الخزانة السادسة..
• التفكر في عظمة قدرة الله ﷻ:
إن آيات الله في الكون كفيلة بتوجيه الناس إلى الإيمان بالله ﷿، لو تدبروها، وتفكروا في خلقها، وجمالها وجلالها،وعظمتها ونموها وبقائها وحركتها ومنافعها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فمن تأمل هذه الآيات العظيمة استيقظ قلبه، وتفتحت مغاليقه، وتوجه قلبه إلى تعظيم مُبدع هذا الكون العظيم:﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ [الجاثية: ٣ - ٥].
والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيءٍ دون شيء، ولا على حال دون حال:
فسبحان من بيده الخلق والأمر، والتدبير والتصريف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
إن الإنسان حيثما مد بصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب، ليعرف الخالق من المخلوق، والصور من المصور، والأرزاق من الرزاق، فهذه السماوات العظيمة بأجرامها آية، وإمساكها آية، وأفلاكها الهائلة العظيمة آية، ونثر هذه الكواكب والنجوم في هذا الفضاء العظيم الهائل آية، ودورة هذه الأجرام في أفلاكها في دقة وانسجام وانتظام آية، وآيات الله لا يحصيها إلا الله ﷻ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
وذلك كله لا تشبع العين من النظر إليه، ولا يشبع القلب من تمليه، ولا يشبع العقل من التفكر فيه، ولا يشبع اللسان من الكلام فيه، ولا تمل الأذن من سماعه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
وهذه الأرض الواسعة العريضة آية، والبشر بالنسبة إليها كالذرة، وهي كالذرة بالنسبة للفضاء الذي يحيط بها، والله يمسكها أن تضطرب أو تزول، وكل شيء في الأرض آية، وكل حي آية، وفي كل جزء من كل شيء في السماء والأرض آية: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
والصغير الدقيق كالضخم الكبير آية، هذه الورقة الصغيرة، وهذه الثمرة اللذيذة في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة آية، آية عظيمة في شكلها وحجمها، وآية في لونها وملمسها، وآية في وظيفتها وتركيبها، وآية في طعمها وحلاوتها، فهل ننظر ونتفكر في خلق هذا النبات المختلف الأنواع وما فيه من الآيات والعجائب، كما قال سبحانه:﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩].
وهذه الشعرة في جسم الحيوان آية، وفي جسم الإنسان آية، وهذه الريشة في جناح الطائر آية، وحيثما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات أمامه، وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره، تخبره أن الذي خلقها هو الخلاق العليم، الذي له مُلك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض.
وهي تسبح بحمد ربها، وتشهد بوحدانيته، وتخضع لأمره:﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
ولكن لمن تُعلن هذه الآيات عن نفسها، ومن الذي يراها ويستشعرها؟ إنهم المؤمنون الذين اتصلت قلوبهم بالله، فعرفوه بآياته ومخلوقاته، فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء، ورؤية النعم والآلاء، والمخلوقات العظيمة.
والإيمان هو الذي تُخالط بشاشته القلوب فتحيا وتستيقظ، وتلتقط ما يظهر به الكون من إيحاءات خفية وظاهرة تشير كلها إلى قدرة الخالق المبدع الذي خلق كل شيء، وأحسن خَلقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
ولكن بلادة الإلفة تذهب بروعة النظر والتأمل، والتدبر والتفكر، في هذا الكون العظيم، الكبير العجيب، الواسع الجميل، أين أهل العقول والألباب؟
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس: ٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ [الأنعام: ٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
فهذا الكون العظيم معرض عظيم متكرر، ثابت ومتغيرٌ، يدعو الإنسان إلى الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فهذا الكون العظيم لا تشبع العين من تملي جماله وروعته، ولا يشبع القلب من تملي إيحاءاته وإيماءاته، ولا يشبع العقل من تدبر نظامه ودقته، والذي يتأمل هذا الكون بهذه العين، وبهذا العقل، يرى معرضاً إلهياً باهراً رائعاً، لا تَخلق بدائعه وعجائبه، لأنها أبداً متجددة للعين والقلب والعقل: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
والإنسان الذي يعرف شيئاً عن طبيعة هذا الكون ونظامه تدركه الدهشة والذهول، ويرى قدرة الجبار في الخلق والتصوير، والتحريك والتسكين، والتغيير والتبديل ومن نعمة الله على البشر أن أودعهم القدرة على التجاوب مع هذا الكون بمجرد النظر والتأمل: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
إن القرآن يكل الناس إلى النظر في هذا الكون المفتوح، وإلى تملي مشاهده وعجائبه، ذلك أن القرآن يخاطب الناس جميعاً على مختلف مستوياتهم العلمية والفكرية والعقلية، يخاطب ساكن المدينة كما يخاطب ساكن الغابة، ويخاطب العالم كما يخاطب الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب.
وكل واحد من هؤلاء يجد في القرآن ما يصله بهذا الكون العظيم وما يثير في قلبه التأمل والاستجابة، وما يعرفه بربه العظيم، ويذكره بآياته ومخلوقاته: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥].
في القرآن الكريم من الأدلة والبراهين والآيات الدالة على كمال الباري ﵎، ووصفه بالأسماء الحسنى، والصفات العلا، الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله وصرف جميع أنواع العبودية الظاهرة والباطنة له تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وإن من أكبر الظلم والفُحش اتخاذ أندادًا لله من دونه، ليس بأيديهم نفع ولا ضر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
وقال الله تعالى: قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
فهؤلاء قد غلطوا أقبح الغلط في عبادة أولئك الأولياء، الله سبحانه هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته، وتوحيده والإيمان به، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع القربات، وهو سبحانه الولي والمولى الذي يتولى عباده وجميع الخلائق بتدبيره ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصاً بإخراجهم من الظلمات إلى النور وتربيتهم بلطفه وعونه: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
***
مختارات

