فقه خلق الأسباب (٥)
وما لا يقدر عليه العبد نوعان:
أحدهما: ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه، والطيران في الهواء ونحوهما.
الثاني: ما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين كالماء والنار، وكالحركة والسكون ونحوهما.
والأسباب كلها مظاره لقدرة الله وجماله وجلاله، وهي نوعان:
أسباب معتادة.
وغريبة.
فالمعتادة: كولادة الإنسان من أبوين، وخروج الثمر من الشجر، وخروج الحليب من البقر، والكلام من اللسان، ونحو ذلك.
والغريبة: كولادة الإنسان من أم فقط كما ولدت مريم عيسى، أو من أب فقط، كما خلقت حواء، أو من غير أبوين كما خلق الله آدم من تراب، وخروج الماء من الحجر لموسى، وانقلاب العصا حية لما ألقاها موسى، وحصول الطعام لمريم في المحراب، ونحو ذلك.
والأسباب التي يحصل بها الرزق، هي من جملة ما قدره الله وكتبه، فإن كان قد تقدم بأن الله يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب.
وما قدر الله له من الرزق بغير اكتساب كالميراث والهدية والوصية، يأتيه بغيراكتساب.
وأكثر الذين يعجزون عن الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم إما صدقة أو هدية أو نذراً، أو غير ذلك مما يؤتيه الله على أيدي من ييسره لهم.
والتاجر يفعل السبب المأمور به، ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته، وغاية قدرته تحصيل السلعة ونقلها وعرضها.
أما إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها، وبذل الثمن الذي يربح به، فهذا ليس مقدوراً للعبد.
والسعي سعيان:
سعي فيما نصب للرزق كالتجارة والعمل.
وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
والله تبارك وتعالى لا ريب أنه قضى وفرغ من تدبير أمور الخلق، ولكنه قدرها بأسبابها المفضية إليها.
فلا يكون وقوف العبد على فراغه سبحانه من أقضيته في خلقه وتدبيره مانعاً له من قيامه بالأسباب التي جعلها طرقاً لحصول ما قضاه منها.
فيباشر العبد الأسباب التي بها حفظ حياته من الطعام والشراب، واللباس والسكن ونحوها، ولا يكون وقوفه مع فراغ المدبر منها مانعاً له من تعاطيها.
وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاء النوع من النكاح والتسري، ولا يكون وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعاً له من فعل ما أمر به.
وهكذا جميع مصالح الدنيا والآخرة وإن كانت مفروغاً منها قضاءً وقدراً، فهي منوطة بأسبابها التي يتوقف حصولها عليها شرعاً وقدراً.
فكما جعل الله عزَّ وجلَّ الطعام سبباً للشبع والماء سبباً للري، كذلك جعل فعل المأمور وترك المحظور سباً للنجاة، وجعل فعل المحظور وترك المأمور سبباً للهلاك، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
وفعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل المتوكلين، وأشد عباد الله حرصاً على فعل الأسباب قد ظاهار بين درعين في أحد.
وأمر بإطفاء السراج.
وإغلاق الأبواب.
وأمر بنفض الفراش والتسمية عند النوم.
وأخذ الزاد في السفر.
وأخذ من يدله على الطريق في الهجرة.
وكان يتقي الحر والبرد.
ويأكل ويشرب.
وأمر بالتداوي.
ولم ينقص ذلك من توكله.
والله عزَّ وجلَّ يعطي عباده ويرزقهم من ثلاثة أبواب:
بالأسباب.
وبدون الأسباب.
وبضد الأسباب.
فيعطي الأسباب ليتبين به ما أفاض من صنعه، وما أودع في مخلوقاته من القوى والطبائع والمنافع.
ويعطي بدون الأسباب ليبين للعباد أن قدرة الله غير مفتقرة إلى واسطة في فعله.
ويعطي بضد الأسباب ليعلم العباد أن الله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وأخرج الماء من الحجر لموسى وقومه.
ولا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذن الله، والأسباب تفعل فعلها، وتظهر آثارها بإذن الله.
فلو عرض الإنسان يده للنار فإنها تحترق، ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله، فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق، وأودع يدك خاصية الاحتراق بها.
وهو سبحانه قادر أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة يريدها، كما وقع لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار، فالنار تشتعل ولكن الله منعها من حرق إبراهيم، بل جعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)} [الأنبياء: ٦٩].
وكذلك السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ينشئ هذا الأثر بإذن الله، والله قادر أن يوقف هذا الأثر فيه حين لا يأذن لحكمة يريدها كما قال سبحانه عنالسحرة: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: ١٠٢].
والأمر كله لله، والله لا مقيد لمشيئته، فالمشيئة التي تريد النتيجة، هي ذاتها التي تيسر الأسباب.
فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشية ووجود الأسباب، وهذا الكون وما يجري فيه كله يسير وفق مشيئة الله: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)} [الروم: ٤، ٥].
فالعقيدة الصحيحة ترد الأمر كله لله، ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب المشروعة، والتي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع بأمر الله.
أما إن تحقق تلك النتائج فعلاً أو لا تحقق فليس داخلاً في التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله، فالتوكل مقيد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله وحده، وهذا محل الابتلاء.
وظاهر الأسباب في الدنيا هو من أساس حكمة الحياة، أن يكون ظاهراً أمامك أن هذا يعطي، وهذا يمنع.
وهذا يستطيع أن يعطيك المال والخير، وهذا يستطيع أن يمنع عنك الرزق.
وأنت إما أن تندفع لإرضاء بشر على حساب معصية الله، وإما أن تلتزم بمنهج الله ولا تخشى أحداً.
فظاهرية الملك.
وظاهرية الأسباب.
لازمة في الحياة الدنيا.
غير لازمة في الآخرة.
ولذلك فإن هذا الظاهر، وهذه الأسباب، كل ذلك يختفي في الآخرة، ويكون الشيء مباشرة من الله لعبيده.
لماذا؟.
لأن الآخرة هي دار الخلود، وليست مرحلة اختبار للعباد.
فظاهر الملك في الدنيا لأحد غير الله، هو أمر تقتضيه طبيعة الحياة الدنيا، منأنها امتحان يمر به الإنسان، ليوصله إلى الجنة أو النار.
أما في الآخرة فظاهر الملك يختفي كما تختفي الأسباب: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)} [غافر: ١٦].
والله تبارك وتعالى كما أنه خالق كل شيء، فهو مالك كل شيء، ومدبر كل شيء، ولكنه استخلفنا في الدنيا في مال أو حكم أو سلطان بإذنه وبأمره، متى شاء وكيف شاء، كما قال سبحانه: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: ٧].
فالله عزَّ وجلَّ استخلفنا في الأرض والأموال والمناصب ليرى ماذا نفعل؟.
هل نطيعه فيها أم نعصيه؟.
وهل نعتمد عليها، أم نتوكل على الله وحده؟.
كما قال سبحانه: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)} [الأعراف: ١٢٩].
والله سبحانه خلق ما في الأرض جميعاً، وخلق لها الأسباب التي تحصل بها، والعوامل التي تحكمها، إظهاراً لكمال قدرته، وابتلاء العباد.
ولكن هذه العوامل والأسباب لا يمكن أن تكون قيداً على قدرة الله سبحانه، ذلك أن الله لو قضى بالأسباب وحدها في الأرض، لعبد الناس الأسباب وحدها، ونسوا المسبب الخالق سبحانه.
ولذلك بقيت طلاقة قدرة الله في الكون، لتلفت الناس إلى أن الذي خلق الأسباب، لا تقيده هذه الأسباب في قدرته.
فله سبحانه سنة.
وله قدرة.
فسنته جارية.
وقدرته مطلقة لا يحكمها شيء.
وهو يفعل ما يشاء في أي وقت شاء، ولكن ظهور القدرة لا يحدث إلا بين حين وآخر، لأنها ليست حكم الله في الدنيا ولا سنته، ولا هي وسيلة الحياة فيها.
وإذا حدثت طلاقة القدرة كل يوم انتفت الأسباب، ولم يعد لأسباب الدنيا وجود، ولكنها تأتي لفتة كما خرج الماء من الحجر لموسى - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)} [البقرة: ٦٠].
وكما خرج الماء من بين أصابع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية.
فظهور قدرة الله أحياناً، تلفت الناس إلى القدرة الإلهية التي هي فوق الأسباب، حتى لا تعبد الأسباب، وهي في مجيئها مكلفة من الله سبحانه بأمره.
فقد ينخفض محصول القمح مثلاً، مع أن الأسباب اللازمة كلها متوفرة، ولكن الأرض رفضت أن تنفعل بالأسباب بأمر الله، لماذا؟.
إنها لفتة من الله حتى لا نعبد الأسباب، ونترك الله.
فالدنيا دار الأسباب والعمل، وتظهر قدرة الله أحياناً بدون الأسباب لمن شاء وهم المؤمنون، ولكن سنة الله وقدرته في الحياة الدنيا عموماً تظهر بالأسباب، لأن ظهور القدرة الإلهية مباشرة بدون الأسباب في الآخرة.
فكل شيء في الآخرة يأتي العبد بمجرد ما يجول في خاطره أو يفكر فيه، لا عمل في الآخرة ولا سعي، وإنما نعيم ورضوان من الله، وعطاء بلا حدود ولا نفاد.
أما في الدنيا فهناك طريق الأسباب لعموم الناس، ومعه عطاء الرب بلا أسباب، وهذا خاص بالمؤمنين.
وأرزاق الأحياء مخفية وراء الأسباب التي أمرنا الله بها، ولكن الله يعطي إذا شاء بغير حساب، وبغير أسباب، لمن شاء من عباده كما قال سبحانه عن مريم: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)} [آل عمران: ٣٧].
فالأسباب ليس بيدها شيء، ولكنها وسيلة للحصول على الرزق الذي كتبه الله للعبد، ولذلك أمرنا الله بذكره عند مباشرة الأسباب كما قال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)} الجمعة: ١٠]
مختارات

