الخزانة الثامنة..
• التفكر في خلق البحار:
الله ﷿ هو الخلاق العليم الذي خلق العالم العلوي بما فيه، وخلق العالم السفلي بما فيه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وهو سبحانه الذي خلق البحار العظيمة، وأودع فيها المنافع الكبيرة، من مخلوقات لا يعلمها ولا يحصيها إلا هو:﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فسبحان من خلق هذه البحار العظيمة، وخلق فيها من المخلوقات ما لا يعلمه إلا هو: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٤ - ١٨].
والله سبحانه خلق العباد وسيرهم في مصالحهم في البر والبحر: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقد أقسم الله ﷿ على عظمة كلامه بالبحر فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩].
وكلام الله ﷿ صفة من صفاته، فهذا الكون العظيم خلقه الله ﷿ بكلمة كن فكان: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٨].
والبحر هذا الماء السائل أكبر من اليابسة، وهو يُقارب ثلاثة أرباع الأرض، والبحار نوعان، وفي كل نوعٍ مخلوقات عظيمة لا تعيش في البحر الأخر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان: ٥٣].
فسبحان القادر العظيم الذي خلق هذه البحار العظيمة، حُلوها ومُرها، وجعل بينهما برزخًا، فلا يتداخلان ولا يختلفان: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠].
ويوم القيامة تُفَجر البحار: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ [الانفطار: ٣]
وتُسجر البحار نارًا: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦].
فهذا البحر العظيم الذي يحيط بالأرض من كل جهة، خلق الله فيه مخلوقات عظيمة، وملأه بالمخلوقات من أسماك وحيوانات لا يحصيها إلا الله، ولولا أن هذه الأسماك يأكل كبارها صغارها، لصار البحر قطعة من اللحم.
فسبحان الخالق الذي خلق، الذي يربي خلائقه في البر والبحر والجو، وفي السموات وفي الأرض: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
ويعيش في هذا البحر مخلوقات عظيمة، ومن أعظم المخلوقات التي تعيش في هذا البحر الحوت، فقد خلق الله في هذا البحر أكثر من مليون نوع من الأسماك المختلفة الأحجام، والألوان، والأوزان، والأشكال، والطعوم.
والحوت من أعظم الأسماك التي عرفها البشر، وهي تلد ولادة، وما سواها يبيض بيضًا، هذا الحوت يبلغ طوله في المتوسط ثلاثون مترًا تقريبًا، ويزن مائة وخمسين طنًا تقريبًا، ويعيش في المحيط المتجمد الجنوبي، ويُستخرج من الحوت خمسون طنًا من اللحم وخمسون طنًا من الدهون وتسعون برميلًا من زيت الحوت، ويزن لسانه خمسمائة كيلو، ويأكل كل يوم أربعة أطنان، وإذا أرضع الحوت وليده فالرضعة الواحدة تبلغ ثلاثمائة كيلو جرام تقريبًا، ووجبة الحوت اليومية أربعة أطنان أعدها له ربه الرزاق الذي تكفل بأرزاق الخلائق في كل مكان: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فسبحان العظيم الذي خلق هذا الخلق العظيم، وهداه لما يصلحه، وأمده برزقه، وهيأ له سكنه، فلا إله إلا الله كم نوعًا من الأسماك خَلق، وكم نوعًا من الحيوان خَلق، وكم نوعًا من الأطيار خلق، وكم نوعًا من النبات خَلق وكم نوعًا من الأزهار، وكم نوعًا من الأحجار، وكم نوعًا من النجوم:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
التفكر في خلق الزمان والمكان:
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فخلق سبحانه السموات والأرض، وخلق الليل والنهار:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
فالمكان ظرف للأشياء، والزمان ظرف للأعمال، وما في داخل الظرف أعظم من الظرف، وهو الإنسان الذي خلقه الله بيده، وأكرمه بالدين الحق.
والله ﷿ جعل الزمان مقدرًا من أربعة أوجه:
السنة.
والشهر.
واليوم.
والساعة.
فالسنة: عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك إلى أن تعود إليه.
والشهر: عبارة عن حركة القمر من فلكه من نقطة معينة إلى أن يعود إليها فيبدو هلالًا، ثم يكمل، ثم ينقص كما بدأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
واليوم: عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، والليلة عبارة عن كون الشمس تحت الأرض، وتبدأ الأيام بلياليها فالليلة تسبق اليوم.
وأما الساعة: فهي جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وهي مجموع الليلة ونهارها.
وقد جعل سبحانه المكان ظرفًا للأشياء كالجبال والبحار والنبات والإنسان وغيرها، وكالملائكة في السماء، والزمان ظرفًا للأعمال الدينية والبدنية والدنيوية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
والله سبحانه خلق الشمس والقمر والكواكب، وصب فيهن من نوره؛ لأنه خالق النور في الشمس والقمر والنجوم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥].
وخص الله القمر بالاختلاف دون الشمس، لحكم عظيمة، وأسرارٍ حكيمة، وعقول البشر عاجزة عن إدراك آيات الله في ملكه وملكوته، ومن تلك الحكم والأسرار: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
فالشمس خلقها الله تنير هذا الكون، وتمده بالحرارة والضياء، وجعلها للتوقيت اليومي، والقمر جعله الله ﷿نورًا، وفيه منافع ومصالح، وخلقه ﷻ للتوقيت الشهري، والسنة للتوقيت العمري.
فسبحان من خلق الشمس، وأبقاها على حالها، وسيرها في الكون، وخلق القمر، وجعله مختلف الحجم والإنارة، ليصير الكل شاهدًا على افتقاره إلى قادرٍ حكيم عليم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٦].
والأشهر مواقيت مشهورة، وعددها اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، كما قال الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه العوالم العظيمة كالسموات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، هذه المخلوقات خلقها الله ﷿ دالة على وحدانيته، وكمال قدرته، ومسبحة بحمده، وخاضعة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
• التفكر في عظمة قدرة الله:
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو القادر القدير على كل شيء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ومن علامات قدرته الباهرة ﷻ أنه خلق السموات السبع، وخلق الأراضين السبع، وخلق الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٢٩ - ٣٠].
وهو سبحانه الملك الحق، الذي لا يخفى عليه ما يجري في مُلكه العظيم على أيدي عباده من الخير والشر، والعدل والظلم، فهو السميع لما يقولون والعليم بما يفعلون؛ لأنه العلي الكبير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦١ - ٦٢].
وهو سبحانه الذي خلق السموات والأرض، وخلق ما بينهما من الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والليل والنهار:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
هو سبحانه القادر على كل شيء، يولج الليل في النهار بإدخال جزءٍ من الليل في النهار فيطول النهار في الصيف؛ لأنه أولج فيه شيئًا من الليل، ويولج النهار في الليل بإدخال جزء من النهار في الليل فيطول الليل في الشتاء، لأن الله أولج فيه شيئًا من النهار.
وكذا يولج الليل في النهار بتحصيل ظلمة الليل في مكان ضياء النهار بغيبوبة الشمس، وضياء النهار في مكان ظلمة الليل كما يضيء البيت المظلم بالسراج، ويظلم بفقده، وهذا وهذا من أدلة قدرته الكاملة، وقوته القاهرة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
فالله قوي عزيز يُمسك السماء أن تقع على الأرض، ويُمسك السموات والأرض أن تزولا، فلو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، وزالت فأهلكت من عليها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فلا إله إلا الله ما أعظم قدرته وقوته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ [المؤمنون: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢].
والله سبحانه قوي عزيز، قدير على كل شيء، قاهرٌ لكل شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يعز بأسباب الذلة كما عز أنبياءه وأولياءه مع قلة أعدادهم وعُدتهم، ويذل بأسباب العزة كما أهلك قوم نوح مع كثرتهم، وقوم عاد مع قوتهم، ودمر فرعون مع مُلكه، وخسف بقارون مع كثرة ماله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وهو سبحانه القوي القادر، القاهر الجبار، الذي يُنجي بأسباب الهلاك كما أنجى إبراهيم من النار مع اشتعالها:﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وأنجى موسى وقومه من الغرق، ويُهلك بأسباب النجاة كما دمر فرعون وقومه مع ملكه، ويربي سبحانه أولياءه في بيوت أعداءه كما ربى موسى ﷺ في بيت فرعون: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
***
مختارات

