الخزانة السابعة..
فقه التربية الربانية:
الله ﷿ رب العالمين، يربي عباده بما يسعدهم في الدنيا والآخرة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وتربية الله ﷿ لعباده هي أحسن تربية، ولابد للناس من تربية النفوس بالبلاء، وامتحانها بالمخاوف، والشدائد، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس، والثمرات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فلابد من هذا الابتلاء الظاهر المكشوف لكل الناس؛ كي يعز الدين على النفوس بمقدار ما أدوا في سبيله من تكاليف وصبر، فكلما تألموا في سبيله كلما بذلوا من أجله، وكلما بذلوا من أجله، كان أعز عليهم من كل شيء، وكذلك لن يدرك الآخرون قيمة الدين وعظمته إلا حين يرون ابتلاء أهله، وصبرهم على البلاء العظيم من أجله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].
وحينئذ سيقولون: لو لم يكن عند هؤلاء من الخير أكبر و أعظم مما ابتُلوا به، ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه:﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
وبسبب صبر المؤمنين على البلاء من أجل الدين، وبذل كل ما يملكون من أجل ظهوره، فحينئذ سيقول الكفار: لو لم يكن عند هؤلاء من الخير ما هو أكبر وأعظم مما ابتُلوا به، ما قبلوا هذا البلاء، وما صبروا عليه، وعندئذ تحصل أعظم الثمرات، وينقلب المعارضون للدين باحثين عنه، مقدرين له، مندفعين إليه، عندما يرون فعل أهله وصبرهم على أوامره.
وعندئذ يجيء نصر الله، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، ولابد من البلاء ليصلب عود أهل الحق، ويقوى ويشتد:﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
فبحصول الشدائد والمحن، يحصل التوجه و الالتجاء إلى الله وحده لا شريك له، فحين تهتز الأسناد كلها يتوجه القلب إلى الله وحده، فلا يرى قوة إلا قوة الله، ولا يرى حولًا إلا حوله، ولا ملجأ إلا إليه، وهذه هي العبودية التي يريدها الله من عباده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فهؤلاء الصابرون، هؤلاء المخبتون، هؤلاء الصابرون على الأذى في سبيل الله، وعلى أقدار الله ﷿، لهؤلاء صلوات ورحمة وهداية، جزاءً على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات، وجزاءً على الخوف والجوع والشدة، وجزاءً على القتل والشهادة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فهذا العطاء من الله أثقل في الميزان من كل عطاء، وأرجح من النصر، وأرجح من التمكين، وأرجح من شفاء غيظ الصدور.
فهذا هو الطريق المستقيم لمن يريد الله استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وسنة الله جارية وفق ما يشاء، ومن سنة الله في المكذبين لرسله أن يأخذهم بالبأساء والضراء، كما قال سبحانه:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥].
ذلك لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة، التي ما يزال فيها خير يرجى، وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد، وأن يتجه بالبشر الضعاف الغافلين إلى خالقهم الواحد القهار؛ ليتضرعوا إليه، ويطلبوا رحمته وعفوه، ويعنون بهذا التضرع، بإخلاص عبوديتهم لله ﷿: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وليس لله حاجة بعبادة العباد، وهو الغني، وهم الفقراء، وهو القوي، وهم الضعفاء، ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم لله إنما يصلحهم هم، ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
فمتى أعلن الناس عبوديتهم لله تحرروا من العبودية لسواه، تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد أن يغويهم، وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم التي تقعدهم عن طاعة الله، وامتثال أوامر الله، وتحرروا من العبودية للعبيد أمثالهم،وتوجهوا إلى ربهم في قضاء حوائجهم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
لذلك استحيوا أن يطيعوا الشيطان، ويتبعوا خطوات الشيطان، واستحيوا أن يغصبوا الله بنية أو عملِ، وهم يتجهون إليه في الشدة، ويتضرعون إليه؛ لذلك اقتضت سنة الله ومشيئته أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبيًا فتكذبه بالبأساء والضراء، استحياءً لقلوبهم بالألم، والألم خير مهذب، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة في القلوب، وخير موجه إلى ظلال الرحمة لعلهم يضرعون: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥].
فإذا الرخاء مكان الشدة، واليسر مكان العسر، والعافية مكان الضر، والأمن مكان الخوف، وإذا هو متاع ورخاء، وكثرة وامتلاء، إنما هو في الحقيقة اختبارٌ وابتلاء، والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، فإنه يذكر صاحبه بالله، فيتجه إليه، ويتضرع بين يديه؛ فيجد في رحابه فسحة وأنسًا، أما الابتلاء بالرخاء، فالذين يصبرون عليه قليلون، فالرخاء يُنسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والله ﷿ رءوف بالعباد، يبتليهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فيبتلي بالشدة، ولكن الشدة يصبر عليها الكثير؛ لأنها تذكر الخلق بالله ﷿، أما الابتلاء بالرخاء فالذي يصبر عليه قليل؛ لأن الرخاء يُنسي، ويلهي ويطغي، فالثراء والغنى يولد حالة قلة المبالاة، وحالة الاستخفاف والاستهتار، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا من شيء يعملونه، ولا تخوفًا من أمر يصنعونه، خاصة حين يطول بأهل الثرى العهد في اليسار والنعمة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [سبأ: ٣٥ - ٣٦].
فهم يتنعمون في يسر، ويسرفون في استهتار، ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان، وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر من أهل الغنى والثرى بلا تخوف ولا مبالاة ولا تحرج، وهم بفعلهم ذلك لا يفطنون لسنة الله في الكون، ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافًا بلا سبب معلوم: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٥].
وقد أخذنا دورنا في الضراء، وجاء دورنا في السراء، هكذا يظنون عندئذ في ساعة الغفلة السادرة، وثمرة النسيان واللهو والطغيان، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية:﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
هكذا تجري سنة الله أبدًا وفق مشيئته في عباده، فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
أما الطرف الآخر لسنة الله الجارية، فكما قال سبحانه:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
فأهل القرى لو آمنوا بدل التكذيب، واتقوا بدل الاستهتار والفجور؛ لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض، هكذا مفتوحة بلا حساب، من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فيض غامرُ من كل مكان: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقد ينظر بعض الناس، فيرى من يقول: إن المسلمين مضيق عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق، ويرى في المقابل أمما لا يؤمنون بالله ولا يتقونه مفتوحًا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ، فيسأل: أين هي السنة الجارية التي لا تتخلف؟
ولكن هذا وذاك وهو من تخيله ظواهر الأحوال.
إن هؤلاء الذين يقولون أنهم مسلمون، لا مؤمنون ولا متقون، إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققونها في واقعهم، ولا يحققون الإسلام في واقعهم، ولا يحققون في حياتهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
إنهم في الواقع يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم، وما أولئك بالمؤمنين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فالمؤمن حقًا لا يدع عبدًا من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبدًا من العبيد ربه الذي يصّرف حياته بشرعه وأمره.
ويوم كان المسلمون مؤمنين حقًا، دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات السموات والأرض، وتحقق لهم وعد الله بالنصر والتمكين في الأرض، فقد كانوا شر القرون فصاروا بالإسلام خير القرون، وكانوا شر أمة فصاروا بالإسلام خير أمة أخرجت للناس، وكانوا شر البرية فصاروا بالإيمان والتقوى خير البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧].
وأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي السنة، والابتلاء بالرزق والنعمة أخطر من الابتلاء بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون، فالبركة تكون مع القليل إذا أُحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والإيمان، والرضا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ الرعد: ٢٨].
إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى بركات في الأشياء، بركات في النفوس، بركات في المشاعر، بركات في طيبات الحياة، بركات تنمي الحياة وترفعها وليست مجرد وفرة المال مع الشقوة والتردي والانحلال، فكم من أمة غنية ولكنها تعيش في شقوة: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
فهي في حاضر نراه، يترقبه مستقبل نكد وابتلاء يعقبه نكال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾ [الرعد: ٣١ - ٣٢].
فالعطاء من الله ليس دائمًا دليل رضا، فقد يكون مقدمة للعقوبة، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
***
مختارات

