الخزانة الثالثة..
• فقه الأخلاق:
الأخلاق في الإسلام ربانية المصدر، وكلها مستمدة من الشرع، وهي ربانية الهدف فكلها يبتغي بها المسلم وجه الله ورضاه، وهي عبادة من أعظم العبادات: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
منها ما هو مأمورًا به كالصدق والإحسان، ومنها ما هو منهي عنه كالكذب والبخل، والمأمور به درجات، والمنهي عنه درجات، ففعل المأمور به عبادة، وترك المنهي عنه عبادة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
ومهما تخلق الإنسان بالأخلاق الحسنة، فإنها ستبقى صورة بلا روح، طالما لم يُرِد بها صاحبها وجه الله ورضاه، فليس الغرض من الأخلاق وجود صورتها الخارجية، وإنما هذه آثارها، فمصدرها قلبي، وأصلها صلاح الباطن، تملك على المسلم قلبه، ويدفعه إليها إيمانه، ويزيده الالتزام بها إيمانًا؛ لأنها عبادة.
فالعدل عبادة مأمور بها، والإحسان عبادة، وترك الفحشاء والمنكر عبادة، وترك المنكرات كلها عبادة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والعدل مع العدو أقرب إلى التقوى؛ لأنها مسألة عبادية،كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
فقد يكون هذا العدل سببًا لهداية الكافر، ومهما حسنت أخلاق الكافر، فهي هباء منثور؛ لأنها لم تكن خالصة لوجه الله ﷿، وإذا لم تكن خالصة لله، فإنها ستظهر نفاقاً، أو لمصلحة ثم تزول، ويظهر ما وراءها من سوء الخلق، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
والإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق، والسمو إلى أعلى الدرجات، ولكنه يراعي نفسية البشر، وحاجاتهم وقدراتهم،كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
ولا يعتبر الخائف، أو المكره ناقضاً للصدق إن كذب؛ لينجو حين لا ينجيه من البطش إلا الكذب، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
كما لا يعد الجائع المضطر خائناً للأمانة إن سرق ليأكل، ولا يعد طيشاً وخروجاً عن خلق الحلم، إن غضب، وثار من استُفِز، واستُغْضِب: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩].
والأخلاق الإسلامية، أصيلة في نفس صاحبها، لا تفارقه في جميع أحواله، فليست قميصاً يلبسه إذا شاء، وينزعه إذا شاء، بل هي لازمة له لزوم النور للشمس؛ لأنها تعبدية، يدور صاحبها مع الحق حيث دار، ويثبت عليها في كل حال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
فلا يتغير خُلق المسلم مع الضعفاء والأقوياء، ولا مع الفقراء والأغنياء، ولا يتغير خلقه في حال رضاه وغضبه، ولا في حال فقره وغناه، ولا في حال خلوته وجلوته، ولا في حال سفره وإقامته، ولا فيما له ولا فيما عليه.
ولا تختلف أخلاقه حين يكون أميراً أو مأموراً، أو مكرماً أو مظلوماً.
فالمسلم ثابت على أخلاقه التي أمره الله بها؛ لأنها عبادة يتقرب بها إلى ربه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
أما أخلاق الكفار، فهي متقلبة تدور مع المصالح والأهواء،وتدير صاحبها على حسب تقلبها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
والأخلاق التي جاء بها الإسلام شاملة كاملة، تغطي جميع جوانب حياة الإنسان، وتشمل كافة أحواله، وسائر علاقاته، فالنبي ﷺ بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، كما قال ﷺ: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ مَكارِمَ الأَخْلَاقِ».
، وفي رواية «صَالِحَ الأَخْلَاقِ».
أخرجه أحمد والبخاري في الأدب.
فالمؤمن حسن العلاقة مع ربه، ومع الناس، وفي بيته، وفي عمله، وفي بيعه وشرائه، حسن الأخلاق في أكله وشربه، وفي يقظته ونومه، وفي صحته وسقمه، وفي ظاهره وباطنه، وفي قلبه، وجوارحه.
وكل الأخلاق الإسلامية مطلوبة، العدل، والإحسان، والرحمة، والشدة، فلا يغلب بعضها على بعض، ولكل خُلق حالة ومكان.
فإن غلبت على الإنسان صفات القوة والشجاعة والعزة، فسيجأر الناس إلى الله من عدوانه وجبروته وتكبره، وإن غلبت عليه صفات العفو والسماحة والسكينة، ربما رأى فيه الناس الذلة والمسكنة.
وإن غلبت عليه صفات الجرأة والصراحة والنصيحة، ربما شَكَوا من سوء أدبه، وقلة احترامه.
فالأخلاق الإسلامية مع كمالها متوازنة، تدعو إلى العزة والتواضع، كما تدعو إلى الانتصار والعفو.
• أنواع الأخلاق:
الأخلاق نوعان:
منها ما هو طبيعة وجبلة يتفضل الله بها على بعض خلقه، فيجبلهم عليها من غير كسب منهم، ولا جهد، كما قال النبي ﷺ لأشج بن عبد القيس: «إنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ».
أخرجه مسلم (١).
فمثل هذا فضل من الله ومنة على من أوليها.
ومن لم يؤتها مكلف بمجاهدة نفسه حتى يحصل عليها، وتصبح له خُلقاً مكتسباً بعد الترويض والمجاهدة، وتنقلب مع الزمن إلى طبع ثابت، وخُلق أصيل، فهذا هو النوع الثاني، وهو المكتسب الذي يحصل بالتخلق والتكلف حتى يصير ملكة وسجية، ولذلك قال النبي ﷺ: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا للهِ وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».
متفق عليه (٢).
فبالتسامح يصبح سمحاً، وبالتورع يصبح ورعاً للهِ وهكذا في باقي الأخلاق.
اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
والأخلاق الإسلامية تؤخذ بالتأسي والاقتداء بأهل الأخلاق الفاضلة، وهكذا تتوارث الأجيال الأخلاق العالية بالنظر إلى أخلاق القرون الأولى الصالحين، ويتوارث الأفراد مكارم الأخلاق بالاقتداء والتأسي بأحاسنهم أخلاقاً.
ولذلك فإن الله لم ينزل كتبه إلا وأرسل معها العامل بها، القائم عليها من رسله، الممتثل لأوامرها، والمتخلق بأخلاقها؛ ليقتدي به الناس، ويتأسون به، خاصة أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً، سيدنا محمد ﷺ، الذي كان خلقه القرآن، وأثنى عليه ربه بكمال خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فنعم الراكب، ونعم المركوب، وشرع لنا الاقتداء به، والتأسي به في جميع الأحوال، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والأخلاق الإسلامية لا تطلب من الناس بكمها الكبير وكُليتها الشاملة من أول يوم يلج فيه الإنسان باب الهداية، بل لابدَّ من التدرج بتقديم الأهم، والأوجب في الأوامر،واجتناب الأفحش والأخطر في باب المناهي: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
فيطالب ابتداء بالصدقة بما تجود به نفسه، ولا يطالب بالتنازل عن كل ماله، كما فعل أبو بكر ﵁؛ لقوة إيمانه.
وكذلك لا ننتظر منه أكثر من العفو عمن أساء إليه، أما أن يحسن إلى المسيء، فتلك مرتبة أعلى ومقام أرفع،يمكن أن يرتقي إليها بالتربية تدريجياً: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والقفز إلى معالي الأخلاق، من العزيمة التي يوفق إليها أهل الهمم الكبيرة، ولكن أغلب النفوس يربيها التدريج والتدرج، والأخلاق درجات متفاوتة، وبحار واسعة، والناس فيها متفاوتون، وأحسن الأخلاق ما حسن به صاحبه، وشرف به حامله.
• درجات الأخلاق:
الخُلق على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أن يعرف العبد مقام الناس، ومقاديرهم، وجريان الأحكام القدرية عليهم، وأنهم مقيدون بالقدر، لا خروج لهم عن القدر البتة، وأنهم محبوسون في قدرتهم وطاقتهم، لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها، وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري، لا يتعدونه، فيحسن خُلقه معهم:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].
وبهذه المعرفة يستفيد العبد ثلاثة أشياء:
أمن الخلق منه.
ومحبة الخلق له.
ونجاة الخلق به.
فالعبد العارف بالله، إذا نظر إلى الخلق بعين الحقيقة، لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه، فيعفو عنهم، ويأمنوا من تكليفه إياهم بما لا يقدرون عليه، فإنه في هذه الحال عاذر لهم، فيما يجري عليهم من الأحكام، فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم؛ لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقاتهم، فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس، وعذرهم بما يعذر به المحبوس.
وإذا بدا منهم في حقك تقصير، أو إساءة، أو تفريط، فلا تقابلهم به، ولا تخاصمهم، بل اغفر لهم ذلك واعذرهم، نظراً إلى جريان الأحكام عليهم، وأنهم آلة، وهذا ما يجلب محبتهم له، ويرشدهم إلى القبول منه، وتلقي ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه، بأحسن التلقي: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
الدرجة الثانية: تحسين خلقك مع الحق سبحانه، وتحسينه منك، أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذراً، وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكراً، وألا ترى له من الوفاء بداً: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
فتعلم أيها الإنسان أنك ناقص، وكل ما يأتي من الناقص ناقص، يوجب اعتذار العبد منه لا محالة، فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير، وشر: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
أما الشر فظاهر، وأما الخير فيعتذر من نقصانه أو تأخيره، ولا يراه صالحًا لربه، فهو مع إحسانه معتذر وَجِل، ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]
والحامل للعبد على هذا الاعتذار أمران:
أحدهما: شهود تقصيره في العمل، ونقصانه.
الثاني: صدق محبته لربه.
فإن المُحب الصادق، يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه وهو معتذرًا إليه، مستحي منه، يرى أن قدره فوقه، وأجل منه.
ويعلم أن كل ما يصدر منه سبحانه إلى عبده نافع عظيم، وأنه يوجب عليه الشكر، وأنه عاجزًا عن شكره، ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة، فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله منه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ويعامل الحق سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منه، والشكر على كل ما من ربه، وهذا عقدًا لازم لك أبداً، لا ترى من الوفاء به بداً.
الدرجة الثالثة: الاشتغال بالله ﷿ عن كل ما سواه، فيتقرب إليه بما يحب من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، ويستأنس به، ويستوحش من غيره، ويتلذذ بعبادته ومناجاته، ويقف أمام ربه وقوف العبد العاجز المقصر المحتاج، معظماً لربه، حامداً له، مستعيناً به، مستغفراً له، سائلاً له، معتذراً إليه:﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
• أصول الأخلاق:
أصول الأخلاق بالنسبة للنفس ستة:
١ - الإخلاص لله في السر، والعلانية.
٢ - والعدل في الغضب، والرضا.
٣ - والقصد في الفقر، والغنى.
٤ - وأن يكون صمتي فكراً.
٥ - ونطقي ذكراً.
٦ - ونظري عِبراً.
هذا بالنسبة للنفس: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
إما بالنسبة للغير فأصول الأخلاق أربعة:
أن أعفو عمن ظلمني.
وأعطي من حرمني.
وأصل من قطعني.
وأحسن إلى من أساء إلي.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وأعظم من تمثلت فيه هذه الأخلاق العظيمة، سيد الخلق محمد ﷺ، الذي قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ومكانة المسلم عند الله عظيمة، وحقه كبير، فإن في قلبه لا إله إلا الله التي لو وضعت السموات والأرض ومن فيهن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن، ومن بدن هذا الإنسان وجوارحه تصدر الأقوال والأعمال والأخلاق التي جاء بها رسول الله ﷺ، فكم وزنه عند الله؟ وكم قيمته عند مولاه؟.
فلهذا المسلم حقوق على أخيه المسلم، لا بدَّ من معرفتها أولاً، وأدائها ثانياً، كما قال النبي ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ».
، قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ للهِ قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
متفق عليه.
فيجب على كل مسلم إكرام كل مسلم، ولإكرام المسلم أربع درجات:
الأولى: أداء الحقوق حسب أمر الله ورسوله به، وكيفية أدائها بإعطاء كل ذي حق حقه حسب مكانته، فمنها:
حقوق الوالدين، والأقربين، والجيران، وحقوق الزوج على زوجته، حقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الحكام على الرعية، وحقوق الرعية على الحكام، وحقوق الفقراء على الأغنياء، وحقوق الأغنياء على الفقراء، وحقوق العلماء على المؤمنين، وحقوق المؤمنين على العلماء، وحقوق الكبار على الصغار، وحقوق الصغار على الكبار، وهكذا.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
الثانية: حسن الخلق، فعلى المسلم أن يتخلق بالأخلاق التي تخلق بها النبي ﷺ، سواء كانت أداءً للواجب نحو خالقه بالإيمان به، وتوحيده، وعبادته، وطاعته، أو كانت تتعلق بالمخلوق نفسه، أو تتعلق بغيره؛ لتكون هذه الأخلاق سبباً لمحبة الله له، ومحبة الناس له: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الثالثة: الإيثار، وهو درجة الكمال للأخلاق، وهو أن يفضل الإنسان غيره، ويقدم حاجة أخيه على حاجته، وأن يحسن إلى من لا يحسن إليه، فالله ﷿ مع كونه غنياً قادراً يغفر للعاصين، ويرزق المؤمنين والعاصين والكافرين، على حد سواء؛ لأنه لا رازق غيره، ولا رب سواه، ولا أكرم منه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:/ ٣١ - ٣٢].
فعلى الإنسان أن يقضي حوائج الآخرين تقربًا إلى ربه قبل أن يقضي حوائجه، ويخدم خلق الله قبل أن يخدم نفسه؛ لينال الأجر، ويكسب محبة الله، ومحبة خلق الله، وقد كان الصحابة ﵃ يحبون كل مؤمن: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
الرابعة: الإكرام، ودرجة الإكرام درجة خاصة لا يستحقها غير أهل التقوى من المسلمين.
فالدرجات ثلاث:
الأُوَل لجميع الناس، أما الدرجة الرابعة، فهي تخص المؤمنين فقط.
فالمسلم مهما بلغ من الضعف والتقصير لا يمكن إهماله وتركه، بل نبذل الجهود في إرشاده وتعليمه بالرفق واللين، والترغيب والترهيب.
فهو كالمريض تجب مداواته، والعناية به، حتى يعود إلى صحته، فالله قد اختاره، وزينه بالإيمان، وأكرمه بالإسلام، وأدخله إلى بيته.
وإذا تغيرت أحواله، وساءت أخلاقه، لزم إكرامه ونصحه، فالدين النصيحة، وترغيبه وإرشاده حتى يعود إلى ربه، وبالإكرام والتذكير تتغير القلوب، ثم يتغير عمل الجوارح، كما يحي الله الأرض بالماء بعد موتها، كما قال سبحانه:﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].
وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ ﷺ أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَة».
متفق عليه.
***
مختارات

