الخزانة الرابعة..
• فقه تعظيم الله ﷻ:
الله ﷻ هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
التعظيم لله: هو معرفة عظمة الرب، وتعظيمه وإجلاله مع التذلل له، وعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تَعَالىَ في القلب، وأعرف الناس به أشدهم تعظيماً له، وإجلالاً، ومحبة، وطاعة، وعبادة: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك، عظمتموه وكبرتموه، وحمدتموه وشكرتموه،وعبدتموه وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
• درجات التعظيم:
التعظيم على ثلاث درجات:
الأولى: تعظيم الأمر والنهي.
وذلك بأن لا يعارضا بترخص يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، ولا بغلو يجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي، ولا يحملا على علة توهن الانقياد، كما تأول بعضهم تحريم الخمر، بأنه معلل بإيقاع العداوة، والبغضاء، فإذا أُمن من هذا المحظور جاز شربه، ونحو ذلك.
وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي، وهذه العلل الفاسدة كم عطلت لله من أمر، وأباحت من محرم، وحرمت من مباح؟.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
وأما الترخص والغلو، فالأول تفريط، والثاني إفراط، ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].
والغلو نوعان:
الأول: نوع يخرج العبد عن كونه مطيعاً، كمن زاد في الصلاة ركعة عمداً، أو سعى بين الصفا والمروة عشراً عمداً، ونحو ذلك.
الثاني: نوع يخاف منه الانقطاع، كقيام الليل كله، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، وسرد صيام الدهر أجمع.
وهذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، ويسروا، وأبشروا، وأملوا ما يسركم من ربكم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الدرجة الثانية: تعظيم الحكم الكوني القدري.
فالأولى تتضمن تعظيم الحكم الديني الشرعي، وهذه تتضمن تعظيم الحكم الكوني القدري.
فكما يجب على العبد، أن يراعي حكم الله الديني بالتعظيم، فيمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، كما قال سبحانه:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فكذلك يراعى حكم الله الكوني في التعظيم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
وتعظيم الأمر الكوني بأن لا يرى فيه عوجاً، ولا يطلب له عوجاً، بل يراه كله مستقيماً؛ لأنه صادرًا عن عين الحكمة، فلا عوج فيه.
فكل ما يجري في الكون من الحركات والسكنات، والطاعات والمعاصي، والخير والشر، كله بقضاء الله وقدره: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
لكن القضاء غير المقضي، فالقضاء فعله ومشيئته، والمقضي فعله المباين له المنفصل عنه، وهو المشتمل على الخير والشر، والعوج والاستقامة.
فقضاؤه سبحانه كله حق، ورحمة، وعدل، وإحسان، والمقضي منه حق، ومنه باطل، وقضاؤه كله عدل، والمقضي منه عدل، ومنه جور.
وقضاؤه كله مرضي، والمقضي منه مرضي، ومنه مسخوط.
وقضاء الله وقدره، وحكمه الكوني لا يناقض دينه، وشرعه، وحكمه الديني بحيث تقع المدافعة بينهما؛ لأن هذه مشيئته الكونية، وهذه إرادته الدينية، ومن تعظيمهما الانقياد لهما، فهما وصفان للرب سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فأمره الشرعي، وقدره الكوني، سواء، أمره لا يبطل قدره، وقدره لا يبطل أمره، ولكن يدفع ما قضاه، وقدره، بما أمر به وأحبه وشرعه، وهو أيضاً من قضائه.
فما دُفع قضاءه إلا بقضائه وأمره، وما نفذ المطيع أمر الله إلا بقدر الله، ولا دفع مقدور الله إلا بقدر الله، وأمره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
ومن تعظيمه أن لا يرضى العبد بعوض يطلبه بعمله، فإنه يشاهد جريان حكم الله عليه، وعدم تصرفه في نفسه، وأن المتصرف فيه حقاً، هو مالكه الحق سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
فهو سبحانه الذي يقيمه ويقعده، ويقلبه ذات اليمين وذات الشمال، وإنما يطلب العوض من غاب عن الحَكم، وذلك مناف لتعظيمه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
الدرجة الثالثة: تعظيم الرب سبحانه.
الحق الذي له الخلق والأمر، والتي قبلها تتضمن تعظيم قضائه لا مقضيه، والأولى تتضمن تعظيم أمره.
وتعظيم الحق سبحانه أن لا تجعل دونه سبباً، فهو الذي يوصل عبده إليه، فلا يوصل إلى الله إلا الله، ولا يقرب إليه سواه، ولا يدني إليه غيره، ولا يتوصل إلى رضاه إلا به، ولا هاد إليه سواه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وكذلك لا ترى لأحد من الخلق حقاً على الله، بل الحق لله على خلقه، فهو الذي خلقهم، ورزقهم، وهداهم، وأبقاهم:﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأما حقوق العباد على الله تَعَالىَ من إثابته لمطيعهم، وتوبته على تائبهم، وإجابته لسائلهم، فتلك حقوق أحقها الله سبحانه على نفسه، بحكم وعده وإحسانه، لا أنها حقوق أحقوها هم عليه.
فالحق في الحقيقة لله على عبده، وحق العبد عليه هو ما اقتضاه جوده وبره، وإحسانه إليه بمحض جوده، وكرمه، وإحسانه.
ومن تعظيمه ﷿ أن لا ينازع العبد له اختياراً، فإذا اختار لك أو لغيرك شيئاً، إما بأمره ودينه، وإما بقضائه وقدره، فلا تنازع اختياره، بل ارض باختيار ما اختار لك، فإن ذلك من تعظيمه ﷻ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
ولا ترد عليه قدره من المعاصي، فإنه سبحانه وإن قدرها، لكنه لم يخترها له، فمنازعتها غير اختياره من عبده، وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه، ومن تعظيمه ﷿ تعظيم حرماته: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
وحرمات الله هي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأمكنة والأوامر والنواهي.
وتعظيم أمره ونهيه، وتعظيم حرماته، وتعظيم قضائه وقدره، هو الواجب على كل مسلم، فيعظم ربه تعظيماً لذاته، وخوفاً من عقابه، وطلباً لثوابه.
فهو سبحانه أهل أن يُعبد، وأن يُّحَب، وأن يعظم، وهو الذي يستحق العبادة، والتعظيم، والإجلال لذاته، فمنه كل شيء، وبيده كل شيء، وهو القادر على كل شيء: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
ومن تعظيم الله ﷻ صيانة الانبساط بين يدي الله أن تشوبه جرأة، فيخرج عن أدب العبودية، فلا بدَّ من مقارنة التعظيم، والإجلال؛ لبسط المشاهدة، وصيانة السرور بين يدي الله أن يداخله أمن، فينبغي للعبد أن لا يامن في هذه الحال المكر، ولا ينسب ما حصل له من الاجتهاد التام، والعبادة الخالصة، إلى نفسه، بل ذلك محض فضل الله علينا، وعلى الناس: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
ومن أعظم الظلم والجهل والسفه أن يطلب العبد التعظيم والتوقير من الناس، وقلبه خاليًا من تعظيم الله وتوقير.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فما أجهل الإنسان حين يوقر المخلوق ويجله أن يراه في حال لا يوقر الله أن يراه عليها، فلو عرف الناس ربهم، وعظموه، وعرفوا حق عظمته، وحَّدوه، وأطاعوه، وشكروه:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فطاعة الله سبحانه، واجتناب معاصيه، والحياء منه، بحسب وقاره في القلب، المبني على معرفته، ومعرفة أسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة عظمته وقدرته، ولطفه ورحمته.
قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ومن وقاره سبحانه أن لا تعدل به شيئاً من خلقه، لا في اللفظ كقولك: ما شاء الله، وشاء فلان، ولا في الحب، والتعظيم والإجلال، ولا في الطاعة، فتطيع المخلوق في أمره، ونهيه، كما تطيع الله، بل أعظم؛ كما عليه أكثر الظلمة، والفجرة، ولا في الخوف والرجاء، فلا يجعله أهون الناظرين إليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
ولا يستهين بحق الله ﷿، ويقول هو مبني على المسامحة، ولا يجعله على الفضلة، ويقدم حق المخلوق عليه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
ولا يعطي المخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطي الله في عبادته بدنه ولسانه، دون قلبه، وروحه.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
ولا يجعل مراد نفسه مقدماً على مراد ربه، فهذا كله من عدم وقار الله في القلب، ومن لا يوقر الله العظيم، كيف يوقر كلامه ورسله ودينه وأوامره؟؟
قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
ومن كان كذلك، فإن الله لا يلقي له في قلوب الناس وقاراً ولا هيبة، بل يسقط وقاره وهيبته من قلوبهم، وإن وقروه مخافة شره، فذلك وقار بغض، لا وقار حب وتعظيم.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
ومن وقار الله وإجلاله وتعظيمه، أن يستحي العبد منه في الخلوة، أعظم مما يستحي من أكابر الناس.
ومن وقار الله أن يستحي العبد من اطلاعه على سره وقلبه، فيرى فيه ما يكره.
ومن وقار الله توقير كلامه، وتوقير رسله ودينه، وعدم هجر كتابه، ومن لا يوقر الله وكلامه، وما آتاه من العلم والحكمة، كيف يطلب من الناس توقيره، وإكرامه؟.
***
مختارات

