الخزانة الثانية..
• فقه حسن الخلق:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين والأجر والدرجة.
والخلق: هو بذل المعروف، وكف الأذى، واحتمال الأذى:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].
وإنما يدرك العبد ذلك بثلاثة أشياء:
بالعلم.
والجود.
والصبر.
فالعلم: يرشد الإنسان إلى مواقع بذل المعروف، والفرق بينه وبين المنكر، ووضع الشيء في موضعه، فلا يضع الغضب موضع الحلم، ولا العكس، ولا يضع الإمساك موضع البذل، ولا العكس: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩].
بل يعرف مواقع الخير، والشر، ومراتبها، وموضع كل خلق أين يضعه؟، وأين يحسن استعماله؟.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
أما الجود فيبعث الإنسان على المسامحة بحقوق نفسه، ودفع المزيد عند أداء حقوق غيره، فالجود قائد جيوش الخير كلها.
وكان النبي ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
متفق عليه (١)
والصبر يحفظ عليه استدامة ذلك، ويحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها،وهو أكبر العون على كل مطلوب: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
فبهذه الثلاثة تحصل تزكية النفوس، وتهذيبها؛ لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه، فإن المرء مع من أحب.
وحسن الخلق بذل الجميل، وكف القبيح، والتخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
• أركان حسن الخلق:
حسن الخلق يقوم على أربعة أركان:
الصبر.
والعفة.
والشجاعة.
والعدل.
فالصبر يحمل الإنسان على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وعدم الطيش، والعجلة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح، من الأقوال والأفعال، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء والمنكر من البخل والكذب، والغيبة والنميمة:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والشجاعة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق، والشيم، وعلى البذل، والندى، وتحمله على كظم الغيظ، والحلم.
فبالشجاعة يمسك عنان نفسه، ويمسك بلجامها عن النزغ، والبطش: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والعدل يحمله على اعتدال أخلاقه، فلا إفراط، ولا تفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء، الذي هو وسط بين الإمساك والإسراف والتبذير.
ويحمله على خُلق الحياء، الذي هو وسط بين الذل، والقحة.
ويحمله على خلق الشجاعة، الذي هو وسط بين الجبن، والتهور.
ويحمله على خلق الحلم، الذي هو وسط بين الغضب،والمهانة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة.
• أركان سوء الخلق:
أما الأخلاق السافلة فمنشؤها، وبناؤها، يقوم على أربعة أركان:
o الجهل
o والظلم
o والشهوة
o والغضب.
فالجهل: يُري الإنسان الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والنقص كمالاً، والكمال نقصاً، والحق باطلاً، والباطل حقاً، نعوذ بالله من الجهل وأهله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع الإمساك، ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، وهكذا: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
والجاهل يلين في موضع الشدة، ويقسو في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع.
والشهوة: تحمله على الحرص والطمع، والبخل والشح، والنهمة والجشع، والذل وعدم العفة، والدناءات كلها:﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والغضب: يحمله على الكبر والحقد، والحسد والعدوان،والسفه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
• أقسام الأخلاق:
الأخلاق نوعان:
أخلاقٌ حسنة ممدوحة
أخلاقٌ سيئة مذمومة.
فالخلق الحسن:
هو الأدب والفضيلة، وينتج عنه أقوال وأفعال جميلة عقلاً وشرعاً، كالصدق والصبر، والحلم والإحسان، والعفو والإيثار، والرحمة واللين، ونحوها: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والخلق السيئ:
هو سوء الأدب والرذيلة، وينتج عنه أقوال وأفعال قبيحة عقلاً وشرعاً، كالكذب والعجلة والجهل، والبخل والرياء، والحسد والظلم والحرص، ونحوها.
والله يأمر بكل حسن من الأقوال والأعمال والأخلاق،وينهي عن كل سيئ من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
• فقه الأخلاق:
علم الأخلاق في الإسلام يدور حول تنظيم سلوك الإنسان، وتنبيهه إلى الخير، ليسعي إليه، وإلى الشر، ليجتنبه ويتركه.
فهو علم يبحث في الأحكام التي تعرف بالفضائل، ليتحلى بها الإنسان، والرذائل ليجتنبها، بهدف تزكية النفس على أساس من الوحي الإلهي: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وكل خُلق محمود مكتنف بخُلقين ذميمين، وهو وسط بينهما، وطرفاه خُلقان ذميمان، كالجود الذي هو وسط بين خلق البخل والتبذير، والتواضع الذي هو وسط بين خلق الذل، والمهانة، والكبر والعلو.
والنفس إذا انحرفت عن التوسط انحرفت ولا بدَّ إلى أحد الخُلقين الذميمين، فإن انحرفت عن خلق التواضع انحرفت إما إلى كبر وعلو، وإما إلى ذل ومهانة وحقارة.
وإذا انحرفت عن خلق الحياء، انحرفت إلى قحة وجرأة، وإما إلى عجز وخور ومهانة.
وإذا انحرفت النفس عن خلق الأناة، والرفق، انحرفت إما إلى عجلة وطيش وعنف، وإما إلى تفريط وإضاعة.
وإذا انحرفت النفس عن خلق الصبر، انحرفت إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط،، وإما إلى غلظة كبد، وقسوة قلب، وتحجر طبع.
وإذا انحرفت النفس عن خلق الحلم، انحرفت إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة، وإما إلى الذلة والمهانة والعجز والحقارة.
وإذا انحرفت النفس عن خلق العزة، التي وهبها الله للمؤمنين، انحرفت إما إلى كبر، وإما إلى ذل، والعزة المحمودة بينهما.
وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة، انحرفت إما إلى تهور وإقدام غير محمود، وإما إلى جبن وتأخر مذموم.
وإذا انحرفت عن خلق القناعة، انحرفت إما إلى حرص وطمع، وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة.
وإذا انحرفت عن خلق الرحمة، انحرفت إما إلى قسوة وغلظة، وإما إلى ضعف القلب وجبن النفس، كمن لا يقدم على ذبح شاة، ولا إقامة حد، أو تأديب ولد.
وصاحب الخلق الوسط مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقاؤه، غزيرة منافعه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ولا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان:
o العفة عما في أيدي الناس
o والتجاوز عما يكون منهم.
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ومعاشرة النبي ﷺ قامت على أصلين:
البساطة.
والحياء.
ومعاشرة الكفار قامت على:
الإسراف.
والفحشاء.
والتبذير.
والخلق ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة ويسر،من غير تقدم فكر أو رويَّة أو تكلف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
***
مختارات

