلم (٤).
والله عزَّ وجلَّ فاوت بين النوع الإنساني أعظم تفاوت يكون بين المخلوقين، فاوت بينهم في الخَلْق والخُلُق، وفاوت بينهم في العلم، وهذا التفاوت العظيم إنما حصل بالعلم وثمرته، ولو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين، والالتحاق بعالم الملائكة، وصحبة الملأ الأعلى لكفى به شرفاً وفضلاً، فكيف وعز الدنيا والآخرة منوط به.
وسنة الله أن جعل لكل مخلوق كمالاً يختص به هو غاية شرفه، فإذا عدم كماله انتقل إلى الرتبة التي دونه واستعمل فيها.
وهكذا الآدمي:
إذا كان صالحاً لاصطفاء الله له برسالته ونبوته اتخذه رسولاً ونبياً، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، فإذا كان جوهره قاصراً عن هذه الدرجة، صالحاً للنبوة رشحه لذلك، وبلّغه إياها، فإن كان قاصراً عن ذلك قابلاً لدرجة الولاية رُشّح لها.
وإن كان ممن يصلح للعمل والعبادة دون العلم والمعرفة جعل من أهله، حتى ينتهي إلى درجة عموم المؤمنين.
فإن نقص عن هذه الدرجة، ولم تكن نفسه قابلة لشيء من الخير أصلاً استعمل حطباً ووقوداً للنار.
فالإنسان يترقى في درجات الكمال درجة بعد درجة، حتى يبلغ نهاية ما يناله أمثاله، فكم بين حاله في أول كونه نطفة، وبين حاله والرب يسلم عليه في داره، وينظر إلى وجه ربه الكريم.
فكيف يحسن بذي همة أن يرضى أن يكون حيواناً وقد أمكنه أن يصير إنساناً، وبأن يكون إنساناً وقد أمكنه أن يصير ملكاً في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
فتقوم الملائكة بخدمته، وتدخل عليه من كل باب قائلين: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)} [الرعد: ٢٤].
وقلب الإنسان يعترضه مرضان يتواردان عليه، وإذا استحكما فيه كان هلاكه وموته وهما:
مرض الشهوات.
ومرض الشبهات.
وهذا أصل داء الخلق إلا من عافاه الله، ومرض الشبهات أصعبهما وأقتلهما للقلب.
وللقلب أمراض أخر من الكبر والعجب، والرياء والحسد، والفخر والخيلاء، وحب الرياسة، وحب العلو في الأرض، وكل هذه الأمراض متولدة من مرضي الشهوة والشبهة.
فلا يخرج مرض القلب عن شهوة أو شبهة أو مركب منهما.
وهذه الأمراض كلها متولدة عن الجهل بالله وبدينه وشرعه، ودواؤها بالعلم الإلهي.
فالعلم للقلب مثل الماء للسمك إذا فقده مات، فنسبة العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها، فإذا عدمه كان كالعين العمياء.
والله جلَّ جلاله بحكمته سلط على العبد عدواً عالماً بطرق هلاكه، لا يفتر عنه يقظةً ولا مناماً حتى يظفر به.
فيحول أولاً بينه وبين الإسلام، فإن فاته وأسلم زين له البدعة، فإن عجز عنه ألقاه في الكبائر، فإن أعجزه ألقاه في الصغائر، فإن أعجزه أشغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، فإن أعجزه أشغله بالمباحات والشهوات، فإن أعجزه ذلك سلط عليه حزبه يؤذونه ويشتمونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه ويشغل قلبه عن العلم والإرادة وسائر العمل، فهذه سبع سكاكين يذبح بها الشيطان كل واحد من بني آدم.
ولا يمكن أن يحترز من الشيطان من لا علم له بهذه الأمور، ولا علم له بعدوه،
ولا ما يحصنه منه، ولا بكيفية محاربته، ولا بأي شيء يحاربه، وهذا كله لا يحصل إلا بالعلم.
والخير كله بمجموعه ثمر يجتنى من شجرة العلم، والشر كله بمجموعه شوك يجتنى من شجرة الجهل.
وكل شر في العالم سببه مخالفة ما جاءت به الرسل.
وكل خير في العالم فسببه طاعة الرسل.
وآفة العلم عدم مطابقته لمراد الله الديني الذي يحبه ويرضاه، وذلك يكون من فساد العلم تارة.
ومن فساد الإرادة تارة.
ففساده من جهة العلم أن يعتقد أن هذا مشروع محبوب لله، وهو ليس كذلك، أو يعتقد أنه يقربه إلى الله وإن لم يكن مشروعاً، فيظن أنه يتقرب إلى الله بهذا العمل.
وأما فساده من جهة القصد، فأن لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة، بل يقصد به الدنيا والخلق.
ولا سبيل للسلامة من هاتين الآفتين في العلم والعمل إلا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة، وإرادة وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والإرادة.
فمتى خلا القلب من هذه المعرفة وهذه الإرادة فسد علمه وعمله.
وكل من آثر الدنيا واستحبها من أهل العلم فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه وفي خبره وإلزامه.
لأن أحكام الرب سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة، والذين يتبعون الشهوات، فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه.
فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة، متبعين للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيَّما إذا قامت له شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحق.
وإن كان الحق ظاهراً لا شبهة فيه أقدم على مخالفته وقال: لي مخرج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم يقول سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)} [الأعراف: ١٦٩].
وهؤلاء لا بدَّ أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران، فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى السنة بدعة، والبدعة سنة.
فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا على الدين، واتبعوا الرياسات والشهوات، يضل أحدهم بعد العلم، ويغوى بعد الرشد، ويتبع الشيطان، ويرغب عن هدى ربه ويتبع هواه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)} [القصص: ٥٠].
فهذا حال العالم المؤثر الدنيا على الآخرة.
وأما العابد الجاهل، فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه، وغلبة ما تهواه نفسه على ما شرعه ربه.
وعلماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون الناس إليها بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم.
فنفر الناس عنهم وقالوا: لو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة هداة وأدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق، فهم كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب، وتبقى فيه النخالة من الشوك والحجر.
وكذلك علماء السوء يخرج منهم الحكم، ويبقى الغل في صدورهم، والإضلال في أعمالهم.
وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب يورث خشية الله وتقواه، ومحبته ولذة مناجاته.
أما من حصّل العلم وهو رديء الأخلاق، فما أبعده عن العلم الحقيقي النافع الجالب للسعادة في الدنيا والآخرة.
فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر أن في الطاعات والحسنات أرباحاً عظيمة، وأن في المعاصي سموماً قاتلة مهلكة.
وهل رأيت من يتناول سماً مع علمه بكونه سماً قاتلاً؟.
إنما الذي نسمعه من المترسمين معلومات جمعوها في أذهانهم، لم تنزل في قلوبهم، ولم تظهر على جوارحهم، وإن نطقت بها أفواههم.
فهي حديث يلفقونه بألسنتهم، يقولونه هنا مرة، وهناك مرة وليس ذلك من العلم في شي: {يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)} [النساء: ١٤٢، ١٤٣].
فالفقه في الدين أصله وأساسه العلم بالله وأسمائه وصفاته، والعلم بدينه وشرعه، ومصدر ذلك القرآن الكريم، والسنة النبوية، ففيهما الهدى والشفاء والعلم والنور، والسعادة والفلاح: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)} [التغابن: ٨].
{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)} [الأنعام: ١٠٤].
والعلوم الشرعية قسمان:
١ - ما أخبر به الشارع، وهو ما علَّمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته بما بُعث به من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر ونحو ذلك.
٢ - ما أمر به الشارع من الأحكام الشرعية من واجب، ومستحب، وما نهى عنه من محرم، ومكروه.
والأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام:
١ - ما يُعرف حدّه ومسماه بالشرع، فهذا قد بيّنه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان والإسلام، والكفر والنفاق.
٢ - ما يُعرف حدّه باللغة كالشمس والقمر، والسماء والأرض، والبر والبحر.
٣ - ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم كالبيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد.
فما كان من النوع الأول فقد بيّنه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما كان من النوع الثاني والثالث فالصحابة والتابعون المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا المراد به لمعرفتهم بمسماه لغة أو عرفاً.
والاسم إذا بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حدَّ مسماه، عُرِّف بتعريفه هو - صلى الله عليه وسلم - كيف ما كان الأمر كاسم الخمر والماء والحيض والنفاس والسفر ونحوها، فكل مسكر خمر، وكل ما وقع عليه اسم الماء فهو طاهر مطهر، والحيض كل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض، والسفر ليس له مسافة محدودة، فكل ما يسمى لغة وعرفاً سفراً تجري فيه أحكام السفر من قصر وفطر ومسح ونحوها.
(١) أخرجه مسلم برقم (٦٦٨).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٣) واللفظ له، ومسلم برقم (٧٦٠).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٧١)، ومسلم برقم (١٠٣٧).
(٤) أخرجه مسلم برقم (٦٦٨).
مختارات

