الخزانة العاشرة..
الله ﷿ هو المُنعِم بكل نعمة، والنعمة على ثلاثة أقسام:
أحدها: نعمة تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثانية: نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر وهي في الحقيقة أنها وصلت من الله تعالى، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة والخالق لذلك المُنعم، والخالق لداعية الإنعام في قلب ذلك المُنعم، إلا أنه لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله المُنعم بها.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤].
فبدأ بنفسه تنبيهًا إلى أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله.
الثالثة: نعمة وصلت إلينا بسبب طاعتنا وهي أيضًا من الله، لأنه لولا أن الله سبحانه وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا، وإلا لما وصلنا إلى شيء منها.
قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
إن نعم الله على عباده لا يمكن أن يحصيها أحد وهي نعم لا يمكن لأحدٍ أن يحيط بها، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والنعم كثيرة علينا في ذواتنا ومن حولنا وفي هذا الكون العظيم، إن الشمس التي تشرق كل صباح هي نعمة من نعم الله التي سخرها لعباده، فيجب عليهم أن يشكروه على هذه النعمة وهي تشرق كل يوم بإذن ربها وأمره لتُذكر الإنسان بنعمة الله عليه وتسخينها له، وكذلك القمر وكذلك النجوم وكذلك الأرض، وكل ما تعطي من عطاء للبشر من ماء ونبات وحجر ومعدنًا وغاز، وغير ذلك من الأنعام والنعم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وكذلك الأنعام التي تدير الألبان، والإبل والخيل التي يركبها الإنسان كلها مذللة ومسخرة للإنسان ومنقادة له، فيجب على العباد شكر المنعم بهذه النعم العظيمة، وهذه الطاعة من هذه الحيوانات ليست للبشر، ولكن لأمر الله في التسخير للبشر فالجمل أو الحصان لا يخضع للطفل الصغير خوفًا منه ولا عن عدم قدرة.
ولكنه يخضع له لأن الله أمره أن يخضع له: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].
وحتى يذكرنا الله بهذه النعمة خلق الله بعض الحيوانات ولم يجعلها مذللة له، بل تركها غير مسخرة له كالسباع والأسود والثعابين والعقارب ونحوها مما يخاف الناس منه، وهذه الحيوانات ظلت وستظل لا تخضع لبشر فهو سبحانه وحده الذي سخر ما شاء من خلقه لبعض خلقه، فهي مطيعة في كل زمان ومكان بأمر ربها في التسخير.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
والله ﷿ غفورًا رحيم يفرح بتوبة العبد إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله ويكفر عنه ذنوبه ويوجب له محبته بالتوبة وهو الذي ألهمه إياها ووفقه لها وأعانه عليها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وملأ سبحانه سماواته من ملائكته واستعملهم في تسبيحه وتقديسه والاستغفار للمؤمنين في الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم وطلب وقايتهم من عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم الجنة، فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].
فما أعظم هذه العناية من الرب ﷻ، وما أجمل هذا الإحسان وما أعظم نعمه على عباده، وما أعظم هذه الرحمة وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم.
قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ونعمه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو مسيئهم إلى التوبة ومريضهم إلى أن يسأله الشفاء وفقيرهم إلى أن يسأله الغنى ومحتاجهم إلى أن يسأله قضاء حاجته.
وذلك كل ليلة كما قال النبي: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».
متفق عليه.
فباب النعم والإحسان باب عظيم يدخل منه كل أحد إلى محبة الرب سبحانه، فإن نعمه على عباده مشهودة لهم يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات، وهي لا تُحصى ولا تُستقصى.
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
فهذه محبة للرب الرحيم الكريم تنشأ من مطالعة المنن والإحسان ورؤية النعم والآلاء، وكلما سافر القلب فيها ازداد محبة لربه وتأكدت وازداد حمدًا له وشكرًا له، ولا نهاية لها فيقف القلب عندها بل كل ما ازدد فيها نظرًا ازداد فيها اعتبارا وعجزًا عن ضبط القليل منها فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه.
والله ﵎ دعا عباده من هذا الباب حتى إذا دخلوا فيه دعوا من الباب الأخر، وهو باب الأسماء والصفات الذي إنما يدخل في خواص خلقه وهو باب المحبين حقًا، الذي لا يدخل منه غيرهم ولا يشبع من معرفته أحد منهم.
فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة الله وطاعته وحمده وشكره، من هذا شأنه إلا أردئ القلوب أخبثها وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الله سبحانه قد فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أسمائه وصفاته من خلقه، ومعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا من الله سُبْحَانَهُ ولاشيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمالٍ وجمالٍ في المخلوق من آثار صنعه، وهو الذي لا يُحد كماله ولا يحاط بوصف جلاله وجماله ولا يحصي أحدًا من خلقه ثناءً عليه سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
ما عرفه الخلق كلهم من نعم الله تعالى بالإضافة إلى ما لم يعرفوه أقل من قطرة في بحر، وأقل من ذرة في جبل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
والخلق لم يقصروا في شكر النعمة إلا للجهل بها وبالمُنعم بها والغفلة عنها، فإنهم مُنعوا بذلك عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧].
ثم إن عرف العباد نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول أحدهم بلسانه الحمد لله أو الشكر لله فقط، ولم يعرفوا أن معنى الشكر لله أن تُستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله وعبادته، كما قال سبحانه:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
ولله تعالى في كل موجود حكمة ونعمة فليشكر العبد ربه عليها.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
والشكر على ثلاث درجات:
الأولى: الشكر على المحاب.
فكل الخلق في نعم الله، وكل من أقر بالله ربا وعلم تفرده بالخلق والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه لكن الشاهد في تمام حقيقة الشكر وهو الاستعانة بها على مرضاته: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
ثانيًا: الشكر في المكاره.
وهو أشد وأصعب من الشكر على المحاب، ولهذا كان فوقه في الدرجة فالمسلم لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله به، فإذا نزل به مكروهًا شكر الله تعالى عليه، فكان شكره كظمًا للغيظ الذي أصابه وسترًا للشكوى، وهذا الشاكر قابل المكارة التي يقابلها أغلب الناس بالجزع والسخط وأوسطهم بالصبر وأقلهم بالرضا، وأقلهم بالحمد قابلها هو بأعلى من ذلك كله وهو الشكر والحمد: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
الثالثة: أن لا يشهد العبد إلا المُنعم.
فهو مشغولًا بمراده منه عن غيره، وواقف مع مراد الملك منه لا مع مجرد حظه من الملك، وعبادة النفس أن يقف العبد مع مراده من الله لا مع مراد الله منه، ودرجات الشكر وأنواعه كثيرة فحياء العبد من تتابع نعم الله عليه شكر، ومعرفته بتقصيره عن الشكر شكر، ومعرفته بعظيم حلم الله وستره شكر.
والمعرفة بأن النعم ابتداءً من الله بغير استحقاق شكر، والعلم بأن شكر نعمة من نعم الله شكر، وحسن التواضع في النعم والتذلل فيها شكر، وشكر أهل الجود والإحسان من الخلق شكر؛ فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله.
وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شُكر، وتلقي النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر واستعمال النعمة في طاعة الله شكر، والثناء على الله بها شكر: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
والنعمة هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، وكل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى وهو نعمة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والمدح يحصل للعاقل وغير العاقل، كمدح الإنسان العاقل على حُسن خلق ومدح اللؤلؤ لجماله، أما الحمد فلا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من المعاني والإحسان سواءً وصل إليك أو إلى غيرك، فالحمد لله رب العالمين أنعم علي وأنعم على غيري وأعطاني خيرًا وصرف عني شرًا.
والشكر عبارة عن تعظيم المنعم وشكره على الإنعام الواصل إليك فالمدح أعم من الحمد والحمد أعم من الشكر، فالله سبحانه هو الذي أنعم على البشر بالأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة، فهو الذي أعطاهم إياها وجعل ينميها إليهم شيئًا فشيئًا إلى أن يصل كل أحدٍ إلى الحالة اللائقة به.
وذلك لأجل أن يشكروا الله باستعمال ما أعطاه من هذه الجوارح في طاعة الله خاصةً السمع والبصر والعقل، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فلله الحمد والشكر على ما أعطانا من الخير، وله الحمد على ما صرف عنا من الشر، وله الحمد والشكر على ما أنعم به علينا وعلى غيرنا، وله الحمد والشكر أن ابتدأنا بالنعم قبل أن نسأله، وله الحمد والشكر على دوام النعم خاصةً نعمة الإسلام التي لا يعدلها نعمة.
«اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ لَا مَانِعَ لِمَا مَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ منك الْجَدِّ».
أخرجه مسلم.
«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺحَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقّ».
متفق عليه.
اللهم لك الحمد كله ومنك الفضل كله وإليك يرجع الأمر كله أوله وأخره علانيته وسره كبيره وصغيره لك الحمد لا أحصي ثناءً عليك أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد.
وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا العازب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الجائع الذي أطعمته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد.
وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا الجاهل الذي علمته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد،وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
***
مختارات

