الخزانة الثانية..
• فقه الشوق:
الشوق أثر من آثار معرفة الله ومحبته، وهو سفر القلب إلى المحبوب في كل حال كما قال النبي ﷺ: «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ».
أخرجه النسائي بسندٍ صحيح.
والمحبة أعلى من الشوق؛ لأن الشوق عنها يتولد، وعلى قدرها يقوى ويضعف.
وعلامة الشوق:
السير إلى الله بالعبادة، والاستقامة، وفطام الجوارح عن الشهوات التي تعوق سيره: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والشوق:
هو احتراق الأحشاء، ومنها يتهيج ويتولد، ويلهب القلوب، ويقطع الأكباد، بسبب الفرقة والبعد.
والشوق: يراد به حركة القلب، واهتياجه للقاء المحبوب، فهذا يزول باللقاء.
ولكن يعقبه شوق آخر أعظم منه تثيره حلاوة الوصل، ومشاهدة جمال المحبوب، وجلاله، وعظمته.
فهذا يزيد باللقاء والقرب ولا يزول، كما نرى المحب يبكي عند لقاء محبوبه من شدة شوقه إليه، ووجده به: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• درجات الشوق:
الشوق على ثلاث درجات:
الأولى: شوق المؤمن إلى الجنة.
ويتولد ذلك من معرفة ما في الجنة من ألوان النعيم، وسعة القصور، وأشكال الطعام والشراب، وحُسن الأزواج، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الثانية: الشوق إلى الله ﵎.
والشوق إلى الله لا ينافي الشوق إلى الجنة، فإن أطيب ما في الجنة قربه تَعَالَى، ورؤيته، ورضاه، وسماع كلامه.
فالشوق فقط إلى مجرد الأكل والشرب والحور العين ناقص جداً بالنسبة إلى شوق المحبين إلى الله تعالى، بل لا نسبة له إليه البتة، كما قال النبي ﷺ: «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ».
أخرجه النسائي بسندٍ صحيح.
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
والشوق إلى الله على درجتين:
أحدهما: شوق زرعه الحب الذي ينبت على حافات المنن، سببه مطالعة منه الله، وإحسانه، وإنعامه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثاني: شوق زرعه الحب الذي نشأ واستقر من معرفة ومحبة أسماء الله، وصفاته المختصة بالمن والإحسان، كالبر، والمنان، والمحسن، والمعطي، والغفور، والرحيم، والوهاب، والكريم، ونحو ذلك، وهذه أكمل وأقوى.
الدرجة الثالثة: شوق أضرمه صفو المحبة.
لا لأجل المنن والنعم فقط، بل لأجل ذات الله، وصفاته، وجماله، وجلاله، وكماله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فمنعت نار الشوق هذه السكون إلى لذيذ العيش ونغصته،وسلبت السلوى بغيره سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ولكمالها وقوتها لم يكفها ويردها قرار دون لقاء المحبوب، وهذه لا يقاومها الاصطبار؛ لأنه لا يكفها دون لقاء من يحب القرار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وحقيقة الشوق:
سفر القلب في طلب محبوبه، بحيث لا يقر قراره حتى يظفر به، ويحصل له، فكأنه لهيب ينشأ بين أثناء الحشا سببه الفرقة، فإذا وقع اللقاء أطفأ ذلك.
والفرق بين الشوق والمحبة، أن الحامل على الشوق هو المحبة، فالمحبة بذر في القلب، والشوق بعض ثمرات ذلك البذر.
وكذلك من ثمرات المحبة حمد المحبوب، والرضي عنه، وشكره، وخوفه ورجاؤه والتنعم بذكره، والسكون إليه، والأنس به، والوحشة من غيره.
وكما أن القلب إذا أبغض شيئاً وكرهه جدًا، جدَّ في الهرب منه، وإذا أحبَّ شيئاً، جدَّ في المسارعة إليه وطلبه:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ويوصف الله ﷿ بالمحبة، ولا يوصف بالشوق؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم، ولا في السنة، وكل من عرف ربه أحبه، ومن أحبه اشتاق إليه، وإلى لقائه.
ولا محبوب في الحقيقة إلا الله ﷾، ولا مستحق للمحبة التامة سواه.
فالإنسان يحب نفسه، وبقاءه، وكماله، ويكره ضد ذلك، وهذه جبلة كل حي، وهذا يقتضي غاية المحبة لله ﷿، فإن الإنسان إذا عرف ربه عرف قطعاً أن وجوده ودوامه وكماله من الله، فهو عدم محض لولا فضل الله عليه بإيجاده، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
فمن عرف ربه أحبه، وكيف يحب الإنسان نفسه، ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه؟.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
***
مختارات

