الخزانة العاشرة..
• أقسام الموجودات:
الموجود ثلاثة أقسام:
الأول: موجود لا بداية له ولا نهاية، ولا أول ولا أخر، وهو الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وهو حي قيومُ لا ينام ولا يموت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والرب الذي هذه أسمائه وصفاته يحب إخلاص العبادة له:﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الثاني: موجودٌ له مبدأ ومنتهى، وهم ما سوى الإنس والجن من المخلوقات كالنبات والحيوان، وغيرهم من المخلوقات التي يعلمها لله ﷿.
الثالث: موجود له مبدأ، وليس له منتهى، وهم الجن والإنس.
فهؤلاء يعيشون في الدنيا، ثم يموتون، ثم يبعثون يوم القيامة، ثم يُخلدون في الجنة أو النار كلُ حسب عمله أبد الآباد، فكن عالماً وعاملاً بكل ما يريده الله منك من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وما يريده الله منك أربعة أمور:
الأمر الأول: عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
الثاني: تعليم شرع الله ﷿: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فنتعلم العلم، ونعمل به، ونعلمه غيرنا.
الثالث: الدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
الرابع: التخلق بالأخلاق العالية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
التفكر في أقسام الأحياء:
الأحياء التي خلقها الله ثلاثة أقسام:
الأول: حي ناطق لا يموت، وهم الملائكة.
الثاني: حي ناطق يموت، وهم البشر.
الثالث: حي غير ناطق يموت، وهم البهائم.
وأشرف هذه الثلاثة الحي الناطق الذي لا يموت وهم الملائكة، وأوسطها الإنسان، وأدناها الحيوان.
فالقسم الأول وهو الحي الناطق الذي لا يموت: وهم الملائكة، نحبهم ونقتدي بهم في طاعة الله، والبشر نجتهد عليهم ليكونوا مؤمنين، لينطقوا بكلمة التوحيد، ويستقيموا على أوامر الله.
فالملائكة الذين: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
هؤلاء الملائكة هم قدوة البشر، وأما البهائم فنحمد الله على ما سخرها لنا، ونحسن إليها، فإن الله كتب الإحسان في كل شيء.
قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ،» أخرجه مسلم.
والإنسان الذي آمن بالله، وأمتثل أوامره، أشرف من الملائكة؛ لأنه جاء إلى الله اختياراً، أما الملائكة فهم مسخرون ومجبولون على الطاعة والتسبيح والتقديس كما جبلت الشمس على الإنارة، والأرض على الإنبات.
والإنسان الذي كفر بالله وعصاه أخس رتبة من البهائم؛ لأن البهائم تأكل وتشرب، وتُغذي غيرها حليباً ولحماً وسمناً: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
• التفكر في خلق الإنسان:
جمال الروح بالتوحيد والإيمان والتقوى:
فنظر الملائكة يقع على الأرواح، ونظر البشر يقع على الأشباح، والملائكة أرواح نورانية مشغولة بطاعة الله، وامتثال أمره، وتسبيحه وتقديسه.
هؤلاء الملائكة إذا رأوا في روحك الصورة الحسنة، وهي معرفة الله وتوحيده وطاعته قبلوك وأحبوك واستغفروا لك، ولهذا الملائكة لما رأوا روح أبيك آدم ﷺ محلاً للشهوة والغضب وغيرها من الصفات الذميمة ما قبلوه بل اعترضوا على كونه خليفة في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
وأبواك لما رأوا قبح صورتك حين كنت منياً، كذلك ما قبلوك، بل أظهروا النفرة واستقذروا ذلك المني، وغسلوا ثيابهم منه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣].
ثم إن الله لما أعطاك الصورة الحسنة، وخرجت من بطن الأم، قبلوك وأحبوك، وكذلك الملائكة لما رأوا صورتك الروحية الحسنة المزينة بالتوحيد والإيمان والتقوى أحبوك واستغفروا لك: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٧ - ٨].
وأحسن الناس صورة، وأجمل الخلق روحاً، وأفضل الناس أخلاقاً، وأحسن الناس تعبداً، محمد ﷺ سيد الخلق أجمعين، الذي كان أحسن الناس خَلقاً وخُلقاً، وكان خُلقه القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وسنة الله ﷿ جارية في المؤمنين والكافرين ثابتة لا تتبدل،فمن آمن بالله وأطاعه نصره ربه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
ومن كفر بالله وعصاه أهلكه الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ٦ - ١٤].
وكل من خالف رسل الله إنما خالفهم حرصاً على الدنيا وطلب لذاتها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
ثم انقرضوا فلم يبق من دنياهم آثر، وإنما بقي لهم اللعن في الدنيا، والعقاب في الآخرة، فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والكافر بقي عليه بعد موته اللعنة في الدنيا، والعقوبة في الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والتأمل في حياة هؤلاء وهؤلاء يدفع العاقل إلى الإيمان بالله، والإعراض عن زينة الحياة الدنيا، وهجر الكفر والكافرين: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧].
هذه عاقبتهم: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
• التفكر في أقسام خلق الله ﷿:
الله ﷿ له المُلك والملكوت، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، هو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، خلق الله قوماً وجبلهم على الخير والطهارة والطاعة، وخلق قوماً وجبلهم على الخبث والخساسة، ثم يسر كلاً لما خُلق له، بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإكرامهم بالأسماع والأبصار والعقول، فصرف الطيبين بقدرته وإرادته إلى ما شاء من الخير، فأتوه طائعين، فأدخلهم جنته، وصرف الخبيثين بقدرته وإرادته إلى ما شاء من شرٍ، فأتوه طائعين، فأدخلهم النار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
الله سبحانه بعلمه السابق يُصَرف أقدار الخلق وإراداتهم، حتى يأتوا بما سبق به العلم الأزلي، فلا يقع في ملكه شيء إلا بإرادته ومشيئته، وإذنه وعلمه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وليس كل ما أراده الله يحبه، وكل فعله حقٌ سبحانه، وهو الحكيم العليم، فالله ﷿ يحب الإيمان ويريده، ويكره الكفر ويريده، وخلق خلقه منهم كافر ومنهم مؤمن، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وخلق عباده هكذا، ليُظهر فيهم عظمة أسمائه وصفاته، وبعض أسرار عظمته ﷻ، فكما خلق من خلقه أشقياء ظهر فيهم ما عنده ﷻ من العدل والحكمة البالغة، وظهر فيهم بعض أسرار أسمائه كالجبار والقوي والقهار، وظهر فيهم عظمته وقدرته وشدة عقابه، ليحصل منهم الخوف منه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وخلق قوماً آخرين وفقهم للخير، ليُظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته من الرحمة والرأفة والكرم والحلم، ليجمع العبد بين المحبة والخوف.
فاقتضت حكمة الله الحكيم ﷻ أن يقسم خلقه إلى صنفين، ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته وأفعاله، وأقام الحجة على الكل ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وزودهم بالعقول والأسماع والأبصار، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
***
مختارات

