فقه النعم والمصائب (١)
قال الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)} [النحل: ٥٣، ٥٤].
وقال الله تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
الله تبارك وتعالى أنعم على خلقه بنعم لا تعد ولا تحصى، فهو المنعم بجميع النعم المادية والروحية:
نعم على البدن.
ونعم على الروح.
ونعم ظاهرة.
ونعم باطنة.
نعم داخل الإنسان.
ونعم خارج الإنسان.
ونعم في حصول محبوب.
ونعم في دفع مكروه.
ونعم في الدنيا.
ونعم في الآخرة: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)} [لنحل: ١٨].
ولله سبحانه في كل ذرة في الكون نعمة.
وله فيها حكمة.
وله فيها أمر بالإيجاد.
وأمر بالبقاء.
وأمر بالنفع والضر.
وأجل النعم وأعلاها وأشرفها وأكملها نعمة الإسلام، وهي فضل من الله، فهو المانُّ بها ابتداء بلا سبب من العبد ولا استحقاق منه.
وكل ما وصل إلى العبد من خير فهو لله، وبالله، ومن الله.
والعاقل كلما رأى هذه النعم أحدث له ذلك ذلاً وانكساراً، وكلما جدد له نعمة ازداد له ذلاً وانكساراً، وخشوعاً وخضوعاً، وخوفاً ورجاءً، ومحبة.
وإنما يحصل هذا للعبد بأمرين:
الأول: علمه بربه وكماله، وبره وغناه، وجوده وإحسانه، وفضله ورحمته، وأن الخير كله في يديه، وهو ملكه يؤتي منه من يشاء، ويمنع منه من يشاء، وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه.
الثاني: علمه بنفسه، ووقوفه على حدها وقدرها، ونقصها وضعفها، وظلمها وجهلها، وتقصيرها وتفريطها، وأنها ليست بشيء، ولا بيدها شيء، ولا تقدر على شيء.
فإذا صار هذان العلمان صبغة لها علمت حينئذ أن الأمر كله لله، وأن الحمد كله لله، والخير كله بيد الله، وأنه سبحانه المستحق للحمد والثناء والمدح دونها، وأنها هي أولى بالذم والعيب، والفقر والذل واللوم.
ومن أعجب الأشياء:
أن تعرف ربك ثم لا تحبه.
وأن تسمع داعيه ثم لا تجيبه.
وأن تعرف قدر نعمه ثم لا تشكره.
وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره.
وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له بمعصيته.
وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته.
وأعجب من هذا:
علمك بأنك راجع إليه، حامل أوزارك بين يديك، ومعروضة أعمالك عليه.
فسبحان الله كم لعب الشيطان بعقول الناس وأفسد حياتهم؟.
ونعم الله على العباد ثلاث:
نعم حاصلة يعلم بها العبد.
ونعم حاصلة هو فيها لا يشعر بها.
ونعم منتظرة يرجوها.
فإذا أراد الله عزَّ وجلَّ إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة، وأعانه على شكرها حتى لا تشرد، فإنها تقيد بالشكر، وتشرد بالمعصية.
ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره لاجتناب الطرق التي تسدها وتمنع وصولها.
وعرفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها ليشكر ربه عليها.
والله عزَّ وجلَّ أعطى من شاء من خلقه من النعم، كالملك أو المال أو الجاه، أو الأشياء، أو القوة، لينظر من يستخدمها كما أمر الله، ومن يضحي بها من أجل الدين، ومن يستعملها في طاعة الله، وفي إعلاء كلمة الله، ومن يشكره ويحمده عليها، ويستعين بها على طاعة الله.
وليعلم من يستعملها في معصية الله، ومن يترك الدين من أجلها، ومن يشتغل بها عن المنعم بها.
وهكذا الأولاد والزوجات، والصحة والأمن، وسائر النعم كما قال سبحانه: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)} [التغابن: ١٥].
فإن تعارضت هذه النعم مع ما يحب الله، تركها من أجل الدين، ولا يترك الدين وأعمال الدين من أجلها.
ونعم الله لا تعد ولا تحصى، لأن الإحصاء إنما يكون لشيء محدود، ونعم الله لا حد لها، وخزائنه مملوءة بكل شيء كما قال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
وظلم الإنسان له صورتان:
إما بأخذ حق الغير.
أو الحكم للغير بحق ليس له.
وكفر الإنسان للنعم له صورتان:
إما بسترها وعدم البحث عنها في خبايا الأرض، وذلك هو الكسل.
أو نسبتها لغير المنعم بها، أو الاستهانة بها وعدم شكرها، أو صرفها فيما لا يجوز في محرمات أو إسراف أو تبذير.
وإما أن يستنبطها ويتملكها ويحجزها عن الغير، فذلك هو الظلم.
والنعم على ثلاثة أقسام:
الأولى: نعم تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق.
الثانية: نعم وصلت إلينا من غيره، وهي في الحقيقة منه، لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة، والخالق لذلك المنعم، والخالق لداعية الإنعام بالنعمة في قلب ذلك المنعم.
الثالثة: نعم وصلت إلينا من الله بسبب طاعاتنا وهي من الله، لأنه هو الذي وفقنا للطاعات، وأعاننا عليها، وهدانا إليها، وأزاح العلل عنا، فله الحمد والشكر، وهو للحمد أهل.
قال الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)} [النحل: ٥٣].
وكل إنسان سوف يحاسب على النعم التي أنعم الله بها عليه، ويسأل عن شكرها.
وعن استعمالها فيما خلقت له.
وعن صرفها فيما يرضي الله.
وعن أداء حق الله فيها كما قال سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)} [التكاثر: ٨].
مختارات

