[قصة مدين قوم شعيب (١)
قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصَّة قوم لوط: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٩٣].
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضًا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٨٤ - ٩٥].
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضًا: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨، ٧٩].
وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٩١].
كان أهل مدين قومًا عَربًا، يَسكنونَ مدينتَهم "مدينَ"التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز، قريبًا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدَهم بمدَّة قريبة، ومدين قبيلة عرفت بهم المدينة، وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل، وشعيبُ نبيُّهم هو ابن ميكيل بن يشجن، ذكره ابن إسحاق، قال: ويقال له بالسريانية: "ينزون" وفي هذا نظر، ويُقال: شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب، ويقال: شعيب بن نويب بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم.
ويقال: شعيب بن ضيفور بن عيتا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم.
وقيل: غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ): ويُقال جدَّتُه، ويُقال: أمه بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجرَ معه، ودخلَ معه دمشقَ.
وعن وهْب بن مُنبه أنه قال: كان شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أُحرقَ بالنار، وهاجرا معه إلى الشام فزوَّجهما بنتيْ لوط ﵇.
ذكره ابن قتيبة ).
وفي هذا كله نظر أيضًا واللّه أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" ) في ترجمة سلمةَ بن سعد العَنزي، قدمَ على رسول اللّه ﷺ فأسلمَ وانتسبَ إلى عنزةَ، فقال: "نعم الحيُّ عنزةَ، مبغيٌّ عليهم، منصورون، رهطُ شعيب وأختان ) موسى" فلو صحَّ هذا لدلَّ على أنَّ شُعيبًا صهر موسى، وأنه من قبيلة من العرب العاربة يُقال
لهم: عَنزةَ، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فإن هؤلاء بعدَه بدهرٍ طويل، واللّه أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حِبَّان في ذكر الأنبياء والرسل، قال: "أربعةٌ من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيُّك يا أبا ذر" ).
وكان بعضُ السلف يُسمِّي شعيبًا خطيبَ الأنبياء، يعني لفصاحته وعلوِّ عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته.
وقد روى ابن إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكرَ شعيبًا قال: "ذاكَ خطيبُ الأنبياء" ).
وكان أهلُ مَدْين كفَّارًا يقطعونَ السبيلَ، ويُخيفون المارَّة، ويعبدون الأيكةَ، وهي شجرةٌ من الأيك حولَها غيضة (١)ملتفَّة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملةً، يبخسون المِكْيال والميزان، ويُطفِّفونَ فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعونَ بالنَّاقص، فبعثَ اللّه فيهم رجلًا منهم، وهو رسول الله ﷺشُعيب ﵇، فدعاهم إلى عبادة الله وحدَه لا شريكَ له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحةِ من بَخْسِ النَّاس أشياءهم وإخافتهم لهم في سُبُلهم وطُرُقاتِهم، فآمن به بعضُهم وكفرَ أكثرُهم، حتى أحلَّ اللّه بهم البأسَ الشديدَ، وهو الولي الحميد، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] أي: دلالة وحجَّة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تُنقل إلينا تفصيلًا، وإن كانَ هذا اللَّفظ قد دلَّ عليها إجمالًا: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعَّدَهم على [خلاف ذلك] (٤) فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ أي: طريق ﴿تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٦]: تتوعدون الناس بأخذ أموالِهم من مُكوسٍ وغير ذلك، وتُخيفون السُّبُل.
قال السُّدِّي في تفسيره عن الصحابة: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أنهم كانوا يأخذونَ العشورَ من أموال المارة.
وقال إسحاق بن بشرٍ: عن جُويبر عن الضَّحاك، عن ابن عباس، قال: كانوا قومًا طغاةً بغاةً، يجلسون على الطريق، ويبخسون الناس، يعني: يُعشِّرونهم، وكانوا أوَّلَ من سَنَّ ذلك.
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] فنهاهم عن قطعِ الطريقِ الحِسِّيَّةِ الدنيويَّة والمعنويَّة الدينية: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٦]ذكَّرهم بنعمة اللّه تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القِلَّة، وحذَّرهم نقمةَ اللّه بهم إن خالفوا ما أرشدَهم إليه ودلَّهم عليه، كما قال لهم في القِصَّة الأخرى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] أي: لا تركبُوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق ) اللّه بركةَ ما في أيديكم ويُفقرُكم، ويُذهبُ ما به يغنيكم، وهذا مضافٌ إلى عذاب الآخرة، ومنْ جُمع له هذا وهذا فقد باءَ بالصفقة الخاسرة، فنهاهم أولًا عن تعاطي ما لا يليقُ من التطفيف، وحذَّرهم سَلْبَ نعمةِ اللّه عليهم في دنياهم وعذابه الأليم في أُخراهم، وعنَّفهم أشدَّ تعنيف.
ثم قال لهم آمرًا بعدما كان عن ضِدِّه زاجرًا ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٥، ٨٦] قال ابن عباس والحسن البصري: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] أي: رزق اللّه خير لكم من أخذ أموال النَّاس.
وقال ابن جرير: ما فضلَ لكم من الربح بعدَ وفاء الكيل والميزان خيرٌ لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف،قال: وقد رُوي هذا عن ابن عبَّاس.
وهذا الذي قاله وحكاه حسن، وهو شبيهٌ بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] يعني: أن القليل من الحلال خيرٌ لكم من الكثير من الحرام، فإنَّ الحلالَ مباركٌ وإن قلَّ، والحرامَ ممحوقٌ وإنْ كثرَ، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقال رسول اللّه ﷺ: "إنَّ الرِّبا وإنْ كَثُرَ فإن مصيره إلى قُلٍّ" رواه أحمد ).
أي: إلى قلة.
وقال رسول اللّه ﷺ: "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدَقَا وبيَّنا بُوركَ لهما في بَيْعهما، وإنْ كتما وكذَبا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما" ).
والمقصود: أنَّ الربحَ الحلال مُباركٌ فيه وإنْ قَلَّ، والحرامُ لا يجدي وإن كثر، ولهذا قال نبي اللّه شُعيب: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦].
وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦] أي: افعلوا ما آمرُكم به ابتغاءَ وجه اللّه، ورجاءَ ثوابه، لا لأرَاكم أنا وغيري.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يقولونَ هذا على سبيل الاستهزاء والتنقُّص والتَّهَكُم: أصلاتُك هذه التي تُصلِّيها هي الآمرةُ لك بأن تحجزَ علينا فلا نعبدُ إلا إلهك، ونتركُ ما يعبدُ آباؤنا الأقدمون وأسلافُنا الأَوَّلون، أو ألَّا نتعاملَ إلا على الوجه الذي ترتضيه أنتَ، ونتركُ المعاملاتِ التي تأباها، وإن كنا نحن نرضاها ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قال ابن عباس وميمونُ بن مِهْران وابن جُرَيْج وزيد بن أسلم وابن جرير ): يقول ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] هذا تلطُّفٌ معهم في العبارة ودعوةٌ لهم إلى الحق بأبينِ إشارةِ، يقول لهم: أرأيتُم أيها المكذبون: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: ٨٨]أي: على أمر بَيِّنٍ من الله تعالى، أنه أرسلني إليكم ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] يعني النبوة والرِّسالة، يعني وعَمِيَ عليكم معرفتها، فأيُّ حيلةِ لي لكم.
وهذا كما تقدَّم عن نوح ﵇ أنه قال لقومه سواء.
وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] أي: لستُ آمرُكم بالأمر إلا وأنا أَوَّلُ فاعل له، وإذا نهيتُكم عن الشيء فأنا أَوَّلُ منْ يتركُه، وهذه هي الصفة المحمودةُ العظيمة، وضدُّها هي المردودة الذميمة، كما تلبَّسَ بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
وذكرَ عندها في الصحيح: عن رسول اللّه ﷺ، أنه قال: " يُؤتى بالرجل فيُلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنِه - أي: تخرجُ أمعاؤه من بطنِه - فيدورُ بها كما يدورُ الحمارُ برحاه، فيجتمعُ أهلُ النَّار، فيقولون: يا فلان مالكَ؟ ألم تكن تأمرُ بالمعروف وتَنْهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنتُ آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" ).
وهذه صفة مُخالفي الأنبياء من الفُجَّار والأشقياء، فأمَّا السادةُ من النُّجباء والألبَّاء من العلماء، الذين يخشونَ ربَّهم بالغيب، فحالُهم كما قال نبي اللّه شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] أي: ما أُريد في جميع أمري إلا الإصلاحَ في الفعال والمقال بجهدي
وطاقتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في جميع أحوالي ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] أي: عليه أتوكَّل في سائر الأمور وإليه مَرْجعي ومَصيري في كلِّ أمري، وهذا مقامُ ترغيب.
ثم انتقلَ إلى نوعٍ من الترهيب، فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] أي: لا تحملنَّكم مخالفتي، وبغضُكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالِكم وجهلِكُم ومخالفتِكم، فيحلّ اللّه بكم من العذاب والنَّكال نظيرَ ما أحلَّه بنُظرائكم وأشباهِكم من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح من المكذِّبين المخالفين.
وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] قيل: معناه في الزمان، أي: ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحلَّ بهم على كفرهم وعُتوِّهم.
وقيل: معناه: وما هم منكم ببعيد في المحلَّة والمكان.
وقيل: في الصفات والأفعال المُستقبحات، من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفيةً، بأنواع الحيل والشبهات، والجمعُ بين هذه الأقوال ممكن، فإنَّهم لم يكونوا بعيدينَ منهم، لا زمانًا ولا مكانًا ولا صفاتٍ.
ثم مزجَ الترهيب بالترغيب، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، أي: أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربِّكم الرحيم الودود، فإنَّه منْ تابَ إليه تابَ عليه، فإنَّه رحيمٌ بعباده، أرحمُ بهم من الوالدة بولدها ﴿وَدُودٌ﴾ وهو المجيبُ، ولو بعد التوبة على عبده، ولو من المُوبقات العظام ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] روي ) عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جُبَيْر، والثوريّ: أنهم قالوا: كان ضريرَ البَصَر.
وقد رُوي في حديث مرفوع أنه بكى من حبِّ اللّه حتى عَمِيَ، فردَّ اللّه عليه بصرَه، وقال: "يا شعيبُ أتبكي من خوفِك من النَّار أو مِن شوقِك إلى الجنَّة؟ فقال: بل من محبَّتِكَ، فإذا نظرتُ إليكَ فلا أُبالي ماذا يُصنعُ بي.
فأوحى إليه اللّه: هنيئًا لك يا شُعيب لقائي، فلذلكَ أخدمتُك موسى بن عمران كليمي".
رواه الواحدي ) عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي، عن علي بن الحسن بن بندار، عن أبي عبد اللّه بن محمد بن إسحاق الرملي، عن هشام بن عمَّار، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن بحير بن سعيد، عن شدَّاد بن أوس، عن النبي ﷺ بنحوه، وهو غريبٌ جدًا، وقد ضعَّفه الخطيب )البغدادي.
(١) غيضة: الأجمة، ومجتمع الشجر.
مختارات

