الخزانة التاسعة..
• فقه التفكر في القيام بين يدي الله:
كيف تقف بين يدي ربك العظيم في الصلاة؟
المؤمن يقف بين يدي ربه العظيم في صلاته ناظراً إلى أمرين
عزة الربوبية، وذلة العبودية
فإذا وقفت أمام ربك في الصلاة فاستحضر عظمته وكبرياءه، واستحضر جملة مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي، وما فيهما من المخلوقات العظيمة العجيبة التي تشهد بوحدانية الله، وتسبح بحمده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١].
فإذا استحضرت هذه المخلوقات العظيمة فقل الله أكبر الذي خلق هذا الكون العظيم، والملك الكبير، لتجد طعم التكبير في قلبك.
الله أكبر الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، المنزه عن مشابهة لمخلوقاته الذي تعجز العقول عن إدراك كنه عظمته وجلاله وكبريائه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
وصل لربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقل الله أكبر مما عرفت، ومما لم أعرف.
وقل الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم
والله أكبر من أن يقدر الخلق على أداء حق عبوديته، فطاعاتهم وعباداتهم قاصرةٌ عن واجب عبادته، وثناؤهم قاصرٌ عن مجده وكبريائه، وعلومهم قاصرةٌ عن معرفة كنه صماديته: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وجماله، ثم قل سبحانك اللهم بحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واقرأ سورة الفاتحة واجعلها مرآةً تبصر فيها جمال ربك وجلاله، وترى فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة، وأنوار اسماء الله الحسنى،وصفاته العلى وقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
آمين
فإذا قلت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣].
فأبصر به عالم الجمال وهو الفضل والإحسان، والرحمة الشاملة في ملك الله العظيم.
وإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤].
فأبصر به عالم الجلال وما يحصل به وفيه من الأهوال العظيمة.
فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧].
فأبصر به من تعبد، ودرجات أرباب السعادات من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومراتب الفساق المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وتركوه، ودركات الكفار الضالين ذاكراً ربك ﷻ.
وإذا انكشفت لك هذه الأحوال العظيمة فاعلم أنك ما عرفت إلا القليل فعد إلى الإقرار لربك الكبير بالكبرياء وقل الله أكبر، وأقر لنفسك بالذلة والمسكنة، ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة بالركوع للعظيم، وقل سبحان ربي العظيم الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والارض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض وله ميراث السماوات والأرض
ثم عد إلى القيام ثانياً قائلاً الله أكبر، وادعوا لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل سمع الله لمن حمده فإذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك
ثم عد إلى التكبير، وانحدر به إلى الأرض متواضعاً بصفة العلو، وقل سبحان ربي الأعلى، لأن السجود أكثر تواضعاً من الركوع، والسجدة الأولى سجدة الشكر لما أعطانا الله ﷿ من نعمه ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه العبد من أداء حقوق جلال الله وكبريائه، وتذكر بالسجدة الأولى أنك خلقت من تراب، وتذكر بالسجدة الثانية أن ستعود إلى التراب.
فلا إله إلا الله، ما أعظم الوقوف بين يدي الله بهذه المعاني:﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١].
• فقه التفكر والتدبر في الشريعة:
الكفر ببعض الشريعة كفرٌ بجميعها، والكفر ببعض الرسل كفرٌ بجميعهم، والإيمان ببعض الرسل دون بعض كفر بالجميع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
والفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
لكن إذا وُجد موانع لم تتمكن من الهدى، وكل أمر لا يحصل إلا بوجود سببه، وانتفاء موانعه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨].
ومن آمن بالله ﷿ أخذ مفتاح الإيمان الذي يُدخله الجنة، وبمفتاح الإيمان يحصل العبد على مفتاح التقرب إلى الله، فيكون هو البادئ، إذا ذكر العبد ربه ذكره، وإذا أوفى بعهده وفى الله بعهده، وإذا نصر ربه نصره الله.
فإذا آمن الإنسان سلم الله إليه مفتاح التقرب إلى ربه،والتودد إليه بأنواع العبادات والطاعات: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠].
ويقول الله ﷿ في الحديث القدسي: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُ» متفق عليه.
والتكليف من الله ﷿ إسعاد للإنسان الذي آمن به.
فالإسلام فيه سلم مع الرب، وسلم مع النفس، وسلم مع الناس، وسلم مع الكون ومن فيه، ليكتنف السلام الإنسان من كل جهة في الدنيا والآخرة.
فالمسلم في سلام مع خالق الكون، يؤمن به، ويصدق أخباره، ويمتثل أوامره، فيسعد في الدنيا والآخرة.
والمسلم في سلام مع النفس، يحملها على ما يسعدها في الدنيا والآخرة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
والمسلم في سلام مع الكون المسخر له، من سماء وأرض وغيرها من المخلوقات، وكل ذرة في الكون تُسر بطاعة الله، وتلعن من عصى الله، وكل عضو في الإنسان خاضع لإرادة الإنسان، فإن أطاع الله به سره ذلك و حمد العبد الذي أطاع ربه، وإن عصيت الله به أطاعك ذلك العضو ولعنك؛ لأن هذا العضو خاضع لأمرك في الدنيا، فأطع الله به ولا تعصه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وجوارح الإنسان لا إرادة لها مع الإنسان، فهي خاضعة لإرادة الإنسان في جميع الطاعات والمعاصي، فإن أطاع الله بها فرحت وسُرت وحمدته، وإن عصي الله بها أطاعته ولعنته، فإذا كان يوم القيامة شهدت عند الملك الحق بما عملت أيها الإنسان من خير أو شر، ثم يسعد الله النفس التي أطاعت ويعذب النفس التي عصت، بخلق أجساد وأعضاء تناسب النعيم أو العذاب يوم القيامة:﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
والسلم والإسلام تساند القوى في النفس والكون بحيث لا تتعاند، والحرب إنما تنشأ من تعاند القوى في النفس والكون، تعاند قوى النفس هو حرب مع النفس، وتعاند قوى البشر حرب البشر مع البشر، وتعاند النفس مع أوامر الرب، والحرب لا تنشأ إلا إذا اختلفت الأهواء: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وأهواء البشر مختلفة لا يمكن أن تتحد إلا إذا اجتمعت على الحق والهدى، إلا إذا كانت محروسة بقيم ممن لا هوى له وهو الله الحق ﷻ وإلا فسدت الكون: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ [المؤمنون: ٧١].
فكل تابع يؤمن بأن المتبوع فوقه في الصفات، وليس في الكون إلا واحدٌ فقط له كمال الأسماء، والصفات، والأفعال، من العظمة والكبرياء، والقوة والقدرة، والغنى والرحمة، وهو الله الذي يحب طاعته وعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وكل ما سوى الله خاضعٌ له، مطيعٌ لأمره الكوني، مؤمن بأنه فوقه، وهذا الإله الحق غني عمن سواه، وكل ما سواه محتاج إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وهذا الإله العظيم غني لا مصلحة له فيما شرع لعباده.
أما المشرعون من البشر فلهم مصلحة فيما يشرعون، ولهذا يظلمون غيرهم، ليستفيدوا منهم ويقدموا حظهم على حقوق غيرهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
فمن فر إلى الله أفلح، ومن تعلق بغير الله هلك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فقه التدبر والتفكر في أمور الدين والدنيا:
في الوجود اثنان:
رب ومربوب.
وملك وعبيد.
وخالق ومخاليق.
فالله ﷻ هو الرب العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
ولا معروف أعظم منه ﷻ، ولا معروف أكبر منه، فهو العظيم، وهو الكبير الذي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
ولا معروف أشرف من تعظيمه، وإظهار عبوديته، وإظهار الخشوع والخضوع على باب عزته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وكل ما سوى رب العالمين فهم عبيده ومخاليقه، وقد أمرنا الله ﷿ بإيصال الخير إليهم ورحمتهم، فمن كان منهم حيًا عاقلًا وهو الإنسان، فإيصال الخير إليه بدعوته إلى الإيمان بالله، وعبادة ربه ﷻ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وإن كان حياً لا عاقلاً فيجب الإحسان إليه، وعدم إيذائه:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وإن لم يكن حياً ولا عاقلاً، وهم جملة المخلوقات العظيمة في العالم العلوي، والعالم السفلى، فيجب النظر إليهم بعين التعظيم من حيث أنهم خلق الله الدال على عظمته وجلاله وجماله وكماله، والنظر إليهم وهم يشهدون لله بالوحدانية، ويسبحون بحمده، وكل ذرة من هذه المخلوقات العظيمة دال على عظمة الله وجلاله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والحضارة المادية التي فتح الله ﷿ على الإنسان أبوابها وفنونها، لها منافع ومضار.
فالنافع منها: أنها خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث أنه جسد حيواني، فوفرت له الفراش الذي يجلس عليه، والسيارة التي يركبها والأواني التي يستعملها وغير ذلك من المنافع.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨].
والضار منها: أنها أهملت بالكلية الناحية الروحية التي هي الدين الذي هو أصل كل خير في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والحضارة المادية غنية بأنواع المنافع من الناحية الأولى من الأشياء الصناعية والتجارية والزراعية وغيرها، مفلسة إفلاسًا كليًا من الناحية الثانية، وقد ذم الله الكفار الذين:: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧].
فنأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطى للدين بقدر الطاقة:: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
وطغيان المادة على الروح يهدد العالم أجمع بالدمار الشامل، الذي يهدد العالم الآن كما هو مُشاهد الآن، وموقف المسلم من الحضارة المادية أنها مشتملة على خير وشر، ونافع وضار، وحسن وسيء، وطيب وخبيث، وحلو ومر، والعاقل يختار ما ينفعه، ويترك ما يضره.
وموقفنا من هذه الحضارة واحد من أربعة أقسام:
الأول: أخذ تلك الحضارة كلها نافعها وضارها، حلوها ومرها.
الثاني: ترك نافعها وضارها.
الثالث: أخذ ضارها، وترك نافعها.
الرابع: أخذ منافعها، وترك ضارها، وهذا هو الصواب، وهذا هو الواجب: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
فالثلاثة الأولى كلها باطلة؛ لأنها تفسد الأمة وتضعفها، فتعين الأخذ بالقسم الرابع بأخذ النافع، وترك الضار الذي يهدم الأخلاق والدين.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]
***.
مختارات

