الخزانة الثامنة..
• نواقض التوحيد:
نواقض التوحيد كثيرة ويجمعها ثلاثة أمور:
الكفر الأكبر
والشرك الأكبر
والنفاق الأكبر.
أما منقصات التوحيد: وهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد، ولا تنقضه بالكلية، فإذا وُجدت قدحت في كمال التوحيد وكمال الإيمان، ولم تخرج العبد من الإسلام، وهي كل معصية لا تصل إلى درجة الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، ومن أهمها وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدع.
فالشرك الأكبر هو أن يتخذ العبد ندًا لله، يسويه به في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
والشرك أعظم ذنبٍ عُصِي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم، وأقبح القبائح وأنجسها، لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى وهو العبادة لغيره، أو وصف أحدٍ من خلقه بشيءٍ من صفاته التي اختص بها ﷻ، ولهذا لا يغفره الله لمن مات، ولم يتب منه، لشدة شناعته، كما قال سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
• عقوبات الشرك بالله:
الشرك ظلم عظيم وعقوباته عظيمة، أهمها:
أولًا: أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ثانيًا: أن صاحبه حلال الدم والمال، خارجٌ من ملة الإسلام:﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وهؤلاء الموجب لقتالهم هو كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك.
ثالثًا: أن الله لا يقبل من المشركين عملًا، وما عملوا من عملٍ يكون هباءً منثورا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وهذا الشرك محبطٌ لكل عمل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
رابعًا: أنه يحرم على المشرك أن يتزوج بمسلمة، لأنها أعلى منه في توحيدها وإيمانها، ويحرم على المسلم أن يتزوج بمشركة لأنها نجسة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
خامسًا: إذا مات المشرك فلا يُغسّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يوارى بثيابه في أي حفرةٍ لئلا يؤذي الناس برائحته.
سادسًا: أن المشرك لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث المشرك،كما قال النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» أخرجه مسلم.
سابعًا: أنه يحرم على المشرك دخول الجنة، وهو مخلدٌ في النار يوم القيامة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
• أقسام الشرك الأكبر:
ينقسم الشرك الأكبر إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الشرك في الربوبية.
وهو أن يجعل الإنسان لله شريكًا معه في الملك والتدبير والخلق والرزق ونحو ذلك:﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٤].
ومن صور هذا الشرك شرك النصارى الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وشرك المجوس الذين يسندون حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومنه شرك القدرية الذين يقولون إن العبد يخلق أفعاله، ومنه شرك غلاة الصوفية والرافضة وغيرهم من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تقضي الحاجات، وتفرج الكربات: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
ويعتقد بعض الصوفية أن بعض مشايخهم يتصرف في الكون، ويغيث من استغاث به مع موته أو غيبته عنه، ومنه الاستسقاء بالنجوم باعتقاد أنها وحدها مصدر السقيا دون مشيئة الله.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات، بأن يجعل لله شريكًا في أسمائه وصفاته، أو يصف الله تعالى بشيءٍ من صفات خلقه، والله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وصور هذا الشرك كثيرة، منها الشرك بالادعاء بعلم الغيب، أو اعتقاد أن غير الله يعلم الغيب، واعتقاد أن الأنبياء والأولياء والصالحين يعلمون الغيب: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الصوفية والرافضة، ولهذا يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين وغيرهم:﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
الثالث: الشرك في الألوهية، هو أن يعتقد العبد أن أحدًا غير الله يستحق أن يُعبد، أو يصرف شيئًا من العبادة لغير الله من دعاءٍ أو ذبحٍ ونحوهما: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
• أقسام الشرك في الألوهية:
ينقسم الشرك في الألوهية إلى ثلاثة أقسام:
الأول: اعتقاد شريكٍ لله في الألوهية، فكل من اعتقد أن غير الله يستحق العبادة مع الله، أو يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، فهو مشركٌ بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ فمن سمى نفسه أو ولده عبد الرسول أو عبد الشمس أو عبد القمر أو عبد الحسين ونحوهما من الأسماء التي فيها التعبيد للمخلوق، معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يعبد، فهو مشركٌ بالله الشرك الأكبر:﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
الثاني: صرف شيءٍ من العبادات المحضة لغير الله.
كالدعاء والصلاة والصوم والذبح وغيرها، فمن صرف من ذلك لغير الله شيئًا قد وقع في الشرك الأكبر: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١٠٩ - ١١٠].
والشرك في العبادة ينحصر في أمرين:
أحدهما: الشرك في دعاء المسألة، وهو أن يطلب العبد من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، من جلب نفع، أو دفع ضر، ويدخل في دعاء المسألة الاستعانة والاستغاثة، والاستعاذة والاستجارة.
والدعاء من أعظم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله وحده،ولا يجوز صرفه لغير الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
ومن الشرك في دعاء المسألة ما يلي:
الأول: دعاء الميت أو الغائب، سواءٌ كان نبيًا أو وليًا صالحًا أم غيرهم، فمن دعا أحد هؤلاء معتقدًا أنه يسمع كلامه، ويعلم بحاله، ويقضي حاجته، فقد وقع في الشرك الأكبر، سواءً طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، أم طلب منه أن يدعو الله له أو يشفع له عنده: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
الثاني: أن يطلب من المخلوق من الأمور ما لا يقدر عليه إلا الله وحده، سواءٌ كان ميتًا أو حيًّا، أو نبيًّا أو وليًّا أو ملكًا أو جنيًا أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه، أو نصره على عدوه، أو كشف كربته، أو يطلب منه أن يغيثه أو يعينه أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله وحده.
فهذا كله شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، لما فيه من دعاء غير الله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
الثالث: أن يجعل بينه وبين الله واسطة في الدعاء، معتقدًا أن الله لا يجيب دعاء من دعاه مباشرة، فهذه شفاعةٌ شركية مخرجة من الملة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
الثاني: الشرك في دعاء العبادة، فدعاء العبادة هو عبادة الله ﷿ بأنواع العبادات.
القلبية كالحب والخوف والرجاء، والقولية كذكر الله، وتلاوة القرآن، والفعلية كالصلاة والصوم والحج والذبح وغيرهما من أنواع العبادات.
وسمّيَ هذا كله دعاء عبادة، لأن العابد لله بهذه العبادات طالبٌ وسائلٌ لله في المعنى، لأنه إنما يقوم بفعل هذه العبادات رجاء ثواب الله، وخوفًا من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، فهو داعٍ لله بلسان حاله، لا بلسان مقاله.
وينقسم الشرك في دعاء العبادة إلى أربعة أقسام:
الأول: الشرك في الخوف.
والخوف المنبعث من البشر أربعة أقسام:
الأول: الخوف من الله، وهو خوف المؤمن من ربه، وهو خوفٌ مقترنٌ بالمحبة لله، والتعظيم له، والذل له، وهذا الخوف هو الواجب على كل مسلم، وهو أصلٌ من أصول العبادة: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
الثاني: الخوف الجبلِّي، وهذا الخوف مباح إذا وجدت أسبابه، كأن يخاف من النار، أو السبع، أو العقرب، أو العدو ونحو ذلك، كما قال سبحانه عن موسى ﷺ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١].
الثالث: الخوف الشركي، وهو أن يخاف المخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع، كالخوف من صنمٍ أو ميتٍ أو جنيٍّ أو ساحرٍ أن يصيبه بمكروه من مرضٍ، أو سلب نعمة، أو آفةٍ في ماله أو أهله.
فهذا كله من الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ [الزمر: ٣٦].
الرابع: الخوف الذي يحمل صاحبه على ترك واجب، أو فعل محرم، وهذا الخوف محرم، لما فيه من خوف غير الله أن يضره في ماله أو بدنه أو أهله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
الثاني: الشرك في المحبة.
والمحبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المحبة الواجبة، وهي محبة الله، ومحبة رسوله، ومحبة كتابه، ومحبة دينه، ومحبة كل ما يحبه الله ويرضاه.
الثاني: المحبة الطبيعية المباحة، كمحبة الوالد لولده، والزوج لزوجه، والإنسان لصديقه ونحو ذلك، وهذه المحبة مباحة، بشرط ألا يصحبها تعظيمٌ ولا خضوع ولا ذلٍ للمحبوب، ولا تصل إلى درجة محبة الله ورسوله، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي محبةٌ محرمة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقوله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
الثالث: محبةٌ شركية، وهي أن يحب مخلوقًا محبةً مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
الثالث: الشرك في الرجاء، وهو أن يرجو العبد من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه، فهذا كله من الشرك الأكبر.
فمن صلى أو سجد أو انحنى لمخلوقٍ محبةً له، وخضوعًا له، ورجاءً له فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع في الشرك الأكبر، لما في ذلك من صرف العبادة لغير الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
الرابع: الشرك في الذبح.
والذبح أربعة أقسام:
الأول: ذبح الحيوان المأكول تقربًا إلى الله، وتعظيمًا له، كالأضحية، وهدي التمتع والقران في الحج، والذبح للتصدق باللحم، ونحو ذلك، فهذا مشروع، وهو عبادةٌ من العبادات العظيمة، كما قال ﷾: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].
الثاني: ذبح الحيوان المأكول للأكل أو لضيف أو لعرس ونحو ذلك، فهذا مأمورٌ به إما وجوبًا وإما استحبابًا.
الثالث: ذبح الحيوان من أجل التجارة في اللحوم أو لأكله، فهذا فعلٌ مباح.
الرابع: الذبح تقربًا إلى المخلوق، وتعظيمًا له، وخضوعًا له، فهذه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق فقد وقع في الشرك الأكبر، وذبيحته محرمةٌ لا يجوز أكلها، سواءً كان هذا المخلوق من الإنس أو الجن، أو الملائكة، أو الأحياء، أو الأموات: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].
وقد قال النبي ﷺ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ».
أخرجه مسلم.
الخامس: الشرك في الزكاة والصدقة والنذر.
فالزكاة والصدقة والنذر عبادات لا يجوز صرفها إلا لله وحده، فمن نذر لمخلوق، كأن يقول لفلان على نذر أن أصوم كذا، وأتصدق بكذا، أو قال إن شفى مريضي أو جاء غائبي، فللشيخ فلان عليّ أن أتصدق بكذا، فهذا كله نذرٌ محرمٌ وباطل، ومن فعل ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة النذر لغير الله.
ومن اخرج زكاة المال أو تصدق على قبر ميت قربةً إليه فهذا كله من الشرك الأكبر: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
السادس: الشرك في الصيام والحج والطواف، فالصيام والحج والطواف من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صام أو حج البيت تقربًا إلى ولي أو ميت أو غيرهما من المخلوقين، أو حج إلى قبر تقربًا إليه أو طاف بقبر نبي أو غيره فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة، سواءٌ فعله أو اعتقد جوازه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
الثالث: الشرك في الحكم والطاعة.
وصور الشرك في هذا النوع أنواع:
الأول: اعتقاد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله، فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
الثاني: اعتقاد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، أو وضع تشريعٍ أو قانونٍ مخالف للقرآن والسنة، فهذا كله شركٌ أكبر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الثالث: من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو قبيلته معتقدًا أنها أفضل من حكم الله أو مثله، وأنه يجوز الحكم بها،فهذا كله شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
الرابع: أن يطيع من يحكم بغير شرع الله عن رضا، مقدمًا له على شرع الله، أو معتقدًا جواز الحكم بغيره، أو معتقدًا أن هذا الحكم أفضل من حكم الله أو مثله، وكل من يتحاكم إلى العادات القبلية المخالفة للشرع فقد وقع في هذا كله في الشرك الأكبر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الخامس: أن يدعو إلى تحكيم غير شرع الله، وعدم تحكيم شرع الله، محاربةٌ للإسلام، وتعظيمٌ له، إعجابًا بالكفار وأنظمتهم، واعتقاد أنها أفضل من شرع الله، فهذا كله من الشرك الأكبر، لأن الدعوة للباطل شرٌ من إتباعه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
***
مختارات

