الخزانة السابعة..
• التفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما:
الله ﷿ هو الذي خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، وخلق الليل والنهار: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
والله ﷿ خلق النهار، وجعل من أعظم آياته الشمس، وخلق الليل، وجعل من أعظم آياته القمر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
والفرق بين خلق الله، وخلق الناس:
أن الخلق المنسوب إلى الله إيجادٌ بعد عدم وتحويل وتغيير.
وخلق الله يتميز بالنمو والتكاثر، والحياة والحركة، والخلق المنسوب إلى الناس مجرد تغيير وتبديل، فالله خلق الخشب والحديد من عدم، ولا يمكن للبشر خلقهما.
لكن الإنسان يستطيع أن يحول الخشب إلى باب، والحديد إلى سيارة، يحوله من صفة إلى صفة؛ لكن إيجاده من عدم مختصٌ بالله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وخلق الإنسان يسمى خلقًا مجازًا؛ لأن الله خلق الإنسان وما يعمل كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر: ٦ - ٨].
فيجوز أن يُقال على مصنوع الآدمي خلقه فلان.
والله سبحانه خلق الشمس والقمر، وجعل الشمس دليلًا على النهار، والقمر دليلًا على الليل، فالشمس توقيت يومي يتبين فيها الليل من النهار، والقمر توقيت شهري يتبين فيه أول الشهر ووسطه وآخره: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ [يس: ٣٧].
والله سبحانه خلق الشمس وجعل لها مستقرين:
الأول: المستقر المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهر تكون أقرب ما تكون إلى العرش، ولهذا نسجد لله في هذا الوقت في صلاة الضحى وفي صلاة الظهر، تعظيمًا للرب الذي خلقها فأطلعها، ثم استوت في كبد السماء، ثم مالت إلى الغروب، فإذا استدارت إلى ما يقابله وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما تكون من العرش فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع في يوم آخر ونحن نصلي في ذلك الوقت صلاة التهجد، وذلك حين وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا فنزدلف إلى الله بتلك الصلاة.
الثاني: المستقر الزماني، وهو منتهى سير الشمس، وهو يوم القيامة، فهي تسير إلى أجل ووقت لا تعدوه، فكما أن الإنسان يعيش في الدنيا إلى أجل ثم يموت؛ كذلك الشمس تجري لمستقر زماني لها وهو يوم القيامة، فإذا وصلته سكنت حركتها، ووقف سيرها وهو مستقرها الزماني، كما قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
وفي اختلاف الليل والنهار آيات.
واختلاف الليل والنهار يكون من وجوه متعددة:
الأول: من جهة النور، فالليل مظلم، والنهار مضيء:﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
ثانيًا: من جهة الطول والقصر، أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ [الحج: ٦١].
الثالث: من جهة الجو، فتارة يكون الليل باردًا، وتارة يكون الليل حارًا، وتارة يكون معتدلًا، وكذلك النهار تارة يكون حارًا، وتارة يكون باردًا، وتارة يكون معتدلًا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
الرابع: من جهة المنافع كالخصب والجدب، فتارة تكون الدنيا خصبًا وربيعًا ورخاءً، وتارة تكون جدبًا وقحطًا وسنين: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
الخامس: من جهة السلم والحرب، فتارة تكون الدنيا سلمًا، وتارة تكون حربًا: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ [آل عمران: ١٤٠].
التفكر في خلق المخلوقات المُكَلفة كالجن والإنس والملائكة:
الله ﷿ خلق الملائكة من نور، ولذلك كانوا كلهم نورًا وخيرًا: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
ويسبحون بحمد ربهم في كل حين.
وخلق سبحانه الجن من مارج من نار، والجن الأبالسة ذرية الشيطان إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين والذي حذرنا الله ﷿ منه بقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
فالجن كلهم مخلوقون من النار، ولهذا كثر فيهم العبث والطيش والعدوان على الناس، ومن استعاذ بالله حفظه الله منهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
والجن مخيرون ومكلفون.
وخلق الله آدم من تراب، وآدم هو أبو البشر والشيطان أبو الجن، والجان أبو الجن المؤمنون والكافرون: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].
والله سبحانه هو القوي وكل ما سواه ضعيف، فالمخلوقات كلها أصغر من الذرة بين يدي الله ﷿، وكلها في قبضة الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وخلق الله جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، لتدل على عظمته، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله وجعلها جميعًا مفتقرة إلى ربها في إيجادها وفي بقائها وحفظها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وخلق الله الإنسان ضعيفًا عاجزًا فقيرًا محتاجًا، ليعلم الإنسان أن له ربًا قويًا قادرًا غنيًا عن كل ما سواه، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
فإذا عرف الإنسان ربه توجه إلى القوي ليقويه، وإلى الغني ليغنيه، وإلى الرزاق ليرزقه، وإلى الشافي ليشفيه:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ومن اتصل بالعزيز فهو عزيز، ومن اتصل بالقوي فهو قوي، ومن اتصل بالعزيز زاده عزة، ومن اتصل بالقوي زاده قوة، فخلق الله الإنسان مضطرًا إلى غيره، فإن توجه إلى العزيز أعزه، وإن توجه إلى المخلوق الذليل أذله، فالإنسان إما أن يسأل حاجاته من الله فيكون عبدًا لله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وإما أن يسألها من غيره، فيكون عبدًا لعبد الله يتوهم ما سوى الله غنياً فيخضع له ويتوهمه قادرًا فيسأله كل شيء، أو يتوهمه إلهًا فيسأله كشف الضُر، وجلب النفع وهذا هو الشرك بالله ﷿: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
التفكر في عظمة خلق الجبال:
الله ﷿ خلق الخلائق العظيمة في العالم العلوي والعالم السفلي، ففي العالم العلوي خلق العرش والكرسي، والسماوات وخلق الشمس والقمر والنجوم، وفي العالم السفلي خلق السهول، والجبال، والبحار والأنهار وغير ذلك مما يخلقه ﷻ في مُلكه العظيم، وكله دال على وحدانيته، مُسبح بحمده، خاضع لمشيئته: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
والله ﷿ خلق الجبال العظيمة وجعل فيها منافع عظيمه لا يحصيها إلا من خلقها، فهي مخزنٌ عظيم للمعادن، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨].
وهذه الجبال العظيمة الموجودة على هذه الأرض العظيمة منافعها لا تُحصى، وأعظم جبال الدنيا وأرفعها جبال هملايا في الهند، يبلغ ارتفاعها أكثر من اثنين وثلاثين ألف قدم، ثلث هذا الارتفاع تقريبًا فوق سطح الأرض.
فسبحان من خلق الجبال الشاهقات، والجبال الراسيات، وسبحان من جعلها أوتادا وأكنانًا ورواسي، ومن جعلها مصدات للرياح، ومن جعلها مستودعات للمياه، ومن جعلها خزائن للمعادن، فهذه الجبال العظيمة ملأها الله بالمعادن التي لا يُحصيها ولا يعلمها ولا يحيط بها إلا الذي خلقها.
ومن منافع هذه الجبال أن الله جعلها سكناً للآدميين كما قال الله ﷿ عن ثمود قوم صالح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف: ٧٤].
وجعلها سبحانه سكنًا للنحل التي أمرها بإعداد العسل،وإخراجه لبني آدم: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨].
والأرض مهاد، والجبال أوتاد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٦ - ٧].
وكل ذره من هذه الجبال تعبد الله ﷿، وتخضع لأمره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والجبال تكاد تنهد من مقالة بعض بني آدم الذين دعوا لله ولدًا كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].
والجبال من أعظم مخلوقات الله ﷿ بعد العرش والكرسي والسماوات والأرض والبحار، ولهذا عُرضت عليها الأمانة فأبت كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والجبال نوعان:
الأول: جبال في الأرض، وهي خزينة للمعادن التي عرف الإنسان منها ما يزيد على مئة معدن من الذهب والفضة، والحديد والنحاس، والرصاص والزنك، والمنجنيز والكبريت، وغيرها.
والجبال مُرسية للأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات: ٣٢].
وصادة للعواصف، وخزائن للمياه.
الثاني: جبال السماء، وهي خزينة المياه والثلوج كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣].
فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه السماء العظيمة، وهذه الأرض المبسوطة، وهذه الجبال العظيمة.
ويوم القيامة تكون الجبال العظيمة كالعهن: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ [القارعة: ٥] وتسير وتُدك مع الأرض ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤].
فيوم القيامة تسير الجبال سيرًا، وتفتت فتاً: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥].
وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧].
فسبحان ربنا العظيم الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة، لتدل على عظمته وجلاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
***
مختارات

