الخزانة الثانية..
• القدر نظام التوحيد:
فمن وحد الله، وآمن بالقدر، تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض تكذيبه توحيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
• والمخاصمون في القدر فريقان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كما قال سبحانه عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
الثاني: من ينكر قضاء الله وقدره السابق.
والطائفتان كلاهما خُصماء لله، قالوا على الله غير الحق، ومن كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام فإن الله ﵎ قدر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم العافية بقدر، وقسم البلاء بقدر، وأمر ونهى، وأحل وحرم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وقال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣]
والقدر هو: تقدير الله للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله، ومن شاء من خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه، سواء كان خيرًا أو شرًا.
• مراتب الإيمان بالقدر أربعة:
الأول: العلم، بأن يؤمن العبد بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلًا، يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
الثاني: الكتابة، بأن يؤمن العبد أن الله كتب كل شيء جملة وتفصيلًا، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
الثالثة: المشيئة، بأن يؤمن العبد أن كل شيء في العالم العلوي والعالم السفلي كائن بمشيئة الله وإرادته، إذ لا يكون في ملكه سبحانه ما لا يريده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]
الرابعة: الخلق، بأن يؤمن العبد أن الله خالق كل شيء ومدبر كل شيء ومالكه، حتى فعل المخلوق، لأن فعل المخلوق من صفاته، والمخلوق وصفاته مخلوقان لله ﷿،كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وينبغي أن يعلم الإنسان أن القدر له كالطبيب مع المريض،فإن قُدم الطبيب إلى المريض الطعام فرح وقال: لولا أنه علم أن الغداء ينفعني ما قدمه، وإن منعه الطعام فرح وقال: لولا أنه علم أن الغذاء يؤذيني لما منعني، وهذا غاية اللطف من الله تعالى، ومن لم يعتقد هذا لم يصح توكله على الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
والدعاء لا يناقض الرضا بالقدر، فقد تعبدنا الله به، وأمرنا به فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وإنكار المعاصي، وعدم الرضا بها، قد تعبدنا الله به، وذم الراضي به.
فإن قيل وردت الأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى، والمعاصي بقضائه، فكراهتها كراهة لقضائه.
وجواب هذا أن يقال المعاصي لها وجهان:
الأول: وجه إلى الله تعالى، من حيث أنها اختياره، وإراداته، فنرضى بها من هذا الوجه تسليمًا للمُلك إلى مالك المُلك سبحانه.
الثاني: وجه إلى العبد، من حيث أنها كسبه ووصفه وفعله، وعلامة لكونه ممقوتًا عند الله بغيضًا عنده، حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت، فهو من هذا الوجه منكرُ مذموم، فالعبد هو الفاعل للمعصية وهو الذي يتحمل إثمها، والعقوبة عليها: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
• درجات الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر على درجتين:
الأولى: الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، أهل الجنة من هم؟ وأهل النار من هم؟ وأعد لهم الثواب والعقاب قبل خلقهم، وكتب ذلك عنده، وأن أعمال العباد تجري على أمر قد قُدر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٥٠].
فكل الأمور تجري على ما سبق في علم الله وكتابته ﷻ.
الثانية: الإيمان بأن الله خلق أفعال العباد كلها من الإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي، وشاءها منهم، كما قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
والمؤمن يصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعائب، والجاهل الظالم يحتج بالقدر على ذنوبه وسيئاته، ولا يعذر بالقدر من أساء إليه، ولا يذكر القدر عندما تحصل له نعمة: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
والواجب على العبد إذا عمل حسنة أن يعلم أنها نعمة من الله هو يسرها وتفضل بها فلا يعُجب بها، وإذا عمل سيئة استغفر الله وتاب منها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإذا أصابته مصيبة سماوية، أو بفعل العباد، علم أنها مقدرة مقضية عليه لا بد من وقوعها، وللعبد منفعة في حصولها فإن اختيار الله للعبد أحسن من اختياره، وكل ما خلق الله حق، وله سبحانه في كل مخلوق حكمة يحبها ويرضاها، وهو سبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه، وكل خلق وأمر من الله حسن جميل.
وهو سبحانه محمود عليه، وله الحمد على كل حال، وإن كان في بعضها شرًا بالنسبة إلى بعض الناس، والمؤمن مأمور أن يصبر على المصائب، ويطيع الأوامر الإلهية، ويستغفر من الذنوب والمعائب البشرية، وليس في القدر حجة لابن آدم، ولا عذر في فعل ما يشاء، بل القدر نؤمن به، ولا نحتج به، ولو كان القدر حجة وعذرًا لم يكن إبليس ملومًا ولا معاقبًا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وكل شيء سوى الله ﷿ فهو مخلوق، وأفعال العباد كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
ونفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله ﷿، والعبد مأمور منهي مثاب معاقب، والله جعله حيًا مريدًا قادرًا فاعلًا يصوم، ويصلي، ويزكي ويحج، ويؤمن ويكفر، ويقتل ويسرق، ويطيع ويعصي، باختياره ومشيئته: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والله خالق ذات العبد وصفاته وأفعاله، وله مشيئة والله خالق مشيئته، وله قدرة، والله خالق قدرته، وهو مصلٍ صائم والله خالقه وخالق أفعاله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
والعبد الحي يؤمر وينهى، ويحمد ويُذم، على أفعاله الاختيارية، وهو الفاعل لهذه الأفعال، والمتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد كسبًا، وهي مفعولة الرب قدراً كغيرها، فالله وحده هو الذي له الخلق والأمر، وما سواه مخلوق مربوب.
فهو سبحانه الذي جعل الأبيض أبيضًا، والأسود أسودًا، والساكن ساكنًا، والمتحرك متحركًا، والذكر ذكرًا، والأنثى أنثى، والحلو حلوًا، والمر مرًا، وهو سبحانه كذلك الذي جعل المسلم مسلمًا، والمطيع طائعًا، والمصلي مصليًا، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
وهو سبحانه الذي جعل الكافر كافرًا، والعاصي عاصيًا كما قال سبحانه عن آل فرعون: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص: ٤١].
فالله سبحانه خالق الذوات، وخالق صفاتها، وخالق أفعالها:﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وكون الله خالقًا للعبد وفعله، لا يمنع أن يكون العبد هو المأمور المنهي، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].
والله ﵎ حكيم عليم، له الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير يفعل ما يشاء بحكمته، فيعطي ويمنع، ويهدي ويضل، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل، ويُسعد ويشقي، ويعفو وينتقم:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو سبحانه الذي جعل المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا، وهذا يدعو إلى الخير، وهذا يدعو إلى الشر.
هو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة سابغة ورحمة عامة وخاصة: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
يفعل ما يشاء لا لمجرد قدرته وقهره، بل لكمال علمه وقدرته بالظواهر والبواطن، وكمال حكمته ورحمته بخلقه، ومن حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه، ومنها ما استأثر الله سبحانه بعلمه، والله ﷿ له الحجة البالغة على جميع خلقه، حيث أنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول التي يعرفون بها ربهم، وما شرعه لهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
ومع هذا فلو شاء سبحانه لهدى الخلق أجمعين إلى إتباع شريعته، كما خلقهم أجمعين، وكما فطر جميع الكائنات على معرفته وعبادته، لكنه سبحانه يمن على من يشاء فيهديه فضلًا منه وإحسانا، ويحرم من يشاء، لأنه متفضل، له أن يتفضل وله ألا يتفضل، فترك تفضله على من حرمه، وذلك عدل منه وقسط، وله في ذلك حكمة بالغة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والقضاء والقدر كالإسلام والإيمان، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا وشمل كل واحد معنى الأخر وحكمه.
فإذا اجتمع القضاء والقدر في الذكر افترقا في المعنى، فأصبح لكل منهما معنى يخصه، فيراد بالقدر علم الله السابق به، والكتابة لذلك العلم، ويراد بالقضاء مشيئة الله لذلك وخلقه أي تنفيذ ما قدره الله والفراغ منه، وإذا افترقا فذُكر أحدهما دون الآخر، دل على معناه ومعنى الأخر.
فالقدر: سابق للقضاء.
والقضاء: هو تنفيذ القدر والفراغ منه.
والله سبحانه له الخلق والأمر في الكون كله، كما قال سبحانه: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
• وأوامر الله سبحانه نوعان:
الأول: أمر كوني قدري، تعلقت به مشيئته الكونية، كأوامر الخلق والتدبير في الكون: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
الثاني: أمر ديني شرعي تعلقت به محبته، فكل ما حصل من طاعات العباد، تعلقت به مشيئة الله الكونية، ومحبته الشرعية، فهو محبوب للرب، واقع بمشيئته، وما لم يحصل من الطاعات تعلقت به محبته الشرعية، دون مشيئته الكونية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وما وقع من المعاصي تعلقت به مشيئة الله الكونية، دون محبته الشرعية، وما لم يقع من المعاصي تعلقت به محبته الشرعية، دون مشيئته الكونية.
• وأفعال العباد تنسب إلى الله خلقًا، وإلى العباد كسبًا لأمرين:
الأول: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية، وقدرة بدنية،والذي خلق ذلك كله هو الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
الثاني: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى، فما فعله العبد من خيرًا أو شر فهو كسبه، يتعرض لجزائه من الثواب والعقاب، لأنه فعله مسند إليه شرعًا وعقلًا وحسًا، فعله بمحض اختياره على علم بعاقبته، مستعملًا القدرة التي منحه الله إياها، فإن أطاع فطاعته وثوابه من فضل الله عليه، وإن عصى فمعصيته باختياره،وعقوبته من عدل الله فيه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ الإنسان: [الإنسان: ٢ - ٣].
فالإيمان بالقدر من أعظم أركان الإيمان المولدة للطمأنينة:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فالقدر: هو علم الله بكل شيء وتقدير ذلك وكتابته في اللوح المحفوظ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
والإيمان بالقدر:
هو التصديق الجازم بأن كل ما يقع من الخير والشر، وكل شيء فهو بقضاء الله وقدره كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
• أركان الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء كان مما يتعلق بفعله سبحانه كالخلق والتدبير، والإحياء والإماتة و نحو ذلك، أو كان مما يتعلق بفعل المخلوق كأقوال الإنسان وأفعاله وأحواله، وكأحوال الحيوان والنبات والجماد وكل شيء فالله به عليم، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الثاني: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، من المخلوقات والأحوال، والأرزاق والآجال والعوالم، كتب كميته وكيفيته وزمانه ومكانه، فلا يتغير ولا يتبدل، ولا يزيد ولا ينقص، إلا بأمره سبحانه:﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وعن عبد الله بن عمر بن العاص قال: سمعت الرسول ﷺيقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» أخرجه مسلم.
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله وإرادته، فكل شيء واقع بمشيئة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا، سواء كان مما يتعلق بفعله سبحانه، كالخلق، والتدبير، والإحياء والإماتة، و نحو ذلك، أو كان مما يتعلق بأفعال المخلوقين كالنيات، والأقوال، والأعمال، والأحوال، كما قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١١ - ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
الرابع: الإيمان بأن الله ﷿ خالق كل شيء، خلق سبحانه جميع الكائنات بذواتها وصفاتها وحركاتها، لا خالق غيره، ولا رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وسر القدر أن كل ما يفعله الله ﷿ ويقضيه ويقدره على خلقه، ففيه مصالح كثيرة وحكم عظيمة وخير كثير.
فما يفعله سبحانه من المعروف والإحسان دال على كرمه ورحمته، وما يفعله من البطش والانتقام دال على غضبه وسخطه، وما يفعله من اللطف والإكرام دال على محبته وحلمه، وما يفعله من الإهانة والخذلان دال على بغضه ومقته، وما يفعله بمخلوقاته من النقص ثم الكمال دال على كمال قدرته ودال على وقوع المعاد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
فجميع أفعال الله ﷻ مقرونة بالقدرة المطلقة، والقدرة المطلقة مقرونة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة مقرونة بالخير المطلق، فإن الخير كله بيديه، والشر كله ليس إليه:﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
***
مختارات

