الخزانة السابعة..
الصفات التي تؤدى بها الأعمال الصالحة:
كل عملًا لابد له من صفات يؤدى بها ليكون صالحًا مثمرًا مقبولًا، سواء كان من العبادات، كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، أو كان من المعاملات كالبيع والإجارة، والصلح والوكالة وغيرها، أو كان من الآداب والمعاشرات، أو الأذكار أو الأدعية أو غيرها من أوامر الله ﷿ كالدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وأهم الصفات التي يجب توافرها في كل عمل ليكون مثمرًا مقبولًا ما يلي:
الأول: اليقين بأن هذا العمل الذي أمر به الله ورسوله به فيه فقط قضاء حاجاتنا وفوزنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة بلا ريب: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: إخلاص العمل لله وحده لا شريك له.
لأنه هو الذي خلقنا وهدانا إليه، وأعاننا عليه، وهو الذي يثبتنا عليه، ويجزينا به ثوابًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأعمال الدين غالية لا يستطيع أحدًا أن يدفع قيمتها إلا الله وحده، فكل من في السماوات والأرض لا يستطيعون أن يعطوا أحدًا ثواب تسبيحة واحد أو حسنة واحدة، فأخلص العمل لمن وعدك بأجره وهو الله وحده لا شريك له: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثالث: إتباع الرسول ﷺ في كل عمل، بأن تفعله كما فعله ﷺ، وتستحضر لو كان النبي ﷺ حاضرًا أو في مكاني ماذا سيفعل في هذه الحالة؟
فأفعله إن علمت به، وإن جهلت سألت من يعلمه:﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
الرابع: استحضار فضيلة العمل
فالأعمال ثقيلة على النفوس، وإذا عرفنا فضائلها سهل القيام بها والمداومة عليها، والإكثار منها والدعوة إليها:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
فنعرف فضائل الذكر والصلاة والصوم والحج والدعوة إلى الله، وصلة الرحم وغيرها من أعمال البر ليسهل القيام بها والمداومة على فعلها، والإكثار منها.
الخامس: الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فنستحضر أن الله يرانا ويسمع كلامنا، ويعلم أحوالنا ويراقب تصرفاتنا، فنحسن له العمل، ونعبده كأننا نراه ونستحضر أن الله مطلع علينا وسيجازينا بأعمالنا.
فالعبد حقًّا من عمل لله في الخلوة أو مع الناس على حد سواء، وتوجه إليه وحده بقلبه وقالبه، ولم يلتفت لأحد سواه، ومن أحسن عمله لله بحضرة الناس وأساء عمله في الخلوة فقد استحضر عظمة المخلوق لا الخالق، وهذا هو النفاق ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
السادس: المجاهدة فنجاهد أنفسنا لتسارع إلى كل عمل صالح، ونفطم نفوسنا مما تحب وتريد إلى ما يحبه الله ويريده، ونبذل كل ما نملك من أجل رضا الله، وفعل ما يحب واجتناب ما يكره، فالعبد حقًّا من قدم مراد الله على مراد نفسه، وقدم ما يحب الله ﷿ على ما تحبه نفسه، فمن وفقه الله لهذا فهو المجاهد حقًّا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وإذا قمنا بالأعمال بهذه الصفات انتشر العلم والعمل، وانتشرت الصفات والأخلاق الطيبة، وإذا قمنا بالعلم والعمل بدون هذه الصفات انتشر العلم والعمل بدون الصفات وكثر الجدل والخلاف، وطلب الرخص، والكسل والرياء، وهبت الفتن وانتشرت الفرق والأحزاب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
ومن قام بالعمل بهذه الصفات حصل على موعودات الله في الدنيا والآخرة، ومن قام بالعمل وقد أخل بإحدى هذه الصفات، لم يحصل له الموعود عن العمل، ولا ينجو من الخسارة إلا من أكمل وسائل النجاة الأربعة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
المستثنيات من القواعد الشرعية:
شرع الله ﷿ لعباده أحكامًا تحقق مصالح عاجلة أو آجلة، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربي على تلك المصالح، وكذلك شرع الله ﷿ السعي في درأ المفاسد عاجلة أو آجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة.
ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربي على تلك المفاسد رحمة من الله بعباده ورعاية لهم ورفقًا بهم، ويعرف ذلك بما خالف القياس، وهو جارِ في العبادات والمعاملات وسائر التصرفات.
فأما ما يجري في العبادات فأنواع:
أحدها: تغير أحد أوصاف الماء بشيء سالب لطهوريته، استثني منه ما يشق حفظ الماء منه.
الثاني: استعمال أواني الذهب والفضة حرام على الرجال والنساء، لكنه يباح عند الحاجة، ففقد الآنية المباحة رحمة من الله بعباده: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
الثالث: الطهارة تكون على أصل محل الحدث، لكن جاز المسح على الخفين، والعمامة والجبيرة لمسيس الحاجة إلى ذلك رحمة العباد وتخفيفًا عليهم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الرابع: الصلاة مع الحدث ممنوعة، لكنها جازت للمتيمم عند فقد الماء، أو التضرر باستعماله، أو عدم القدرة على استعماله، إقامة لمصالح الصلاة التي لا تدانيها مصلحة الطهارة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
الخامس: الحدث مانع من الصلاة، قاطعًا لها بعد انعقادها، لكنه غير مانعًا في حق المستحاضة، ومن عذره دائم كسلس البول والمريء، لأن ما يفوت من مصالح الصلاة أعظم مما يفوت من مصالح الطهارة، فلا إله إلا الله ما أحسن هذه الشريعة: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
السادس: الجمادات كلها طاهرة، واستثني منها الخمر تغليظًا لأمرها، وتنفيرًا من مفاسدها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
والحيوانات كلها طاهرة، واستثني منها الكلب والخنزير، تغليظًا لأمرهما وتنفيرًا من مخالطتهما لأن الكلب يروع الضيف، والخنزير أسوأ حالًا من الكلب لأنه يأكل النجاسات، ولا يجوز اقتناء الكلاب إلا لحاجة ماسة، لصيد أو حراسة ماشية أو زرع.
السابع: الميتات كلها نجسة، لأن الموت مظنة التعفن والاستقذار، واستثني من ذلك الآدمي لكرامته، والسمك والجراد لمسيس الحاجة إليه رحمة من الله بعباده: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
الثامن: الأصل في الطاهرات أنها تتبع الأوصاف الطيبة، والأصل في النجاسات أنها تتبع الأوصاف الخبيثة، فعصير الفاكهة مثلًا إذا استحال خمرًا نجس للاستخباث الشرعي، وإن استحال خلًّا طهر للطيب الشرعي والحسي.
التاسع: المقصود من التطهر من الأحداث والأخباث هو تعظيم الله وإجلال الرب من أن يناجى أو يتلى كتابه، أو يمكث في بيوته مع وجود الأحداث والأخباث، واستثني من الأخباث كل نجاسة يعم الابتلاء بها، كفضلة الاستجمار، وطين الشوارع ودم القمل والبراغيث، فإنه يعفى عن ذلك في الصلاة، لأن ما يفوت من مصالح الصلاة أعظم من مصلحة ما يفوت من مصلحة الأخباث.
العاشر: ستر العورات والسوءات واجب وهو من أفضل المروءات، لكن يجوز تركه للضرورات والحاجات، فالحاجات كنظر كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، ونظر الشهود للمشهود عليها، ونظر الأطباء بحاجة المداواة، والنظر من المرأة لمن يريد خطبتها، والضرورات كنظر الطبيب إلى العورات والسوءات لشدة الحاجة، ويقتصر منه على مكان المرض والجرح فقط، فالضرورة والحاجة تقدر بقدرها.
الحادي عشر: يجب التوجه إلى الكعبة في جميع الصلوات لأنها أفضل الجهات، ولأنها المنصوص عليها: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
لكن يجوز ترك التوجه للكعبة في النوافل، السفر تحصيلًا لمصالحها، وجعل صوب السفر بدلًا من صوب الكعبة، لأن الحاجة ماسة إليه، كما جعلت جهة محاربة الكفار بدلًا من القبلة لمسيس الحاجة إليها عند التحام القتال.
الثاني عشر: يجب أداء جميع أركان الصلاة، وأستثني من ذلك الفاتحة وقيامها بحق المسبوق للمبادرة إلى شرف الاقتداء بالإمام والدخول في الجماعة.
الثالث عشر: مسابقة المأموم للإمام في أركان الصلاة مبطلًا لصلاته، إلا في حال الغفلة والنسيان.
الرابع عشر: لبس الذهب محرم على الرجال إلا لضرورة وكذلك الفضة إلا الخاتم وآلات الحرب، وكذلك لبس الحرير محرم على الرجال إلا لضرورة أو حاجة ماسة.
الخامس عشر: الصلاة على الأموات واجبة لحاجتهم إلى رفع الدرجات وتكفير السيئات، ويستثنى من ذلك الأطفال، فلا يدعى لهم بتكفير السيئات لأنهم لا ذنوب لهم، لكن يدعى لهم برفع الدرجات لافتقارهم إلى ذلك.
ولا يصلى على الشهداء لأنه يغفر لهم كل ذنب بأول قطرة من دمائهم إلا الدَين، وتركت الصلاة عليهم ترغيبًا للناس في الجهاد في سبيل الله، وقد صلى الصحابة ﵃ على الرسول ﷺ مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأنهم مأمورون بالصلاة عليه قبل موته وبعد موته.
وليست الصلاة عليه شفاعة له ولكننا أمرنا أن نكافئ من أسدى إلينا معروفًا، فإن عجزنا ندعو له بدلًا من مكافأته، فنحن ندعو الله ﷿ أن يكافئه عنا لعجزنا عن مكافأته ﷺ.
السادس عشر: تكفين الأموات على الهيئة المشروعة إكرامًا لهم واجب، وكذا التطهير من النجاسات، واستثني من ذلك الشهداء، فإنهم يدفنون في ثيابهم بكلومهم ودمائهم ليقدموا على الله بما يوجب العطف عليهم والرحمة لهم، لأنهم بذلوا في طاعة الله أنفث الأشياء وأحبها إليه.
وكذلك المحرم إذا مات يدفن في ثيابه لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا، لأنه بذل ما يستطيع في هذه العبادة التي يحبها الله.
السابع عشر: لا تصح النيابة في شيء من العبادات كالإيمان والصلوات والأذكار والأدعية وقراءة القرآن ونحو ذلك، لأن الغرض من هذه العبادات تعظيم الإله ﷻ.
وليس المستنيب معظمًا بتعظيم النائب، واستثني من ذلك الحق والعمرة في حق العاجزين إما لهرم أو مرض لا يرجى برأه، أو موت، ولم يستثنى من الصلوات إلا ركعتا الطواف في نسك الاستنابة، لأنها تابعة للنسك، وكذا الصيام لا يصوم أحدًا عن أحد، وأستثني من ذلك من مات وعليه صيام واجب لم يستطع صيامه.
يقول النبي ﷺ: «من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه»أخرجه الترمذي.
وكذا الصدقة عن الميت مشروعة لحصول النفع لباذليها والمبذولة عنه والمبذولة له.
الثامن عشر: خروج وقت العبادة المقدر يجعلها قضاءً إلا في جمع التأخير، أو الخطأ في يوم العيد، فإنها تكون أداءً.
التاسع عشر: فوات العبادات موجب لقضائها غير ناقل إلى عبادة أخرى، واستثني من ذلك من فاته الحج وهو محرم فإنه يتحلل بعمرة ويقضيه العام القادم إن كان حجه واجبًا.
المستثنيات من القواعد الشرعية:
قد مر معنا المستثنيات في العبادات، والآن نذكر المستثنيات في المعوضات وسائر التصرفات.
ولذلك أمثلة:
أحدها: أن الرضا شرط في جميع التصرفات إلا أن يتعذر الرضا، كالحاكم يتصرف فيما فيه المصلحة إيصالًا للحق إلى مستحقه، ونفعًا للممتنع ببراءة ذمته من الحق من بيع أو إجارة أو طلاقًا أو فسخ، فهنا يجري الحكم ولو لم يحصل الرضا، وأجمع آية في جلب المصالح ودفع المفاسد قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والعدل هو التسوية والإنصاف، والإحسان إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة، والإحسان يكون في أمور الدنيا وأمور الآخرة، فالإحسان في أمور الآخرة يكون بالدعوة إلى الله، وتعليم العلم الشرعي، والإفتاء والإعانة على الطاعات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والإحسان في أمور الدنيا يكون بالعطايا الدنيوية ودفع المضار، والعفو عن المظالم وإسقاط الحقوق: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
الثاني: أن الله قسم أموال المصالح العامة على قدر الحاجات والضرورات، وقسم الغنائم على قدر الحاجات، فجعل للرجل سهم لأن له حاجة واحدة، وجعل للفارس ثلاثة أسهم لأن له ثلاث حاجات، حاجة لنفسه، وحاجه لفرسه، وحاجة لسائس فرسه.
وكذلك قسم الله المواريث الأبناء والبنات والإخوة والأخوات على قدر الحاجات، فجعل للإناث من هؤلاء سهمًا واحدًا، وللذكور سهمين لأن للذكور في الغالب حاجتين، حاجة لنفسه، وحاجة لزوجته، وللأنثى في الغالب حاجة واحدة لأنها موكوله من الرجل أبًا أو زوجًا.
وقدم الأبناء على الآباء في باب التعصيب؛ لأن الابن بضعة من الأب وبعض له، فكان بعض الميت أحق بماله من أبيه لأنه أقرب إليه، وقدم الآباء على الإخوة والأخوات لأنهم أقرب إلى الميت منهم، وقدمت البنات على الأخوات لأنهن بضعة من الأموات، فسبحان الله وبحمده على كمال حكمته وإحسانه إلى خلقه ورحمته بعباده.
الثالث: من أتلف شيء من الأموال والأنفس عمدًا بغير حق لزمه ضمانه، جبرًا لما فات من الحق.
ويستثنى من ذلك أمور:
أحدها: ما أتلفه الكفار على المسلمين من النفوس والأموال، فإذا أسلموا فإنهم لا يضمنونه لما في تضمينهم من التنفير من الإسلام.
الثاني: ما أتلفه المرتدون حال القتال، فإذا تابوا فإنهم لا يضمنونه، لما في التضمين من التنفير من التوبة والإسلام، فالتوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله.
الثالث: ما يتلفه البغاة على أهل العدل حال القتال، فإنهم لا يضمنونه إذا تابوا لما فيه من التنفير عن الطاعة والإذعان.
الرابع: ما يتلفه العبيد على السادة، فإنهم لا يضمنونه مع تحريم إتلافه.
الخامس: إذا أتلف الإمام أو الحاكم شيءً من النفوس أو الأموال للمصلحة، فإنه يجب الضمان على بيت المال، لأنهما يتصرفان عن المسلمين، ولأن ذلك يكثر فيه حقهما فيتضرران به.
السادس: أن الجلاد إذا قتل بالحد أو القصاص فيما دون النفس ممن لا يجوز قتله لم يضمن، لأنه مأذون له بإقامة الحد أو القصاص ويضمن بيت المال ذلك.
الرابع: الزكاة واجبة للحيوان المأكول تقليلًا لما فيه من الدم النجس، واستثني من ذلك ما لا يقدر على زكاته من الوحوش والطيور المباحة، وشوارد الأنعام فإن جرحها يقوم مقام زكاتها، لتعذر زكاتها وكذلك لو سقط حيوان في بئر وتعذر إخراجه، وأمكن طعنه في بعض مقاتله حل بذلك،لأن الأصول إذا ضاقت اتسعت: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الخامس: لا يجوز تعطيل الإنسان عن منافعه وأعماله واستثني من ذلك تعطيل المدعى عليه إذ استدعاه الحاكم بطلب من خصمه لإحضاره، لما فيه من المصلحة العامة.
السادس: من قدر على استيفاء حق له مضبوط معين فله استيفاؤه، كانتزاع المغصوب من غاصبه، وانتزاع المسروق من سارقه، واستثني من ذلك القصاص، فإنه لا يستوفى إلا بحضرة الإمام أو نائبه، ولا ينفرد مستحقه باستيفائه لأنه غير مضبوط في شدة وقعه وإيلامه، وكذلك التعذير، لا يفوض إلى مستحقه بل يتولاه الإمام، وكذلك الحدود لما يخشى في ذلك من مجاوزة حد الشرع في شدة الضرب.
وكذلك لا تفوض هذه الأمور إلى عدو المحدود أو الجاني لما قد ينتج عن ذلك من الجور، ولا تفوض إلى الآباء والأبناء لاتهامهم في تخفيفه عن القدر المشروع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
***
مختارات

