الخزانة السادسة..
فقه الإيمان باسم الله الجميل:
الله ﷿ هو وحده الذي يستحق العبادة دون سواه؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة،والنعوت الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الجميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، الجميل الذي له نعوت الحُسنِ، والإحسان، والجلال والجمال:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ جميلٌ يُحبُّ الجَمالَ».
أخرجه مسلم.
هو سبحانه الجميل الذي له الجمال كله من جميع الوجوه، الجميل الذي كل جمالٍ في العالم فمن آثار جماله، الجميل الذي وهب الجمال لكل جميل، هو سبحانه الجميل الذي لا أحد أجملَ منه، فلو اجتمع كل جمال المخلوقات العلوية والسفلية في واحد، ثم جُعلت جميعها على جمال ذلك الواحد، ثم نُسب هذا الجمال كله إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراجٍ ضعيفٍ إلى عين الشمس: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وجمال الجميل سبحانه على أربع مراتب:
جمال الذات.
جمال الأسماء.
جمال الصفات.
جمال الأفعال.
فجمال الذات: ذاته سبحانه أجمل الذوات، وأكمل الذوات، وذلك أمرٌ لا يدركه سواه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وكلما قويت معرفة الجميل في القلب زادت المحبة له، وزاد القرب منه، فكيف إذا حصلت الرؤية له يوم القيامة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
أما جمال الأسماء: فأسماء الله ﷿ أحسن الأسماء، وأجمل الأسماء، فهي في غاية الحُسن، والجمال،والجلال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
أما جمال الصفات: فصفات الله ﷿ أجمل الصفات، لأنها صفات مدحٍ، وحمدٍ، وثناءٍ، وجمالٍ، وكل جمالٍ في الخلق فمن آثار جمال صفاته، فهو الحي بجميع صفات الكمال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
أما جمال أفعاله: فأفعاله كلها في غاية الحسن والجمال؛ لأنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يُحمد ويُشكر عليها،وبين أفعال العدل التي يُحمد ويُشكر عليها لموافقتها الحكمة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
فسبحان الجميل الذي جميع أفعاله في منتهى الحسن والجمال، والعدل والإحسان، والحكمة والرحمة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن هذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله؛ هو وحده الذي يستحق العبادة دون سواه، فيستحق أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو سبحانه الجميل الذي له وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى في السموات والأرض: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
هو سبحانه الجميل الذي لا منتهى لجماله، الجميل الذي لا أجمل منه، ولجلاله وجماله حَجبَ عنه خلقه بالنور، فلا يرونه إلا إذا أَذن لهم برؤيته يوم القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وهؤلاء هم المؤمنون.
وقال النبي ﷺ: «حِجابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
أخرجه مسلم)
هو سبحانه الجميل الذي أحسن كل شيء خلقه اتقانًا، وشكلًا، وجمالًا، وصُنعًا: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
هو سبحانه الجميل الذي جمَّل عباده بزينة اللباس لأبدانهم، وجمل قلوبهم بزينة الإيمان والتقوى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
هو سبحانه الجميل الذي أمر عباده بالتجمّل له عند التعبُّد له في بيوته، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
والله ﷿ هو الملك الحق، الجميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ الجميل الذي يحب الجميل من الأقوال والأفعال والأخلاق، من الذكر والدعاء، والجميل من الأخلاق، والإحسان: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
هو الجميل الذي جمَّل أولياءه بحسن عبادته:﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
هو سبحانه الجميل الذي كل خلقه جميل، وكل أمره جميل، وكل شرعه جميل، وكل ثوابه جميل، وكل عقابه جميل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
هو الجميل الذي جمَّل أنبياءه ورسله بأحسن الأخلاق، وأعطى يوسف ﵌ شطر الحسن، وأعطى محمداً ﷺ الحسن كله، فهو أحسن الناس خلقًا وخُلقًا، كما قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
هو سبحانه الجميل الذي إذا تجلى لعباده بصفات الجلال، والجمال استنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، وقوة التعظيم كلها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وحظك ياعبدَ الجميل من هذا الاسم الجميل أن تتعبد لله به، فتُجمِّل ظاهرك وباطنك بالجمال الذي يحبه الله ﷿؛ فتُجمّل باطنك بالتوحيد والإيمان، واليقين والتقوى، وحب الله ورسوله ﷺ، ودينه والمؤمنين، والخوف من الله، والرجاء له، والتوكل عليه، وحسن الظن به، وإخلاص العمل له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وتُجمِّل يا عبد الجميل ظاهرك وجوارحك بأنواع العبادات القولية والفعلية، وأحسن الآداب والأخلاق، وتجمِّل بدنك بإظهار نعمة الله عليك في لباسك، وطعامك، ومركبك، ومسكنك؛ لأن الله جميلٌ يحب أن يرى أثر نعمته على عبده: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
ومن عرف الجميل سبحانه أحبه واشتاق إلى رؤيته، وسارع إلى كل ما يحبه ويرضاه، كما هي حال الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فجَمِّل نفسك لربك بأنواع الطاعات والقُربات، وجمّل نفسك بين خَلقه بأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، وجمِّل غيرك من الناس بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وعليك بالتحلي بمكارم الأخلاق، وجميل الفِعال بين خلقه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
واجتنب يا عبد الجميل كل ما يضادُّ جمالك: من الشرك، والنفاق، والكِبر، والعُجب، والرياء، والحسد،والظلم والعدوان: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١].
واعلم يا عبد الجميل أن جمال المسلم في تحقيق كمال العبودية لله ﷿ في كل حال، لأن جمال القلوب هو الأصل، وجمال الأبدان ابتلاء، جمال الإنسان في توحيد ربه والإيمان به، والاستقامة على أوامره، والتحلي بمكارم الأخلاق، فهذا هو الجمال الحقيقي:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
فكن جميلًا بأقوالك الحسنة، وأعمالك الصالحة، وأخلاقك الكريمة؛ كن جميلًا بإيمانك، جميلًا في الرحمة، جميلًا في الإحسان، جميلًا في العفو،جميلًا في الكرم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
كن جميلًا في عبادتك، كن جميلًا بدعوة الناس إلى ربهم، جميلًا في تعليمهم شرع الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وإذا عرفت الجميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ فكبّره، وعظمّه، واحمده، واشكره، لما تراه من جلاله وجماله، واحمد الجميل لما تراه من جماله،وجمال إنعامه وإحسانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
اللهم يا جميل جملنا بما تحبه وترضاه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، وزينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
ومعرفة الله ﷿ في باب التوحيد والإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وبمنزلة القلب من البدن؛ لما تثمره من حب الله، وتعظيمه، وحمده، وطاعته، وعبادته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فقه الإيمان باسم الله الرفيق:
الله ﷿ له صفات الجلال، وصفات الجمال؛ ومن أسماء جماله اسم الله الرفيق، ومن صفات جماله الرفق بعباده، فهو سبحانه الرفيق بذاته، الرفيق بصفاته، الرفيق بأفعاله، الرفيق في أحكامه، الرفيق بأهل طاعته، بتيسير الشعائر والشرائع لهم، الرفيق بأهل معصيته بحلمه عليهم، وإمهالهم،حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
هو سبحانه الرفيق اللطيف بعباده، الرؤوف الرحيم بهم، الرفيق الذي كلفهم بما يطيقون، ولم يكلفهم بما لا يطيقون: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هو سبحانه الرفيق الذي لا أرفق منه، اللطيف الذي لا ألطف منه، يسّر على خلقه كل ما يصلح حياتهم في الدنيا والآخرة، الرفيق الذي لا نهاية لرفقه، خلق الخلق ويسر لهم أمور معاشهم في كل زمان ومكان، وسهل لهم أسباب الخير كلها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ [الأعراف: ١٠].
هو سبحانه الرفيق الذي أحسن إلى عباده بأنواع الإحسان، وأكمل لهم الدين، وضاعف لهم الأجور، وغفر الذنوب، وأمرهم بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، وأعانهم على ذلك، وشرعَ لهم الرُّخص الشرعية ليدفع عنهم الحرج: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
هو سبحانه الرفيق الذي يرفق بك من دون عِوض، فيجيبك إذا دعوته، ويعطيك إذا سألته، ويؤمِّنك إذا خفت، ويشفيك إذا مرضت، ويطعمك إذا جعت، ويسقيك إذا عطشت، ويغنيك إذا افتقرت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
هو سبحانه الرفيق في جميع أفعاله وأوامره، وجميع تدبيره وتصريفه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمر كله».
متفق عليه.
هو سبحانه الرفيق بعباده، ساق إليهم أرزاقهم من فضله، وقسَم لكل مخلوقٍ رزقه كميةً ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
هو سبحانه الرحيم الرفيق بعباده، أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ليعرفوا ربهم، ويعبدوه وحده لا شريك له: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
هو سبحانه الرفيق الرحيم بعباده أنزل عليهم القرآن، ويسّر لهم تلاوته، وفهمه، وحفظه، والعمل به: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾ [القمر: ٢٢].
هو سبحانه الرفيق الرحيم الذي يبتلي عباده بأنواع الابتلاء؛ لأنه يحب من عباده أن يدعوه أن يكشف عنهم الكروب والمصائب: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وأحب العباد إلى الله من اتصف بصفاته على شاكلة العبودية.
فالله مؤمنٌ يحب المؤمنين، ومحسنٌ يحب المحسنين، وشكورٌ يحب الشاكرين، وتوابٌ يحب التوابين، وجميلٌ يحب الجمال، وعفوٌ يحب العفو، ورحمنٌ يحب الرحمة،ورفيقٌ يحب الرفق: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
و أبغض الخلق إلى الله من اتصف بضدّ صفاته.
فالله لا يحب الكافرين، ولا يحب الظالمين، ولا يحب المنافقين، ولا يحب المجرمين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب المعتدين.
واعلم أن العبد كلما اتصف بالصفات التي يحبها الله ﷿ كلما تنزلت عليه بركات تلك الصفة، فمن رحم الناس ﵀، ومن عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن كان محسنًا أحسن الله إليه، ومن كان رفيقًا رَفقَ الله به، وما مُنِعَ الخير عن الإنسان إلا بسبب الشدة، والقسوة، والاستعجال، وعدم الرفق بالناس، ومن حُرِمَ الرفق حُرِمَ الخير كله.
قال النبي ﷺ: «من يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الخير كله».
أخرجه مسلم.
***
مختارات

