الخزانة السابعة..
فقه الإيمان باسم الله الرفيق:
مقصود الرب من خلقه تحصيل صفاته، والتعبد له بها على شاكلة العبودية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
ومن عرفَ الله ﷿ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ اطمأن قلبه إلى قضاء الله وقدره، وشرعه، وزرع ذلك في قلبه شجرة الإيمان، التي تثمر شجرة الإحسان، التي تورثه حُسن التعبد لله ﷿، الذي يثمر له الجنة والرضوان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
ومن عرف ربه باسمه الرفيق رفق بنفسه فلم يحمّلها ما لا تطيق، وراقب نفسه، وحاسبها على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من النيات والأقوال والأفعال، لعلمه أن ربه قريبٌ رقيبٌ عليه،عليمٌ لا يخفى عليه شيء: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وحظك أيها العبد من اسم الله الرفيق أن ترفُق بنفسك، بحَملها على طاعة الله، واجتناب معاصيه بلا تشديدٍ ولا تعسيرٍ، وأن تجعل الرفق قائدك ودليلك مع جميع الخلق في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين، لتصل إلى قلوب الناس بحسن الرفق واللطف، وتؤثر فيهم حُسن أخلاقك ليكون لأمرك ونهيك وقعًا في قلوبهم، ويكون ذلك عونًا لك على ما تريد منهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فعليك يا عبد الرفيق بالرفق والتأني في كل الأمور مع النفس، ومع الخلق، ومع الإنسان، ومع الحيوان، ومع الأهل، والأقارب، والجيران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٢ - ١٣].
وقال النبي ﷺ: «ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نزع من شيء إلا شانه».
أخرجه مسلم.
واعلم أنك إذا رفقت بمن سبَّك أو شتمك، أو آذاك من الخلق، فإن الله سيدفع عنك شرهم، ويدفع عنك من شرهم ما لم يندفع عنك بمقابلتهم بمثل أفعالهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
ومن عرف ربه باسمه الرفيق أثمر له الحياء من ربه، وخوفه، ورجائه، ولزوم الاستقامة على أوامره في كل حال:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن عرف الرفيق سبحانه رفق بخلقه؛ فوصلَ من قطعه، وأعطى من حرمه، وعفا عمن ظلمه، وأحسن إلى من أساء إليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وحظ الحاكم من اسم الله الرفيق أن يرفق برعيته؛ فيحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ويأخذ بأيديهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، ويحكم بينهم بالحق والعدل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وحظ الداعي إلى الله من اسم الله الرفيق أن يكون رفيقًا، رحيمًا، لينًا بمن يدعوهم إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وحظ المعلم من هذا الاسم الكريم أن يكون رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، وأن يكون رفيقًا بطلابه،وقدوةً حسنةً لهم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وحظ المدير أو المسؤول من هذا الاسم الكريم أن يكون قدوةً حسنةً لموظفيه، ومراجعيه، وأن يأمر موظفيه بما يأتمر به، وينهاهم عما ينتهي عنه،
ويشكر محسنهم، ويرفق بمن أساء منهم، ولا يعنفهم، بل يرشدهم إلى معالي الأمور.
قال النبي ﷺ: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ».
متفق عليه.
وإذا أكرمك الله ﷿ بالرفق فارفق بنفسك، وارفق بغيرك من مسلمٍ وكافرٍ، وبهيمةٍ وحيوان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وإذا زلَّ أخوك في معصيةٍ فلا تفضحه؛ بل استره، وخذ بيده إلى الخير، ولا تسُبَّ أخاك واحمد الله الذي عافاك: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وإذا اشتدت عليك الأمور، وأغلقت عليك الأبواب؛ فقف بباب الرفيق الرحيم الذي يفتح الأبواب، ويسهل الأمور:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
اللهم يا رفيق ارفق بنا في جميع أحوالنا، وارفق بأحوال أمة محمد ﷺ، وارزقنا الرفق والحلم، والصبر، والتأني في جميع الأمور، وجنبنا الشدة في الأمور: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
فقه الإيمان باسم الله المعطي:
الله ﷿ هو الحكيم العليم المعطي الذي خلق الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وساق إليهم أرزاقهم في كل زمانٍ ومكان: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فسبحان المعطي الذي يعطي ما لا يُحصى من النعم، والأرزاق، والأقوات في كل زمانٍ ومكان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هو سبحانه المعطي الذي أعطى كل شيءٍ خلقه، ثم هداه إلى ما تَصلح به حاله، كما قال ﷿: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
هو سبحانه المعطي الذي خلق الشمس وأعطاها قوة الإضاءة والحرارة، وخلق القمر وأعطاه قوة الإنارة، وخلق البحار والمياه وأعطاها قوة الإغراق والسَيَلان،وخلق الجبال وأعطاها قوة الرسو والثبات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو سبحانه المعطي الذي خلق بدنَ الإنسان وأعطاه قوة المشي والحركة، وخلق العينين وأعطاها قوة الإبصار، وخلق الأذنين وأعطاها قوة السمع، وخلق اللسان وأعطاه قوة الكلام، وخلق العقل وأعطاه قوة الفهم والتفكير، وخلق اليدين وأعطاها قوة الحركة والبطش والدفع، وخلق الرجلين وأعطاها قوة المشي والسرعة: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
هو سبحانه المعطي الكريم الذي خلق آدم وذريته، وأكرمهم بنعم لا تُعدّ ولا تُحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض، ليستعينوا به على عبادة ربهم، وشكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وهداهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة بالدين الذي يسيرون إلى ربهم بموجبه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
هو سبحانه المعطي جميع النعم لكل خلقه مَنْ يطيعه، ومن يعصيه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هو سبحانه الذي أعطاك الخلق فوجدت، وأعطاك الروح فحييت، وأعطاك اللسان فتكلمت، وأعطاك العين فأبصرت، وأعطاك الأذن فسمعت، وأعطاك اليد فأكلت بها وشربت، وأخذت بها وأعطيت، وكتبت بها ومحيت، وأعطاك الرجلين فمشيت بهما إلى حوائجك، وهربت بهما من عدوك، وأعطاك الذكاء فحفظت، وأعطاك العقل فعقلت: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ [الملك: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
هو سبحانه المعطي الذي ملأ الكون بأنواع النعم من أجلك لتحبه، وتحمده، وتعبده: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
هو سبحانه المعطي وحده لا شريك له، وكل عطاءٍ في الكون فمن عطائه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
هو سبحانه المعطي أمر الوجود لكل موجود، المعطي الحياة لكل حي، المعطي الرزق لكل مرزوق، المعطي العلم لكل عالم، المعطي الرحمة لكل راحم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، واللَّهُ المُعْطِي وأَنَا القَاسِمُ».
متفق عليه.
وعطاء المعطي ﷻ ليس له حدودٌ ولا قيودٌ، يعطي جميع مخلوقاته في كل آن، ولا ينقص ما في خزائنه مثقال ذرة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال ﷿ في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِنْدِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ».
أخرجه مسلم.
هو سبحانه الحكيم العليم المعطي، الذي يعطي من يستحق العطاء، ويمنع من يستحق المنع، وهو الحكيم العليم الخبير في عطائه ومنعه، فإن أعطى فتفضل وإكرام وإصلاح، وإن منع فتربيةٌ وصلاح وتأديب:﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
فسبحان المعطي الذي بيده الملك والملكوت، وله العزة والجبروت: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والله ﷿ هو الكريم الأكرم المعطي لكل نعمة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هو سبحانه المعطي الذي أعطى من شاء من عباده المال، وجعلهم مستخلفين فيه، وبحسب كسبه والإنفاق منه يكون الثواب والعقاب: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧].
واعلم أيها العبد أن المال لله في يدك، وأنت مستخلفٌ في التصرف فيه حسب أمر من أعطاك إياه، كما يمتثل الخازن أمرَ صاحب المال بإعطاء من عيَّنه:﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
هو سبحانه المعطي الكريم الذي يدرُّ على عباده أنواع العطاء، ويوالي عليهم النعم، ويغمرهم بأنواع الإحسان والإكرام في كل زمانٍ ومكان: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
فأرضٌ يسكنون فيها، وزروعٌ وثمارٌ يأكلون منها، وحيواناتٌ وطيورٌ يأكلون من لحومها، ويركبون عليها، ويشربون ألبانها، وأنهارٌ وعيونٌ يشربون من مائها، وبحارٌ يركبونها، ويأكلون من لحوم أسماكها، وهواءٌ يتنفسون منه، وشمسٌ وقمرٌ يهتدون بنورهما، وصحةٌ في الأبدان، وأمنٌ في الأوطان، وأموالٌ، وأزواجٌ، وأولادٌ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فما أعظم عطاء الله لعباده؛ فهو سبحانه المعطي لكل نعمةٍ على مرِّ الدهور والأوقات: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
هو سبحانه المعطي الذي بيده مقاليد الأمور، إذا أعطاك، من يمنعه؟ وإذا منعك، من يعطيك سواه؟.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
وإذا عرف العبد أن ربه هو الغني الذي لا تنقص خزائنه أبدًا، الكريم الذي كل ما في الكون من كرمه، المعطي الذي كل ما في الوجود من عطائه وإحسانه، وأنه الملك الذي بيده الخلق والأمر، والعطاء والمنع، إذا عرف ذلك؛ كبَّر ربه وعظَّمه، وأحبَّه ووحَّده، وحمده ومجَّده لما يراه من عظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة عطائه وإكرامه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
واعلم يا عبد المعطي أن من عرف ربه باسمه المعطي؛ حَمِده وشكره وأحبه، ومن شكره وأحبه عَمِلَ بشرعه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتعظيم شعائره: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
ومن عرف ربه باسمه المعطي طمع في ثوابه، وخاف من عقابه، وتصاغر لكبريائه، وسأله وحده جميع حوائجه، وتعلق به وحده في جلب المنافع، ودفع المضار: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم أن يعطي للخلق مما أعطاه الله، فإن أعطاه الله مالًا أنفق منه في وجوه البر، والخير والإحسان، وعلى الفقراء والمحتاجين، فمِن شُكرِ الله على نعمة المال الجودُ به، وإعطائه من يستحقه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
وإن أعطاه الله علمًا؛ فعليه العمل به، ونشره، وتعليمه للناس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وإن أعطاه المعطي خُلقًا حسنًا فعليه أن يشكر ربه على هذا العطاء، وأن يُخالق الناس بخلقٍ حسن، فيصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وإن أعطاه الله منزلةً و جاهًا عند الناس؛ فعليه أن ينفع الناس، خاصةً الفقراء والمحتاجين، ويتعبد لمن أعطاه بقضاء الحوائج، وتيسير أمور الناس: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فعلى كل من وهبه الله عطاء من مالٍ أو علمٍ، أو جاهٍ، أو قوةٍ، أن ينفع الناس بذلك، ويشكر نعمة الله عليه، ولا يمنُّ على الخلق، لأنه يعطيهم مما أعطاه الله:﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
واعلم أن الأيدي ثلاث:
فيَدُ الله هي العليا
ويدُ المعطي هي التي تليها
ويد السائل السفلى
فأعطِ لنفسك ولغيرك مما أعطاك الله، ولا تبخل به: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٤ - ١٠].
***
مختارات

