الخزانة الرابعة..
أشد الناس بلاءً الأنبياء:
أعظم الخلق ابتلاءًا هم الأنبياء والرُسل
كما قَالَ النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ».
أخرجه ابن ماجه والترمذي.
وأعظم ابتلاءات الأنبياء الابتلاءات التي أُبتلي بها إبراهيم ﷺ، وموسي ﷺ، ومُحمد ﷺ.
فإبراهيم ﷺ ابتلاه الله ﷿ فنجح في الابتلاء، فجعله الله إماماً، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
فاللهُ ﷿ ابتلي إبراهيم صلى الله عليه وسلمبدعوة قومهِ، ودعوة أبيه، ودعوة النمرود، وصبر علي هذه الابتلاءات فجعله الله ﷿ أُمه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].
فهو أمة وإمام في التوحيد، والإيمان، والأخلاق، والصفات، والدعوة، والعبادة، فإبراهيم ﷺ من أجل لا إله إلا الله، أبتُلي بإلقائه في النار فصبر.
فضحي بالحياة فوهب الله له الحياة، فحين قذفوه في النار جعلها اللهُ فوراً برداً وسلاماً، كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وضحي بالبلد في العراق، فالله ﷿ أعطاهُ أحسن بلد، وهي مكة، وبني فيها بيته العتيق، وضحي إبراهيم ﷺ بالولد، وهو إسماعيل حين أراد ذبحهِ، حين أمره الله ﷿، فالله أحيا الولد، وأخرج من نسلهِ أفضل ولد، وهو مُحمد ﷺ، الذي بُعث من نسل إسماعيل، وابتلي بترك أُم الولد في مكة:﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
فالله حفظ أُم الولد، وحفظ الولد، وجعل خطوات هذه المرأة نسُكاً يتعبد به الناس إلى يوم القيامة، وهو السعي بين الصفا والمروة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
وموسي ﷺ ابتُلي حين ولادته، لأن فرعون كان يُقتل كل الأولاد في كل سنة فولد تلك السنة، وابتُلي بقصر فرعون، وابتُلي حين قتل القبطي، وابتُلي في مَدين برعي الغنم عشر سنين، و ابتُلي حين عاد بأهله من مَدين، وابتُلي بدعوة أكبر طاغية وهو فرعون.
وابتُلي حين جمع له فرعون السحرة، وابتُلي حين لحقه فرعون وجنوده مع بني إسرائيل، حتى أغرقهم الله في البحر، وأبتُلي حين بقي في التيه مع بني إسرائيل أربعين سنة، وابتُلي بطلب العِلم عند الخضر، فحياته ﷺ كلها ابتلاءات، وقد وردت قصته في القُرآن في ثمانية وعشرين جزءًا.
فأعظم منة علينا نعمة الإسلام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
فأسباب الحق تكون بالمُجاهدة، وبذلِ الجُهد، لإعلاء كلمةِ الله، ونشر دينه، وأسباب الباطل تكون بالمشاهدة، ومُلك الأموال والسلاح، ونحو ذلك، ففرعون عنده أسباب الباطل المشاهدة، كما قال لقومهِ: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٦].
فموسي، وأمهِ، وزوجتهِ، وأختهِ وزوج فرعون عندهم أسباب المُجاهدة وفرعون عنده أسبابه المشاهدة، كم فرعون مُلكه عظيم، وأسبابه عظيمة، وكم النساء ضعيفات، وكم ضعف أسبابهِن، ولكن مُجاهدتِهن عظيمة، فالله ذكر في القرآن أسباب إظهار الحق، وهي المُجاهدة، وذكر أسباب إبطال الباطل، وكل ذلك يكون بالمُجاهدة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
فإيمان بني إسرائيل مُزج مع المعصية، والسبب؟
قال الله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩].
فلما تركوا الدعوة جاءت المعاصي، مع أنهم أبناء الأنبياء، فامتزج الإيمان مع المعاصي فجاءت المصائب نقداً.
ولكن الإيمان في حياة الصحابة كان كاملاً، مقروناً بالطاعة الكاملة، مع أن آباءهم كانوا عباد الأصنام، وآباء بني إسرائيل أنبياء، ولكن ليس بين اللهِ وبين الناس نسب إلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠].
فبنو إسرائيل بسبب المعصية، وترك الدعوة، سلط الله عليهم أسوأ الخلق وشرهم فرعون، الذي ادعى لنفسه الربوبية والإلوهية، فأصبح يسومهُم سوء العذاب: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
فسبب عذاب بني إسرائيل ترك الدعوة، ورفع العذابِ لا يكون إلا بالدعوة إلي الله، فأرسل الله موسي إلي فرعون وبني إسرائيل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٥ - ٦].
فكل حياة موسي بلايا، لكن جاءت بعدها العطايا، وذكر الله عن فرعون وحالهِ، وأن الله ﷿ دمره، وأورث بني إسرائيل أرضه، ومشكلة فرعون طفل لم يولد، فلا إله إلا الله، موسي في بطن أمه يخاف منهُ فرعون، وهو لم يولد.
فكم قوة في الحق، فأمر فرعون بقتل الأطفال، والعام الذي يقتل فيه الأطفال موسي في بطن أمه، ولما ولد موسي، ولدت الرحمة معه، فلم يُقتل الأطفال عند ولادتهِ.
والنبي ﷺ ولد عام الفيل، ولا يمكن أن يأتي العذاب، وهو في بطن أمه، فكذلك مادام النبي ﷺ موجوداً في الأمة، لا يمكن أن يأتي العذاب، فأهلك الله أبرهة، والنبي ﷺ في بطن أمه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣].
واللهُ سبحانه اختار التضحية، واختار تضحية أم موسي بابنها، والأم لو خُيرت وقت الولادة بين موتها، وحياة ابنها، اختارت موتِها، وحياة ابنها، فكم في قلب الأم من الرحمة والشفقة، فالله اختار التضحية حتى يرفع العذاب عن بني إسرائيل، عن طريق امرأة هي أم موسي.
وسُمية امرأة ضعيفة، وآمهَ، وكبيرة، ثلاث صفات، ولكن الله اختارها أن تكون أول شهيدة في الإسلام، والشهادة أن تمحو ذكرك من أجل ذكر الله، فالله يُحيي ذكرك إلي الأبد، فالله أحيا ذكرها مع أنها لم تصُم ولم تُصلي ولم تحُج، لأن ذلك لم يُفرض في ذلك الوقت.
وجميع الشهداء حتى يصلوا إلي هذه المرتبة، لابد أن يكونوا مصلين مخلصين أعمالهم لله، فكل الشهداء مع أعمالهم في صحيفة سمية التي هي أول شهيدة في الإسلام، وهي لم تُصلي بعد، ولم تستمع إلي القرآن، لأن أبا جهل لم يعطيها الفرصة.
فالله سبحانه في جميع الأمم اختار أعلي التضحيات في النساء، وبعد ذلك يأتي الرجال بقدر تضحيات النساء،فالأنبياء والعلماء والشهداء هم أبناء النساء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
فحل مشكلةِ بني إسرائيل موجودُ في حضن المرأة، في حجرِ أم موسي، في موسي ابنها، فمن ضحي بالمحبوب أعطاه اللهُ منفعته، فأعظم المحبوب إليها موسي، فضحت بهِ، وألقته في النهر.
وأحب محبوب في قلب النبي ﷺ مكة، كما قال ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ إنك لأَحَبُّ البِقاعُ إِلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي منكِ مَا خَرَجْتُ» أخرجه الترمذي وابن ماجة.
فأمره الله أن يُضحي بها، وأن يخرج منها، ووعده أن يعيده إليها كما أعاد موسي إلي أمهِ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].
وكما قال اللهُ لأم موسي: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
وليس المقصود البيت، بل المقصود رب البيت، فنضحي بالبيت، لنصل إلي رب البيت: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
موسي ﷺ عاش مائة وعشرين سنة قضاها في قصر فرعون، ثم في دعوة فرعون، ثم في التيه مع بني إسرائيل، وفي آخر عمرهِ خطب في بني إسرائيل خطبة بليغة تأثروا منها، فقيل له يا موسي هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فأوحي اللهُ إليه بلي، إن في الأرض من هو أعلم منك.
وموسي ﷺ عنده طلب الخير، والمعرفة، وزيادة المعرفة تحتاج إلي زيادة الجُهد، فاستعد موسي للطلب، فهل هذه الرحلةَ مفروضةً عليه؟
لا، بل هو الذي طلب ذلك لحبه للمعرفة.
وإبراهيم ﷺ طلب المعرفة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وموسي قد طلب الرؤية بعد تكليم الله لهَ: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فالعلمُ ليس له نهاية، والصفات الحميدة ليس لها نهاية، والإيمان كذلك ليس له نهاية، والمُجاهدة ليس لها نهاية:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فموسي ﷺ استعد لطلب هذا العلم، لا شهراً ولا سنة، بل حقبًا، والحقب سبعون سنة، حتى يصل إلي مقصدهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ [الكهف: ٦٠].
إذا جاء الدين بسببك في الناس فهذا شيء طيب، لكن الدين يأتي في حياتك، ويكمل الإيمان، وتكمل التقوى، هذا أطيب، فالمقصود الأول النفس، ثم الناس: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فالأنبياء طلبوا المعرفة لمصلحتِهم هم.
وخلاصة هذا الكون أنت مخلوق، واللهُ خالق، ويوم القيامة يسعد بلقاء المؤمن، ويشقي الكافر: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦].
والصلاح يأتي في الإنسان بحسب الطلب، لذلك موسي ﷺ سأل الله أن يهديه لمن يعلمه، فموسي ﷺ كل حياتهِ مُعلِماً، والآن هو يريد أن يتعلم فقيل له: أُستاذك حيث تفقد زادكَ، فخرج موسي ﷺ وفتاه إلي مجمع البحرين عند الصخرة، ثم نام موسي، ويوشع عنده الخدمة سمكةٍ واحدة.
فلما نام موسي، يوشع كان في حراسة موسي ﷺ، فخرجت السمكةِ من المِكتل، ودخلت في البحر: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾ [الكهف: ٦١].
وموسي ﷺ أمامه المقصد، فقام من النوم، وقال ننطلق، ويوشع نسي أن يخبر موسي بقصة الحوت، لكن موسي ﷺلما انطلق أحس بالتعب، فقال يوشع لقد فقدنا الزاد فماذا قال موسى؟
قال الله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤].
والإنسان إذا تجاوز مقصوده يتعب، فما هو الحل؟
قال الله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٤ - ٦٥].
والآن الأمة الإسلامية كلها في التعب فما هو السبب؟
فإذا تعبت ترجع إلي المقصد، وهو الدين، والدعوة إلي الله، إذا جاوزت المقصد تتعب، الحل العودة إلي الدين: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
فلما رجع موسي، وجد الخِضر عند الصخرة فقال: السلام عليك، وقد كشف موسي الغطاء عن وجه الخِضر، فقال لا سلام لك علي هذه الجزيرة، ما أتيتنا للسلام، أتيت للجُهد، فقال الخِضر لموسي من أنت؟
قال موسى، قال موسي بني إسرائيل، قال: من أخبرك، قال:الذي أرسلك، فالآن موسي يبين أدب التعليم بأن يتبع الهدي لا الهوى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٩].
فالعلم جمال، ومن لم يعمل به فهو أقبح الناس، فموسي كل حياتهِ الناس يسمعون منه، لأنه داعٍ إلي الله، وتتبعه الناس، واليوم يتبع الخِضر متواضعاً.
والمشكلة في الدعوة أن أكثر الناس يريد أن يكون متبوعاً لا تابعًا، وموسي من أولي العزم قال للخِضر: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦].
وفي تعليم الدعوة، الكبير يمشي إلى الصغير، كما فعل موسي مع الخِضر، وفي تعليم المسائل الصغير يمشي إلي الكبير، لذلك سفينة الدعوة تحِمل الكل، الكبير والصغير، والعالم والجاهل، فموسي قدم الطلب: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف: ٦٦].
فقال المُعلم بقوة: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٧]
والمعلم عادة يكون في مقام القوة والشِدة، والمتعلم عادة يذل لمن يتعلم منهِ، ليستفيدَ منهِ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٨ - ٦٩].
فما أعظم يقين الأنبياء، وما أعظم تضحياتهم، وما أجمل صبرهم، وما أحسن رحمتهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
***
مختارات

