الخزانة الثامنة..
الاقتصاد في الأفعال والأقوال:
المنازل ثلاث:
١ - التقصير في جلب المصالح.
٢ - والإسراف في جلب المصالح.
٣ - والتوسط بينهما، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩].
فلا يكلف الإنسان نفسه من الطاعات والنوافل إلا ما يطيقه ويطيق المداومة عليه، ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة كما قال النبي ﷺ: «لِيُصَلّ أحدُكم نشاطَه، فإِذا كَسَلَ أَوْ فَتَرَ فليقَعَدَ» متفق عليه.
وكل من تكلف من العبادة ما لا يطيقه فقد تسبب إلى تبخيث عبادة الله إليه، ومن قصر عما يطيقه فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقد نهى الرسول ﷺ عن التنطع في الدين، والتنطع: التكلف والعلو، كما قال ﷺ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُوْنَ» أخرجه مسلم.
وأنكر الرسول ﷺ على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل وصيام النهار، واجتناب النساء، وقال له:«أرغِبتَ عن سُنتي؟ قال: لا والله يا رسولَ الله، ولكن سُنَّتك أطلُبُ، قال: فإني أنامُ وأصلِّي، وأصومُ وأُفطر، وأنكِحُ النساءَ، فمن رغب عن سنتي فليس مني» أخرجه أبو داود وأحمد.
ونهى النبي ﷺ عثمان بن مظعون وأصحابه مما عزموا عليه من سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء، وكانوا قد حرموا الفطر والنوم على أنفسهم ظنًا أنه قربة إلى ربهم، فنهاهم الله عن ذلك، لأنه من الغلو في الدين ومجاوزة حدود الله فقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧].
والاقتصاد في الشريعة أنواع:
أحدها: الاقتصاد في العبادات وهو أنواع:
أحدها: الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، فلا يستعمل من الماء إلا قدر الإسباغ، النبي ﷺ: «يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» متفق عليه.
وتوضأ النبي ﷺ مرة مرة، مرة اثنتين، وثلاثًا، وداوم على الثلاثة، فمن نقص عن الواحدة فقد أساء، ومن زاد عن الثلاث قاصدًا لقربة لله بالزيادة فقد أساء لتقربه بما ليس قربة إلى ربه، وإن قصد به تبردًا أو تنظفًا بالماء، أو تداويًا فلا بأس بذلك.
الثاني: الاقتصاد في قيام الليل، فقد نهى ﷺ عن السرف في قيام الليل، وقال: «خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَواللَّه لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» متفق عليه.
وفي رواية «فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» متفق عليه.
الثالث: الاقتصاد في المواعظ، فإن المواعظ إذا كثرت أو طالت لم تؤثر في القلوب، فتسقط فائدة الوعظ بإكثارها.
عن ابن مسعود قال: «كان رسول الله ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالموعِظَةِ، مَخَافَة السآمة علينا» أخرجه البخاري.
الرابع: الاقتصاد في الدعاء لأن الغالب على أدعية الرسول ﷺ في الصلاة وغيرها اختصار الأدعية، لأن الله أمر بالتضرع والخفية في الدعاء، فإذا أطال الدعاء عزب التضرع والإخفاء.
الخامس: عدم الجهر بالكلام في الذكر والدعاء لأن الله يسمع الخفي كما يسمع الجلي فرفع الصوت في مناجاة الرب فضول لا حاجة إليه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠].
وكذا الصوم، وكذا الكلام مع الناس لا يخافت به بحيث لا يسمعه الحاضرون، ولا يرفعه فوق حد سمعهم لأن ذلك فضول لا حاجة له، وشرع رفع الصوت في الأذان لكثرة السامعين، وشرع خفضه في الإقامة لقلة الحاضرين.
السادس: زيارة الإخوان لا يكثر فيها لئلا يملون ويستثقلونه، ولا يقلل منها بحيث يشتاقونه ويعتبونه السابع: الاقتصاد في العقوبات والحدود والتعذيرات، فيعاقب كل واحدًا من الجناة حسب قوته وضعفه، وكذا رجم الزاني لا يرجم بحصايات ولا بصخرات كبار، وإنما يرجم بحجر لطيف يرجم به في العادة، لأن إقامة الحد للزجر لا للتعذيب.
وكذا الاقتصاد في الضرب والجلد لا يبالغ فيه إلى سفح الدم ولا يضرب ضربًا لا أثر له في الزجر والردع، وكذا سوط الضرب بين سوطين، ألا يكون حديدًا يقطع الجلود، ولا بال لا يحصل به المقصود.
الثامن: الأكل والشرب، لا يتجاوز فيهما حد الشبع والري، ولا يقتصر منها على ما يضعفه ويضنيه، ويقعده عن العبادات والتصرفات: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
التاسع: مخالطة النساء، لا يكثر منها بحث تغلب عليه أخلاقهن، ولا يقللها بحيث يتأذين بذلك وينفرن منه.
العاشر: دراسة العلوم لا يكثر منها بحيث يؤدي إلى السآمة والكراهة، ولا يقللها بحيث يعد مقصرًا فيها.
الحادي عشر: ألا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة عاجلة أو آجلة، أو درأ مفسدة عاجلة أو آجلة مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير، فلا يكثر من المزح والضحك واللعب والمدح المباح، ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس الحاجة إليه، ترغيبًا للممدوح لينشط في أعمال الخير وتذكيرًا له بالنعمة ليشكرها.
ومدح النفس أقبح من مدح الغير، لأن غلط الإنسان في حق نفسه أكثر من غلطه في حق غيره، فلا أحب للإنسان من نفسه، فلهذا يرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
ولا يمدح الإنسان نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يخطب إلى قوم ليرغبهم في نكاحه، أو يكون خاملًا فيعرف بأهليته للولايات والمناصب الدينية، ليقوم بما فرض الله عليه، كما قال يوسف ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥].
وقد يمدح نفسه ليقتضي به فيما مده به نفسه من الفضائل، كقول عثمان ﵁: أتغنيت منذ أسلمت وما تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ، وهذا مختص بالأقوياء الذين يأمنون على أنفسهم الفخر والعجب، ويقتضى بهم بأمثالهم، واجب حفظ الكلام بما يجر مصلحة أو يدرأ مفسدة.
كما قال النبي ﷺ: «من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَوْ ليصمت» متفق عليه.
ويجوز للإنسان المزاح أحيانًا لما فيه من الاسترواح، إما للمازح أو للممزوح معه، أو لهما معًا، أما المزاح المؤذي المغير للقلوب الموحش للنفوس فلا ينفك عن تحريمًا والكراهة حسب ثقله وخفته.
وكان ﷺ يمزح جبرًا للمزوح معه وإلى سلة ولا يقول إلا حقًّا، كقوله ﷺ لأخ أنس بن مالك: «يا أَبا عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» متفق عليه.
فشرط المزاح المباح أن يكون بالصدق لا بالكذب، والطريق إلى إصلاح القلوب يكون بتطهيرها عن كل ما يباعد عن الله ﷿ من الأخلاق السيئة، وتزيينها بكل ما يقرب إلى الله من الأحوال والأقوال والأعمال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت/ ٣٤ - ٣٥].
القراءة من أعظم سبل العلم:
وأعظم أنواع القراءة قراءة كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺوكتب العلماء التي تشرحهما وتبين ما فيهما من أسرار وأحكام: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
والله سبحانه خلق الإنسان وعلمه ما لم يكن يعلم فطرة، وأمره أن يتعلم عن طريق القراءة، فقال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
فهذه الآيات أول ما نزل من القرآن تأمر بالقراءة.
وقراءة الإنسان من أربعة أنواع:
الأولى: قراءة البحث والإيمان.
اقرأ الآيات الكونية والآيات القرآنية من أجل أن تؤمن بالله وتعلم أسماءه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه،وأول ما تبدأ به نفسك منذ كنت علقة إلى أن أصبحت إنسانًا كاملًا سويًّا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
ثم رتب على ذلك خمسة أمور:
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦].
فهذه قراءة البحث والإيمان: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
الثانية: قراءة الشكر والعرفان.
اقرأ لتعرف ربك الكريم، الرزاق المنعم لنعمة، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الهداية والرشاد، وإذا عرفت الكريم الرزاق وجب عليك شكره.
قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ [العلق: ٣ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
الثالثة: قراءة الوحي والإذعان.
فكل شيء عجز العقل عن إدراكه من أمور الغيب علمنا الله به، فعلى الإنسان أن يذعن للوحي، ويسلم لما جاء فيه ويصدق به، فعلم الإنسان محدود موهوب، وعلم الله ذاتي مطلق: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥].
كأخبار الجنة والنار، وما يجري في عرسات القيامة، والأخبار عن الملائكة، وإلى ذلك من أمور الغيب يجب على الإنسان يذعن له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
فاقرأ لتعلم أنك لم تحصل العلم الذي ينبغي: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
فهذه القراءات كلها محمودة، وكلها مأمور بها، وكلها يتعبد لله بها.
القراءة الرابعة: قراءة العدوان والطغيان
وهي كل قراءة تسبب الفساد والخسران كما قال الله بعد تلك الآيات: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨].
وهذه قراءة مذمومة، فكل قراءة فيما يفسد البشرية وتدمير الحياة والأحياء، وإشاعة الفساد والعري، وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك من العدوان والطغيان بالعلم الذي يهلك الحرث والنسل، وهذه قراءة الكفار الذين ينشرون محاسن الدنيا وشهواتها ويأكل القوي منهم الضعيف، ويستعبد كبارهم صغارهم، كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وكما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٧ - ١٠].
بهذا فإن القراءة من أعظم أبواب العلم، وأحسن ما يقرأ كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠].
الدروس والمحاضرات والتأليف والنشر إنما هو تزيين شجرة الدين، وذلك بمنزلة الأغصان والأوراق والثمار، ولكنه لا ينفع إلا إذا صحت الجذور، وسقيت بماء الإيمان والتقوى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
ويتم ذلك بما يلي:
١ - نفخ روح الإيمان في قلوب الناس.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الثاني: أن يكون بالعمل لا بالادعاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
الثالث: أن يكون ميدان الداعي نفسه أولًا، ثم الناس ثانيًا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والناس في العمل ينقسمون إلى أقسام:
فالصلاة عمل، ومقصدها أن تنهي عن الفحشاء والمنكر،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
والصوم عمل، ومقصده التقوى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
والزكاة عمل، ومقصدها تطهير الإنسان من الشح والبخل:﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
والحج عمل، والمقصد التقوى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
والناس في العمل والمقصد أربعة أقسام:
من الناس من يهتم بصورة العمل، والمقصد من العمل،وهؤلاء بأرفع المنازل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
ومن الناس من يهتم بالعمل دون المقصد، ومنهم من يهتم بالمقصد دون العمل، ومنهم من لا يهتم بالعمل، ولا بالمقصد: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وكل عمل يتحقق فيه الإخلاص والمتابعة يحصل أثره بعده،كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
والله ﷿ أوجب علينا العلم والعمل، فقال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وإزالة الأذى عن الطريق الحسي، طريق الأبدان، وإزالة الأذى عن الطريق المعنوي، طريق القلوب، كل ذلك مما يقرب من الله، وإزالة الأذى عن طريق القلوب أعظم أجرًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدم، وفي كل خير، فإزالة الأذى عن طريق المسلمين يكون بالوقوف لكل داعية شر، أو إلحاد، أو مجون، أو فسوق، أو بدعة، وذلك بالرد عليه، وناصحته، وإسكاته، لألا يضل الناس، فإن لم يجدي ذلك فعلى الإمام استتابتهم فإن لم يتوبوا قتلوا لدرء، أو لقطع دابر الشر وأهله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
وقال النبي ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه» متفق عليه.
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فعلى العلماء أن يبينوا للناس ما نزل إليهم، وأن يتقوا الله، ولا يكتموا ما علمهم الله، وتوبة من كتم العلم.
تحصل توبة كاتم العلم بثلاثة أمور:
الأول: التوبة، وهي الرجوع عن ما حصل من كتمان.
الثاني: الإصلاح لما فسد؛ لأن كتمان العالم الحق حصل به فساد.
الثالث: بيان الحق غاية البيان؛ لأن كتمان الحق حصل به ضلال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٢].
فلابد لعلماء الأمة من بيان ما كتموا، وإصلاح ما حصل بكتمان من فساد، والتوبة من ذلك، إلا الذين تابوا من بعد ما ظلموا، وأصلحوا ما أفسدوا، وبينوا ما كتموا،فهؤلاء يقول الله ﷿ لهم: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠].
والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، فيرجع الإنسان من الشرك إلى التوحيد، ومن الظلم إلى العدل، ومن البدعة إلى السُنة، ومن الكبر إلى الذل، ومن الزينة إلى العفاف، وهكذا يرجع من كل معصية إلى ما يقابلها من الطاعة لله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم: ٨].
***
مختارات

