الخزانة الأولى..
مقصود جميع العبادات هو ذكر الله ﷿، ومن ذكر الله ﷿بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، عظمه، وكبره، وحمده، وشكره، وأحبه، وأثنى عليه، وأقبل على طاعته، وعبادته، وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].
والذكر الجامع، الذي يريده الله من عباده إذا أمرهم بذكره، هو ذكر الله بالثناء، والتعظيم، والإجلال، وذكر نعمه، وفضله، وإحسانه إلى عباده، وذكر جلاله الموجب للخشية، والحياء منه، وذكر وعيد الله، وعقابه لمن كفر به، وعصاه، وذكر يوم العرض الأكبر، يوم القيامة، وذكر دار القرار، وذكر كمال رحمة الله، ولطفه بعباده، وذكر حلمه، وعفوه، وذكر كمال مغفرته، ورأفته: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
فهذا الذكر إذا تواطأ عليه القلب، واللسان مع إظهار الحاجة، والافتقار، والاضطرار، قضى حاجة صاحبه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وأنواع الذكر ثلاثة:
ذكر الله يكون بالقلب.
يكون باللسان.
يكون بالجوارح.
فالذكر باللسان يكون بحمد الله، وشكره، وتسبيحه، وتكبيره، وتمجيده، وتلاوة كتابه، والدعوة إليه، وتعليم شرعه.
• وذكر الله بالقلب ثلاثة أنواع:
الأول: الفكر في الدلائل الدالة على كمال ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
الثاني: الفكر في الدلائل الدالة على كمال أحكامه، وتكاليفه، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ووعيده: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
الثالث: الفكر في أسرار المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي، وهذا مقام عظيم لا نهاية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
أما ذكر الله بالجوارح، فهو أن تكون جوارح العبد مستغرقةٌ في الأعمال الصالحة، التي أمر الله بها، خالية من الأعمال السيئة التي نهى الله عنها: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله سبحانه له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو العظيم المنزه عن المثيل وعن صفات النقص، والعيب، وعن صفات البشر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاج إليه؛ ولهذا يستحق الحمد، والتكبير، والذكر، والشكر ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]
لهذا كان سبحانه مستحقًا لأعظم أنواع الحمد، والحمد يجب أن يكون مقرونًا بالإجلال والتكبير لعظيم نعمه، وإحسانه ﷻ، ولجلاله، وجماله.
• وتكبير الله أنواع:
الأول: تكبير الله في ذاته، فهو الكبير وحده، وكل ما سواه صغير، هو الغني عن كل ما سواه وحده، وكل ما سواه فقير:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الثاني: تكبير الله في صفاته، وذلك من ثلاثة أوجه:
١ - فجميع صفات الله يعتقد العبد أنها صفات إجلال، وجمال، وكمال، وأنه سبحانه منزه عن صفات النقص، وصفات الخلق.
٢ - وأن يعتقد أنه كما لا نهاية لذاته، فلا نهاية لصفاته.
٣ - ويعتقد أنه كما تنزهت ذاته عن الحدوث، والتغير، والزوال، فكذلك صفاته ذاتية، أزلية، منزهة عن التغير، والحدوث ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
الثالث: تكبير الله في أفعاله، فنحمد الله، ونكبره على أنه يفعل ما يشاء، ولا يجري في ملكه إلا ما يشاء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الرابع: تكبير الله في أحكامه، بأن يعتقد بأنه وحده الملك، الذي له الملك، والخلق، والأمر، وله الحكم كله، يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
• الإنسان بين الذكر والغفلة:
الإنسان إما ذاكر، وإما غافل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
ونوع الإنسان أنه من شأنه إذا فاز بمحبوبه، ووصل إلى مطلوبة، أغتر بنفسه، وماله، وصار غافلًا عن عبادة ربه الذي أنعم عليه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨].
وكل ما زاد الله عليه نعمه اغتر بها، فنسي ذكر الله، وأعرض عن عبادة ربه الذي خلقه، وأنعم عليه، وهداه ن وإن مسه فقر، أو مرض، أو ابتلاء كان يئوسًا، شديد اليأس من رحمة الله، واستولى عليه الأسف، والحزن على الدنيا، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محروم أبدًا من ذكر الله، ورحمته سواء أعطي، أو منع: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٨٤].
فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محروم أبدًا، فليس العطاء، والمنع المادي، دليل على رضا الله عن العبد، بل رضاه سبحانه مقرون بعبادته وحده لا شريك له، وطاعته، وطاعة رسوله.
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢١].
ولا سعادة للإنسان أبدا إلا بالإيمان بالله، ودوام ذكره،والعمل بشرعه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وهذه النفوس المؤمنة، تعود إلى ربها يوم القيامة،راضية مرضية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
• وذكر الله ﷿ ينقسم إلى قسمين:
ذكرٌ نفساني.
ذكرٌ لساني.
الأول: الذكر النفساني
أن تذكر ربك العظيم في نفسك من غير كلام، فتذكر في نفسك عظمة ربك، وكبريائه، وكماله، وجلاله، وتذكر فضله، ونعمه، وإحسانه، وتذكر ثوابه، وعقابه لاستدامة تعظيم الله والتضرع إليه، والخوف منه، كما قال سبحانه:﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال ﷿: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
الثاني: الذكر اللساني.
وهو ذكر الله باللسان، كقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتلاوة القرآن، وأذكار الصلاة، وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان بإحسان، ثم ذكر القلب بأنه يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، وهذا النوع من الذكر عظيم جدًا؛ لأنك تتفكر في عظمة الله، وسلطانه، وجبروته، وإحسانه، وثوابه، وعقابه، خائفًا منه، راجيًا له: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
وآثار ذكر الله ﷿ كثيرة، فالمؤمنون إذا سمعوا ذكر الله وجلت قلوبهم، وخافت، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكذلك المؤمنون إذا سمعوا ذكر الله، اطمأنت قلوبهم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
فالطمأنينة تعتلى قلوب المؤمنين إذا سمعوا ذكر الله، لأن صدورهم انشرحت لمعرفة الحق، واطمأنت به، ومع هذا يخافون من الله، لما يرون من عظمته، وجبروته، وجلاله، ويخافون ألا يتقبل منهم أعمالهم، لما يعتريها من النقص ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
لهذا لا يتكلون على أعمالهم، بل يتوكلون على ربهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
أما الكفار فإذا ذكر الله عندهم اشمأزت قلوبهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥].
أنواع الذكر:
الله ﷿ أمرنا بالإكثار من ذكره كمًا، وكيفًا، ليلًا، ونهارًا، مكانًا، وزمانًا، وعلمنا الله، ورسوله كيفية الذكر، وأنواعه، ومقاديره، والذكر أوسع أبواب العبادات، فهو مسنون كل وقت، وكان ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• وأنواع الذكر ثلاثة:
الأول: ذكر أسماء الله، وصفاته، ومعرفة معانيها، والثناء على الله بها، والتعبد لله بها.
الثاني: ذكر آلاء الله، ونعمه، وإحسانه إلى عباده.
الثالث: ذكر الأمر، والنهي، والحلال، والحرام، والوعد، والوعيد.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
و ذكر الله ﷿ يكون بثلاثة أشياء:
بالقلب.
واللسان.
والجوارح.
فذكر الله بالقلب هو: التفكر في عظمة أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، وآلائه، وإحسانه، وآياته، ونحو ذلك: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
أما الذكر باللسان هو: كل قول يقرب إلى الله ﷿ من التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وكذا ذكر الله ﷿ بأنواع الأذكار والأدعية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وأما الذكر بالجوارح فهو كل فعل يقرب إلى الله ﷿ من أنواع العبادات، كالصلاة، والزكاة، ونحوها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
• فذكر الله ﷿ أنواع كثيرة:
١ - ذكر الله بأسمائه، وصفاته، والثناء عليه بها.
٢ - ذكر الله بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل.
٣ - ذكر الله بأحكامه، وأوامره، ونواهيه.
٤ - ذكر الله بمعرفة أقداره الكونية.
٥ - ذكر الله بكلامه، بتلاوة كتابه العظيم، وهو أفضل الأذكار.
٦ - ذكر الله بالدعاء، والاستغفار، والذكر، والتضرع.
وأسعد الناس بهذه الأذكار، أهل العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال ﷿: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وتذكير الناس بالدين له ثلاث حكم:
الأولى: إبراء ذمة المذكر، كما قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤].
الثانية: رجاء النفع لمن يوعظ بها.
قال ﷿: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].
وقال ﷿: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩].
وبين الله هاتين الحكمتين بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف: ١٦٤].
الثالثة: إقامة الحجة على الناس، كما قال سبحانه:﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].
***
مختارات

