الخزانة التاسعة..
الشكر هو الثناء على المُحسن بما أولاه من أنواع المعروف، الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع له،الشكر هو الثناء على المُحسن بذكر إحسانه ورؤية النعم والمنعم واستفراغ الطاقة في الطاعة وألا تعصي الله بنعمه:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
والشكر والصبر في محل الاستواء، فالشكر وظيفة السراء والصبر وظيفة الضراء، والله يحب الشاكرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، فالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤]
والشكر مبني على خمس قواعد:
وهي خضوع الشاكر للمشكور.
وحبه له.
واعترافه بنعمه.
وثناؤه عليه بها.
وأن يستعملها فيما يحب الرب لا فيما يكره: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
وأقوى الشكر:
رؤية المنعم لا رؤية النعمة، فالمؤمن يتجاوز ببصيرته الخلائق إلى الخالق، والصور إلى المصور، والنعم إلى المنعم:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأكمل الشكر
رؤية النعمة والمنعم وكل ما كان شهود النعمة أتم كان الشكر أكمل، وحقيقة الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٦].
والإيمان نصفان:
نصفٌ شكر.
ونصفٌ صبر.
وقد أمر الله بالشكر ونهى عن ضده، وأثنى على أهل الشكر وجعله غاية خلقه وأمره ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
والشاكرون قسمان:
فشكر العامة: على المطعم والمشرب والملبس والمسكن والمركب ونحوها.
وشكر الخاصة: على ما سبق وعلى التوحيد والإيمان والهداية وهذا أكمل وأعلى وأتم وأشمل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال وما يُحمد الرب تعالى عليه أتم مما يُشكر عليه؛ فإنه يحمد سبحانه على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه ويشكر على نعمه وما يُحمد به أخص مما يشكر به؛ لأنه يُشكر بالقلب واللسان والجوارح ويُحمد بالقلب واللسان.
وكلاً من الصبر والشكر داخلًا في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به؛ لأن الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته، والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر، وإذا كان الصبر مأمورًا به فأدائه هو الشكر، وحقيقة الشكر إنما تلتئم من الصبر والإرادة والفعل، وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر، ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر.
ومقامات الإيمان لا تَعدم ولا تزول بالتنقل فيها بل تندرج ويُطوى الأدنى في الأعلى كما يندرج الإيمان في الإحسان وكما يندرج الصبر في الرضا ويندرج الرضا في التفويض؛ لا أن ذلك يزول والمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواءً كان محبوبا أو مكروهًا، فالفقر مثلًا يتعلق به الصبر وهو خاص به لما فيه من الكراهة والغنى يتعلق به الشكر لما فيه من النعمة.
فمن غلب شهود نعمته في الفقر وتلذذ به عده نعمة يشكر الله عليها، ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى والله ﵎ ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد كل ذلك ابتلاء فقال:﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
الله ﷿ خلق العالم العلوي والعالم السفلي، وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء والعافية والبلاء.
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
والابتلاء بالنعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة أعظم الابتلاءين، والنعمة بالفقر والمرض وفيض الدنيا وأسبابها وهذا الخلق له قد يكون أعظم النعمتين، وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فالرب تعالى يبتلي بنعمه ويُنعم بابتلائه، غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغني عنهما طرفة عين، والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الطعام والشراب أيهما أفضل، وكالسؤال عن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل.
فالمأمور به شرعًا لا يؤده العبد إلا بصبر وشكر والمُحرم لا يترك إلا بصبر وشكر، وأما المقدور الذي يقدر على العبد من مصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره، والله ﷿ امتحن كل عبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادها في الله، فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به وتصبر عن الهوى المنهي عنه فلا ينفك العبد عنه غنيًا أو فقيرًا معافى أو مبتلى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والله سبحانه لم يفضل أحدًا بالفقر والغنى كما لم يفضل أحدًا بالعافية والبلاء وإنما فضل بالتقوى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال النبي ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟،قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ،قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ: وَلَا أَدْرِي قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ، أَمْ لَا - كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».
أخرجه أحمد بسند صحيح.
والناس من آدم وآدم خلق من تراب فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
والتقوى مبنية على أصلين:
الصبر.
والشكر.
وكل من الغني والفقير لابد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل فأتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله هو الأفضل؛ فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
والفقراء وإن كانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وإن سبقوهم بالدخول إلى الجنة، فقد يتأخر الغني والسلطان العادل في الدخول لحسابه فإذا دخل الجنة كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع.
كما قال الرسول ﷺ: «إنَّ المُقْسِطِينَ عند الله على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمينِ الرَّحْمنِ وكلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِم وأَهْلِيهمْ وَمَا وَلُوا».
أخرجه مسلم.
وقد جمع الله سبحانه لرسوله بين المقامين الصبر والشكر على أتم الوجوه، فكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، وحصل له من الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه فكان ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه ﷿ كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى مراتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين.
فصلوات الله وسلامه عليه عدد المخلوقات والذرات والأنفاس وقد جعل الله نبيه غنيًا شاكرًا بعد أن كان فقيرًا صابرًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١].
الشكر مبني على ثلاثة أركان:
الأول: معرفة النعمة وقدرها.
الثاني: الثناء على الله المنعم بها.
الثالث: استعمالها فيما يحبه موليها ومعطيها وهو الله سبحانه.
فمن كملت له هذه الثلاثة فقد استكمل الشكر، وبمشاهدة النعمة يتولد في القلب الحب والتعظيم للمنعم ويُخبت العبد بطاعة من أنعم بها عليه، وكلما ازداد العبد علمًا ومعرفة بحقيقة النعمة ومقدارها ازداد طاعةً ومحبةً وإنابةً واخباتًا وشكرًا وتوكلًا على ربه.
والشكر قيد النعم فإذا شُكرت قرت وإن كُفرت فرت،كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وأعظم الشكر لله سبحانه هو توحيده والإيمان به وتقواه وعبادته وحده لا شريك له، والله ﵎ غنيُ عن كل ما سواه فلا يزداد ملكه شيئًا بشكر الناس له ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يتضرر بكفرهم؛ لأنه الغني الحميد والمنتفع بالشكر هو الإنسان، كما أنه المتضرر بالكفر: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣].
ولكنه سبحانه يحب أن يُحمد ويُشكر ويكره أن يُكفر به بنعمته، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
والكفر بنعم الله مؤذنًا بزوالها عمن كفر بها، كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
فالله حكيمٌ في عطائه حكيمًا في منعه وله الحمد على هذا وهذا وهو الحكيم العليم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن أسماء الله ﷿ الشاكر والشكور والحميد كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وشكر الرب تعالى ليس كشكر الخلق، بل له شأن آخر كشأن صبره سبحانه فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة؛ فإنه يعطى العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
يعطي على الحسنة عشر أمثالها، فيشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى أضعافًا مضاعفة، ويشكر عبده بأن يثني عليه في الملأ الأعلى وبين ملائكته، ويلقى له الشكر بين عباده ويشكره بفعله إذا ترك شيئًا لله أعطاه الله أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩].
فهو سبحانه الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وعلى هذا، فهو سبحانه الغني الحميد الذي وفق العبد للترك والبذل، وشكره على هذا وعلى هذا، فسليمان ﷺ لما عقر الخيل التي أشغلته عن ذكر ربه أعاضه منها متن الريح، ولما احتمل يوسف ﷺ السجن شكر الله له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
ولما بذل الرسل والمؤمنون أعراضهم في الله لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ولما ترك الصحابة ﵃ ديارهم وخرجوا منهم في مرضات ربهم أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم:﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
ومن شكره سبحانه أن يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا بأن يخفف به عنه يوم القيامة، فلا يُضيع الله عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه، فيجازى عليه في الدنيا ويخفف عنه العذاب يوم القيامة لكنه لا يدخل الجنة، ومن شكره سبحانه أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبًا قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لأخر بتنحيته غصن شوك عن طريق الناس، وهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق لمَ يشكر من أحسن إليه؟.
وأعظم من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة:﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]
فهو سبحانه المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤].
وشكره سبحانه يأبى تعذيب عباده بغير جُرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا، فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء كما قال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
ومن شكره سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان ولا يضيع عليه هذا القدر، ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكره وينوه بذكره كما شكر لصاحب يس مقامه والدعوة إليه، ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن أسمائه الحسنى كلها.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
أحب الخلق إليه من اتصف بموجبها وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض سبحانه الكفور والظالم والجاهل والبخيل والجبان واللئيم، وهو سبحانه جميلًا يحب الجمال، رحيمًا يحب الراحمين، محسنٌ يحب المحسنين، شكورٌ يحب الشاكرين، عفوٌ يحب العافين.
***
مختارات

