الخزانة الخامسة..
حكم الغيبة والنميمة:
الغيبة والنميمة محرمتان، فالغيبة محرمة، لما فيها من الضرر العظيم على الأمة، وأعظم الغيبة غيبة العلماء والدعاة إلى الله؛ لأن غيبة غيرهم من الناس غيبةٌ شخصية لا تضر إلا الذي اغتاب، والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء والدعاة إلى الله تضر الإسلام كله؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم سقط لواء الإسلام.
وإذا كانت لحوم الناس كما يأكل الميتة، فإن لحوم العلماء ميتةٌ مسمومة؛ لما فيها من الضرر العظيم على الأمة:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٢ - ١٣].
فالغيبة محرمة، بل هي من الكبائر.
والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، والنميمة نقل الكلام بين الناس.
فالغيبة محرمة بل هي من كبائر الذنوب، ولاسيما إذا كانت الغيبة في العلماء والدعاة وولاة الأمور، فغيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس؛ لأن غيبة العلماء تقلل من شان العلم، وغيبة الأمراء والحكام تقلل من هيبة شأن السلطان، ومن ثَم لا يقبل الناس من العلماء، ولا يخضعون للأمراء، فيتمردون عليهم.
وإذا استهان الناس بالعلماء، وتمردوا على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى، واضطراب الأمور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
حكم الصرع:
الصرع هو المس، وهو صرع الجن للإنس.
والصرع ينقسم إلى قسمين:
الأول: صرع سببه تشنج الأعصاب، وهذا مرضٌ عضوي يمكن أن يُعالج كغيره من قِبل الأطباء بدواء يسكنه أو يُزيله.
الثاني: صرعٌ سببه تسلط الجني على الإنسي فيصرعه، ثم يغمى عليه من شدة الصرع، ثم يتكلم الجني على لسانه.
وقد ثبت هذا النوع بالقرآن والسُنَّة والواقع: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وهذا النوع يُعالج بالقراءة من الإنسان نفسه، بقراءة الفاتحة والمعوذات وغيرها من القرآن والسنة كما ورد في الرقية الشرعية، أو يُعالج بالقراءة من أهل العلم والتقوى.
فإذا وقع مثل هذا فيدفع الإنسان ذلك عن نفسه بالأوراد الشرعية صباحًا ومساءً، وبالرقية الشرعية التي جاءت في القرآن والسُنَّة.
حكم تمني الموت:
لا يجوز للإنسان أن يتمنى الموت لضرٍ نزل به، فربما يكون الموت شرًا عليه، وربما إذا بقي يتوب ويرجع إلى الله، فتمني الموت يدل على ضجر صاحبه، وعدم صبره على قضاء الله، والأحسن أن يكل أمره إلى الله الذي هو أرحم بالإنسان من نفسه.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِى».
متفقٌ عليه.
وأما تمني الموت على صفةٍ يرضاها الله ﷿ فهذا جائز، كأن يتمنى أن يتوفاه الله على الإسلام والإيمان والإخلاص، وهو راضٍ عنه، كما في دعاء يوسف ﷺ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
فقه الكسوة:
كل إنسان محتاجٌ إلى كسوة تستر عورته حسًا، ومحتاجٌ إلى إيمانٍ وعملٍ صالح يستر عورته معنى؛ لأن التقوى لباس القلب، والقماش لباس الجسد، وكلٌ منهما لازم، وكلٌ منهما نعمة من الله وحده.
فالطعام كسوة البدن باطنًا من عُري الجوع، والكسوة ستر البدن ظاهرًا، والهداية ستر القلوب والنفوس من عيوب الذنوب والأخلاق:: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
وقال الله ﷿ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ،يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي، فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
أخرجه مسلم.
فستر الأبدان بالثياب حسن، وستر القلوب بالتوحيد والإيمان والأعمال الصالحة أحسن: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
حكم الديون:
تحمل الديون عظيم يُولد الهم والفرقة، وسداد الديون ثقيل على النفوس؛ لهذا لا ينبغي للإنسان أن يستدين إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فلا يستدين لزواج، ولا لبناء بيت، ولا شراء أشياء لا حاجة لها ضرورية، كل هذا من السفه،والحل أن يستعفف الإنسان حتى يرزقه الله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢].
فإذا كان هذا في النكاح الذي يعف الإنسان به نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا، فما بالك بما هو دونه.
ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله.
والدَّين هو كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيعٍ أو قرضٍ أو أجرة او غير ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
حكم إجابة الدعوة:
من حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه، إذا كان الداعي مسلمًا، ولم يكن مجاهراً بالمعصية، ولم تكن الدعوة مشتملةٌ على معصية لا يستطيع إزالتها، ولم يكن ثَم مانعٌ لديه يمنعه من الحضور.
وتجب إجابة الدعوة في العرس خاصة.
فإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة، وتشرع إجابة دعوة الكافر لمصلحة كرجاء إسلامه، أو تأليف قلبه؛ لأن النبي ﷺ أجاب دعوة يهودي في المدينة.
وإن كان الداعي مسلمًا مجاهراً بالمعصية كحلق اللحى وشرب الدخان علنًا أو غير ذلك من المحرمات، فإن إجابته ليست بواجبة، وإن كان في إجابته مصلحة أجابه، وإن كان ليس في إجابته مصلحة فلا يجبه.
وإن كان ليس في إجابته مصلحة نظرت، فإن كان في عدم إجابته مصلحة، فلا تجبه لعل الله أن يهديه، وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار.
وإن كان في الدعوة منكر، فإن كان الإنسان قادراً على التغيير وجب عليه الإجابة؛ لإزالة المنكر، وإجابة دعوة أخيه، وإن كان المنكر لا تستطيع تغييره كالأغاني وشرب الدخان ونحو ذلك من المعاصي الظاهرة، فلا تجوز إجابته؛لأن حضور المحرم ولو مع كراهة الإنسان له بقلبه يكون فيه الإنسان مشاركًا للفاعل كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
وفي مثل هذه المجامع العامة كالأعراس والحفلات يجمع الشيطان بين الناس؛ لينشر بينهم الفاحشة، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر إلا من رحم ربك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
أقسام العورة:
العورة تنقسم إلى قسمين:
عورةٌ حسية.
وعورةٌ معنوية.
العورة الحسية هي ما يحرم النظر إليه كالقبل والدبر وما أشبه ذلك.
والعورة المعنوية هي العيب والخلق السيئ قوليًا أو عمليًا، كالظلم والجهل والفسوق ونحو ذلك.
فالإنسان إما أن يرتكب الخطأ عن عمد فيكون ظالمًا، وإما أن يرتكب الخطأ عن جهل فيكون جهولًا، هذه حال الإنسان إلا من عصم الله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
ولما كان الإنسان من طبيعته النقص والتقصير والعيب، فالواجب على المسلم نحو أخيه أن يستر عورته، ولا يشيعها إلا من ضرورةٍ أو مصلحةٍ راجحة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيُّ ﷺ قال: «لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أخرجه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيُّ ﷺ قال: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أخرجه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيُّ ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا:اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ:أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».
أخرجه مسلم.
حكم الستر على الإنسان:
الستر ينقسم إلى قسمين:
الأول: سترٌ محمود، وهو ستر الإنسان الذي لم يجري منه عدوان أو فاحشة إلا نادرًا، هذا ينبغي أن يُستَر ويُنصَح،ويُبين له أنه على خطأ ليتركه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
متفق عليه.
الثاني: سترٌ مذموم، وهو ستر الإنسان المستهتر المتهاون في الأمور، الفاسق الشرير الذي يعتدي على الناس، هذا لا يُستَر، بل المشروع أن يُبين أمره لولاة الأمر؛ ليردعوه عما هو عليه، ويكفوا شره عن الناس، وحتى يكون نكالًا لغيره: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
فالستر يتبع المصالح، فإن كانت المصلحة في الستر فهو أولى، وإن كانت المصلحة في الكشف فهو أولى، وإن تردد الأمر بين هذا وهذا فالستر أولى، والله ستير يحب الستر وأهله.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:«الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
متفقٌ عليه.
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حق المسلم على المسلم خمس، رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ».
متفق عليه.
حكم إنظار المعسر:
يجب إنظار المعسر، ومن كان له غريمٌ معسر، فإنه يحرم عليه أن يطلب منه الدين، أو أن يطالبه به، أو يرفع أمره إلى الحاكم، بل يجب عليه إنظاره، ولا يجوز للحاكم حبسه، ومن طالب معسرًا فهو آثم.
ومن ضيق على أخيه المسلم المعسر فإنه يوشك أن يضيق الله عليه في الدنيا، أو في الآخرة أو فيهما معًا، ويوشك أن يُعجل له بالعقوبة، ومن العقوبة أن يستمر في مطالبة أخيه المعسر؛ ليزداد إثمًا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨٠ - ٢٨١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٤].
***
مختارات
