الخزانة السابعة..
أقسام التوحيد:
التوحيد الذي أمر الله به قسمان:
الأول: توحيد الرب بأسمائه وصفاته وأفعاله، فهذا توحيد الرب بأفعاله.
الثاني: توحيد الله بأفعال العباد، فهذا توحيد الألوهية والعبادة، وكل آية في القرآن متضمنة للتوحيد بنوعيه، شاهدة لله به، وداعية إليه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والقرآن العظيم كتاب التوحيد والإيمان، والفضائل والأحكام.
فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهذا هو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة الله في أمره ونهيه، فهذه حقوق التوحيد ومكملاته، فإن من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه وشرعه، فلابد أن يطيعه:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته في الدنيا والآخرة، فهذا جزاء أهل توحيده والإيمان به: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وإما خبرٌ عن أهل الشرك، وعقابهم في الدنيا والآخرة فهذا جزاء من خرج عن حكم التوحيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
فالقرآن كله في التوحيد وتقريره، وحقوقه وجزائه، وفي شأن أهل الشرك وجزائهم، وفي شأن أهل التوحيد وأعمالهم وجزائهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
التوحيد هو الإيمان بالله وحده لا شريك له، ومعنى وحدت الله جعلته منفردًا عمن يشاركه أو يشبهه في أسمائه وصفاته وأفعاله، فلا نظير له ولا شبيه له، فهو سبحانه الواحد الأحد، المنفرد عن الأنداد والأشكال، في جميع الأحوال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فهو الحي الذي ليس كمثله شيءٌ في الحياة، وهو القوي الذي ليس كمثله شيء في القوة، وهو العليم الذي ليس كمثله شيء في العلم.
فالتوحيد الواجب على العبد الإقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه، وله وحده الخلق والأمر، وله الملك، وله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى والمثل الأعلى، وأنه الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، فلا إله غيره، ولا رب سواه ولا شريك له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ثم إفراده بالعبادة وإخلاص الدين له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
والتوحيد هو أن توحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحده بالعبادة، فتعبده وحده لا شريك له، وتجتنب عبادة ما سواه، ويسمى التوحيد علم العقيدة، والعقيدة هي عقد القلب على تصديق خبر الرب، وتنفيذ أمره، والإيمان به إيماناً لا يقبل الشك، مع الثبات عليه إلى الممات.
فالعقيدة عقد القلب على تصديق خبر الرب، والاستعداد لتنفيذ أوامر الرب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
• فالتوحيد قسمان:
توحيد الربوبية.
وتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية يسمى توحيد العبادة، وتوحيد الغاية، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد الشرع والقدر، وتوحيد الإرادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وسمي التوحيد الإرادة، لأنه توافقت إرادة العبد مع إرادة الرب الكونية، ومع إرادة الله الشرعية، ويسمى توحيد القدر والشرع، لأن العبد لا يسلم إلا بالإيمان بالقدر، والعمل بالشرع.
أما توحيد الربوبية فيسمى توحيد الوسيلة، وتوحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وسيلةٌ لتوحيد العبادة، فأنا أعبد الله ﷿، لأنه الخالق لكل شيء الذي بيده كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فجاء توحيد العبودية بعد معرفة توحيد الربوبية.
والله خلق كل موجود من غير موجود، ووهب له الحياة، وأعطاه القدرة على إنجاب مثله، كسائر أنواع النبات والحيوان، أما الإنسان فإن الله أكرمه بأن يوجد معدومًا من موجود، كما صنع السيارة من الحديد، ويوجد الإنسان معدومًا، ويظل جامدًا على الإيجاد، فلا حياة له، ولا نماء، فالله أحسن الخالقين، فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
• قوة كلمة التوحيد:
كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " كلمةٌ عظيمة، لو وضعت السماوات والأرض وما فيهن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله، ولو كانت السماوات والأرض حلقةً مفرغة، لفصمتهنً لا إله إلا الله.
فشهادة التوحيد هي التصديق والإقرار بلا إله إلا الله، وذلك يقتضي القيام بحقوقها، وهي أداء شرائع الإسلام بالتصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فالله ﷿ بعث رسوله محمدًا ﷺ إلى الكفار والمشركين في مكة، ودعاهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، ويشهدوا أنه رسول الله، فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره الله ﷿ أن يأمرهم بالصلاة، ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالهجرة إلى المدينة.
فأمرهم فهاجروا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره الله أن يأخذ من أموالهم صدقةً يطهرهم بها فأمرهم ففعلوا، ووالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا زكاتهم.
فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم، ويشهدوا كشهادتهم، ويصلوا صلاتهم، ويؤدوا زكاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا زكاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتالهم.
فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره الله ﷿ أن يأمر الناس بالطواف بالبيت تعبدًا، وأن يحلقوا رؤوسهم لله تذللًا، ففعلوا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا زكاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم وأبناءهم.
فلما علم الله الصدق في كل ذلك من قلوبهم، وتابع عليهم شرائع الإسلام وحدوده، فقبلوا ذلك، ورضوا به، وفعلوه، وقاموا بامتثال كل ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، أنزل الله قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فكانوا خير أمةٍ أخرجت للناس، توحيدًا وإيمانًا، وعبادةً ودعوةً، وتعليمًا وأخلاقًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وهؤلاء هم القرن الأول، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فإنهم على الهدي المستقيم، أولئك أصحاب محمدٍ ﷺ أكمل الناس توحيدًا وإيمانًا، وبذلاً وعطاءً ومجاهدة وتضحيةً، وهجرةً ونصرةً، وقيامًا بهذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
• الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:
أن توحيد الربوبية هو توحيد الرب بأسمائه وصفاته، وهو توحيد الرب بأفعاله، وهو متضمنٌ للإقرار بوجوده: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
فمن أنكر وجود الله فهو أسفه الخلق كلهم.
أما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، ويسمى باعتبار إضافته إلى الله بتوحيد الألوهية، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بتوحيد العبادة، وتوحيد القصد، وتوحيد العمل، وتوحيد الإرادة، وتوحيد الله بأفعال العباد.
وتوحيد الربوبية مستلزمٌ لتوحيد الألوهية، لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له.
وتوحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الربوبية، فكل من عبد الله لابد أن يكون قد عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقد ذكرهما الله ﷿ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فالحمد عبادة موجهةٌ للرب الذي يربي العالمين، والتوحيد أصفى شيء، وأنقى شيء كالثوب الأبيض، كل شيءٍ يؤثر فيه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وللتوحيد نواقض كما أن للوضوء نواقض، وللصلوات نواقض، ونواقض التوحيد هي الأمور التي تخرج العبد من الدين بالكلية، فيكون كافرًا مرتدًا عن دين الإسلام.
***
مختارات

