الخزانة الثالثة..
إحقاق الحق وإبطال الباطل بيد الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].
وقال ﷿ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ [الأنفال: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ [الرعد: ١٦ - ١٧].
وسنه الله ماضية أن الحق يلاحق الباطل، وأن الباطل يلاحق الحق؛ ليعلم الله المؤمن من الكافر والصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق.
وأضل أدواء هذا العالم بعد الشرك بالله هو التنازع، الذي سببه تقديم المصالح الشخصية على المصالح العامة، فأعظم شيء بعد التوحيد هو الاجتماع والوحدة، وأخطر شيء هو التنازع والفرقة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
والتنازع يسبب كل شرًا وبلية وكل فشلًا وهزيمة، كما قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
وقد نزلت بسبب هذه البلية، بلية الفرقة والاختلاف والنزاع وتقديم الأغراض الشخصية على المصالح العامة كثيرًا من المصائب على المسلمين، كما حصل في غزوة أحد لما ترك الرماة أماكنهم في سفح الجبل ولم يبقى إلا قلة من أجل جمع الغنائم، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ فصعد المشركون على الجبل وقتلوا من بقي من المسلمين.
وضربوا المسلمين من وراء ظهورهم، ودارت عليهم الحرب فقتل من خيار الصحابة سبعون رجلاً منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ﵁، وشج النبي ﷺ في وجهه، وكسرت رباعيته، فلما قال المسلمين أن هذا قال الله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].
فلما جاءت فيهم هذه الصفات الأربع رفع الله النصرة عنهم، ونصر رسوله ونصر الإسلام، ووقعت الهزيمة عن المسلمين، ولكن الله ﷿ تاب عليهم وعفا عنهم، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥].
فالنزاع بسبب المصالح الشخصية من أكبر أسباب الضعف والفرقة والهزيمة، وسبب النزاع ضعف العقل الذي يدرك المصالح والمضار، فإذا ذهب العقل حصل النزاع والخلاف المدمر؛ لأنه يجعل أخاك ضدك وصديقك عدوك، كما قال سبحانه عن اليهود: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ [الحشر: ١٤].
فالنزاع في الحق يولد الفشل، والفشل يولد الضعف والخور:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦].
وسبيل الله ﷿ هي الطريقة الموصلة إلى رضاه، وهي دين الحق، دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، ووظيفة السبيل إلى الله؛ لأنه الذي شرعها وأمر بسلوكها واجب السير عليها ووعد من سلكها الخير والجنة، وتوعد من لم يسلكها بالشر والنار: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والسبيل هي الطريق، وقد جاءت في القرآن مذكرة، كما قال سبحانه ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وجاءت سبيل الله مؤنثة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
أقسام الخلق في قبول الحق، الناس بالنسبة لقبول الحق ثلاثة أقسام:
الأول: من له قلبا ذكى وهو يقبل العلم بذكائه ويثمر فيه وجوه الخير والحكمة بزكاته: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فهذا عالمًا يعلم عابد لله داع إِليه فهذا بأرفع المنازل لأنه من ورثة الرسل، فهو كالأرض الذكية القابلة للشرب والنبات إِذا أصابها الغيث ارتويت منه ثم أنبتت من كل زوج بهيج: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]
الثاني: من له قلبًا حافظًا للعلم فهو يحفظه ثم يؤديه كما سمعه، فلا تصرف له فيه ولا استنبات فهو حامل فقه غير فقيه، هذا كالأرض الصلبة الطيبة التي تحفظ الماء حلواً ينتفع الناس بورودها ويسقون زروعهم ومواشيهم منها وهذا دون الأول.
الثالث: من له قلب قاس لا يقبل العلم ولا الفقه فيه، فهذا بمنزلة الأرض البوار والقيعان التي لا تحفظ ماءًا ولا تنبت كلأً، فهذه أقسام الخلق في قبول الحق الأولان سعيدان والثالث شقي.
عَنْ أبي موسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»متفق عليه.
واللسان له عبوديتان:
الكلام مع الحق.
والكلام عن الحق.
فالكلام مع الحق يكون بذكره ودعائه وحمده وشكره.
والكلام عنه بالدعوة إليه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
واللسان فيه آفتين عظيمتان:
إن سلم من إحداهما لم يسلم من الأخرى.
آفة الكلام.
وآفة السكوت.
والساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، وكل واحدًا أعظم من الأخر، بحسب موضوعه ووقته، وأكثر الناس منحرفاً في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين في شقاء، وأهل الوسط أهل الصراط المستقيم، الذين تكلموا بالحق وسكتوا عن الباطل ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
عن رسول الله ﷺ قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» متفق عليه.
كتمان الحق والعلم من أعظم الذنوب، فكاتم الحق والعلم يلعنه الله ويلعنه اللاعنون فكل شيء في الوجود يلعنه النبات؛ لأنه حرم من الري بسببه ويلعنه الحيوان؛ لأنه حرم الري بسببه ويلعنه كل مكان؛ لأنه خالف ما عليه الأمكنة والأزمنة من التسبيح لله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فعقوبة كاتم الحق والعلم عظيمة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم يَعْلَمُهُ فَكَتَمَ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَام مِنْ نَار» أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح.
فكاتم الحق مستحق لهذه اللعنة إلا من تاب قبل موته بالرجوع عن الكتمان، وصلاح ما أفسد وبين ما كتب فإن الله يتوب عليه.
أقسام الخلق في قبول الحق الناس بالنسبة لما بعث الله به رسوله محمد ﷺ من الهدى والعلم ثلاثة أقسام:
الأول: من فقه في دين الله فعلم وعمل وعلم غيره، فهذا مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء وأنبتت العشب الكثير والزروع، وانتفع الناس بها: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]
الثاني: من حمل العلم والهدى للناس ولكن لم يفقه ما فيه من الهدى، فهم رواة للعلم حفظوا وبلغوا الناس، فهؤلاء كالأرض والقيعان التي أمسكت الماء فاستسقى الناس منه لكن الأرض نفسها لم تنبت.
الثالث: ما لم يرفع بالهدى والعلم رأس وأعرض عنه، فهذا لم ينتفع به ولم ينفع كالأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ، وخير الأقسام الأول لأنه فقه وعلم، ونفع نفسه ونفع غيره، غيره الثاني وهو من علم وحفظ لغيره، والثالث لا خير فيه لأنه علم ولم يعمل ولم يعلمه للناس.
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»متفق عليه.
والناس في قبول الحق وعدم قبوله بثلاثة أقسام:
الأول: قسم عرف الحق وعمل به وهؤلاء هم المسلمون: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
والثاني: قسمًا عرف الحق واستكبر عنه، فلم يقبله كاليهود.
والثالث: قسم ضل عن الحق فلم يعرفه كالنصارى قبل بعثه النبي ﷺ وما بعد بعثته فقد عرفوا الحق واستكبروا عنه كاليهود، فهم مغضوب عليهم كاليهود.
وهداية من ضلوا عن الحق أن يبين لهم الحق وهذه الهداية،حقًا على الله أوجبه على نفسه كما قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل: ١٢ - ١٣].
وأما هداية التوفيق لقبول الحق والعمل به، فهذه بيد الله وحده يخص الله بها من يشاء من عباده ومن يعلم أنه يصلح لرسالته وقبول هدايته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].
فالهداية هدايتان:
الأولى: هداية بيان الحق وهذه عامة بين كل احد وأوجبها الله على نفسه وكلف بها رسله ومن آمن بهم خاصة أمة محمد ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
الثانية: وهداية التوفيق بقبول الحق والعمل به، وهذه يختص الله بها من يشاء من عباده.
أما حكم قبول الحق: فيجب قبول الحق ولو جاء من أي إنسان، سواء كان مسلماً أو مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً حتى لو كان شيطان.
إن الله قبل الحق من المشركين لما عللوا فعل الفاحشة حين وجد عليه آبائه، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
وقبل النبي ﷺ من حظر اليهود ما أمر به عن الله حين قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالْأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «أخرجه البخاري.
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وأقر الحق الذي جاء به الشيطان حين أوصى النبي ﷺ أبا هريرة بقراءة آية الكرسي عن النوم فقال النبي ﷺ عن الشيطان: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» الشيطان أوصى أبا هريرة بقراءة آية الكرسي عن النوم فقال النبي عن ذلك: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» أخرجه البخاري.
***
مختارات

