الخزانة الرابعة..
• فقه الفرق بين النبي والرسول:
يطلق النبي على الرسول، ويطلق الرسول على النبي، فإذا اجتمعا في آية فلكل واحدٍ منهما معنًى يخصه، وإذا افترقا شمل كل واحدٍ معنى الآخر وحكمه.
فالنبي مأخوذٌ من النبوة أو من الإنباء، فالنبي منبأٌ من الله بشرع، وهو مخبرٌ عن الله بما أوحاه إليه من أمره وشرعه لعباده.
والنبي مأخوذٌ من النبوة وهي الرفعة، فالنبي ذو رفعةٍ عند الله في الدنيا والآخرة، وذو شرفٌ في قومه وسؤدد، لأنه منبأٌ من الله بشرعه الذي يسعدهم في الدنيا والآخرة.
فإذا اجتمع الرسول والنبي في آية، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢].
فإذا اجتمع الرسول والنبي في آية، فالنبي من بعثه الله إلى قومٍ مؤمنين بشريعةٍ سابقة، ليبطل ما ابتدعوه في تلك الشريعة، ويصحح ما أخطئوا فيه، فهو يحكم بشريعة من قبله، وقد يوحي الله إليه بوحيٍ خاص في واقعةٍ معينة.
والرسول من بعثه الله بوحيه الشرعي إلى قومٍ لم يأتهم نذير قبله، أو أتاهم نذير ولكنهم خالفوه، والأنبياء والرسل يشتركون في الوحي من الله، وفي جنس الإنسان، والأنبياء، لا ينزل عليهم كتاب، بل يحكمون بكتابٍ سابق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقد وصف الله بعض أنبيائه بالنبوة والرسالة، كما قال سبحانه عن موسى ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١].
ووصف الله بعضهم بالنبوة والصدق كما قال عن إدريس:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦].
ووصف الله بالنبوة والرسالة إسماعيل كما قال سبحانه:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].
وجميع الأنبياء المذكورون في القرآن كلهم رسولٌ ونبي.
فالرسول غالبًا يوحى إليه بشرعٍ جديد، والنبي غالبًا يوحى إليه بشرعٍ سابق، الرسول يرسل إلى قومٍ لم تبلغهم رسالة من قبله، أو بلغتهم ولكنهم كفروا وخالفوا أمر الله، والنبي يرسل إلى قومٍ مؤمنين برسالةٍ سابقة، ولكن خالفوها.
فإبراهيم ﷺ أرسله الله إلى قومه، وأرسل من نسله إسماعيل وإسحاق.
فإسحاق خلَف أباه إبراهيم في مقر إقامته بالشام، فصار نبيًا لأتباع إبراهيم، وهو مرسلٌ برسالةٍ يبلغها إلى أولئك القوم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥].
وإسماعيل أرسله الله إلى جرهم الذين لم تبلغهم رسالة قبله، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].
والرسول أفضل من النبي، لتميّز الرسول بالرسالة المطلقة، التي هي أفضل من النبوة، لأن النبوة رسالةٌ مقيدة، فمهمة الرسول أعظم وأكبر من مهمة النبي، لأنه غالبًا له كتابٌ مستقل، وفي كلٍّ خيرٌ وفضلٌ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
وقال الله ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وسيد الأنبياء والرسل وأفضلهم محمدٌ ﷺ، الذي كان أحسن الخلق خَلْقًا وخُلُقًا، وكان خُلُقه القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
والقرآن هو الكتاب الذي أنزله الله عل محمدٍ صلى الله عليه وسلمللناس كافة.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
والقرآن آخر الكتب، وهو أعظمها، والمهيمن عليها، والحاكم عليها، والخاتم لها.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقد اشتمل القرآن العظيم على جميع ما في الكتب السابقة من حُسن الشرائع، وزاد عليها بما هو أحسن في الشريعة والأخلاق والآداب، ولهذا نسخها الله به، وأغنى به عنها، فهو آخر الكتب وأحسنه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
• خصائص النبي ﷺ:
النبي ﷺ سيد الأنبياء والرسل، وأفضلهم وأكملهم، وقد ميزه الله عن غيره بخصائص كثيرة، تدل على أنه خير خلق الله، وأحبهم إليه، وأعظمهم مقامًا لديه، ومن تلك الخصائص:
أولًا: أنه ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين في الدنيا والآخرة، فهو سيدهم في الدنيا، لأن الله جمعهم له في بيت المقدس ليلة الإسراء والمعراج، شكل الله أرواحهم في صورة أجسادهم وصلى بهم ﷺ، ثم عُرج به إلى السماء، إلى مكانٍ لم يبلغه غيره من الأنبياء والرسل، حيث بلغ إلى سدرة المنتهى.
وهو ﷺ سيدهم يوم القيامة، حيث يعتذر كبار الأنبياء والرسل من أولي العزم، ثم يقوم ﷺ فيشفع في أهل الموقف،كما قال ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ، لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي».
أخرجه مسلم.
ثانيًا: أن الله ﷿ ختم النبوة به، وجمع في دينه ما في الشرائع السابقة للأنبياء والرسل، وزاد على ذلك، فهو خاتمهم، فلا يُبعث بعده رسولٌ ولا نبي.
كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقال ﷺ: «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ».
أخرجه مسلم.
ثالثًا: أنه صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة في أهل الموقف، حين يتأخر عنها أولو العزم، ثم يشفع هو ﷺ، فيشفعه الله في أهل الموقف.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.
فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ،فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى.
فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى:إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ.
فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي،ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ،فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ - أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى -».
متفقٌ عليه.
رابعًا: أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة، فيفتح له، وأول من يدخلها، لا يدخلها قبله أحد.
خامسًا: أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، يحمله،ويكون الحامدون تحته كما قال ﷺ: «وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ» أخرجه أحمد.
سادسًا: أنه صاحب المقام المحمود يوم القيامة حين يشفع في الموقف، فيحمده الناس على ذلك، ويحمده الخالق والمخلوق.
سابعًا: أنه صاحب الوسيلة، وهي منزلةٌ عاليةٌ في الجنة،لا تنبغي إلا لعبدٍ واحد كما قال ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ».
أخرجه مسلم.
ثامنًا: أنه ﷺ لا يتم إيمان أحدٍ حتى يؤمن برسالته ﷺ كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آلعمران: ٨١ - ٨٣].
تاسعًا: أن لكل نبي دعوة مستجابة قد دعا بها، وأخر النبي ﷺ دعوته شفاعةً لأمته يوم القيامة كما قال ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» متفقٌ عليه.
وقال ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» أخرجه البخاري.
عاشرًا: أن الله ﷿ نادى جميع الأنبياء بأسمائهم فقال: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥].
وقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦].
وغيرهم من الأنبياء، ونادى محمدًا ﷺ بوصف الرسالة والنبوة، فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وأول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض آدم ﷺ، أرسله الله بشريعةٍ له ولذريته، ونوحٌ صلى الله عليه وسلمأول رسولٍ أرسله الله إلى قومٍ كافرين بعد ظهور الشرك بعد آدم بعشرة قرون، والقرن الجيل من الناس، لا المائة سنة، وكان متوسط أعمار ذلك الجيل سبعمائة سنة.
وكل رسول بعثه الله إلى أمة فهو للإنس والجن من تلك الأمة، فالجن تبعٌ للإنس في خطاب التكليف.
وتوالى إرسال الرسل والأنبياء رحمةً من الله بعباده، حتى ختمهم الله بمحمدٍ ﷺ الذي أرسله الله رحمةً للعالمين إلى يوم القيامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ورسول الله ﷺ رحمةٌ للعالمين، ودلائل ذلك أن الله شهد على صدق النبي ﷺ بقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦].
وشهد سبحانه بفعله، حيث أيد رسوله ﷺ والمؤمنين بالآيات المعجزات، والبراهين القاطعات، ونصرهم على عدوهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وكذلك أقر الله رسوله ﷺ على ما يقوله ويفعله وينسبه إلى ربه، وأمر الأمة بإتباعه في كل ما جاء به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
ولو كان كاذبًا وحاشاه ﷺ لعاقبه كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].
• حقوق النبي ﷺ:
حقوق النبي ﷺ على أمته كثيرة:
الأول: الإيمان بنبوته ورسالته، وأن رسالته ناسخةً لجميع الرسالات قبله، وذلك يقتضي تصديقه ﷺ فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
الثاني: محبته ﷺ، وتقديم محبته على النفس، والمال، والولد، وكافة الخلق، لما له من عظيم الفضل على الأمة، كما قال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَأَهْلِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِين» أخرجه مسلم.
الثالث: الاعتقاد الجازم بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودل الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، ثم توفاه الله بعد أن بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه، وأكمل الدين الذي أرسل به، كما قال ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
وقال ﷺ في حجة الوداع: «لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنَاسِكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي أَنْ لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا».
متفقٌ عليه (١).
الرابع: الإقرار بما خصه الله به من الفضائل العظيمة، والخصائص السامية من عموم الرسالة، وختم النبوة، والشفاعة العظمى، وما أنزل عليه من أعظم الكتب، والمقام المحمود يوم القيامة، وأنه أول من يدخل الجنة، وأنه في أعلى منزلةٍ في الجنة، وذلك دليل على عظمة محبة الله له.
الخامس: تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتعزيره وتوقيره، من غير غلوٍ فيه وإطراءٍ له، وحسن الثناء عليه، والصلاة عليه عند ذكره، ومحبته وحسن الذكر له ولأهل بيته وأزواجه وأصحابه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
السادس: إتباع سنته، والاستقامة على شريعته، وحسن خلافته في أمته بإبلاغ رسالته، وبيان أحكام شريعته، والتعبد لله بما جاء به، والتخلق بأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
السابع: تجنب الغلو فيه ﷺ، وعدم مجاوزة الحد المشروع في مدحه وتعظيمه، وعدم الغلو في إطرائه، لأن ذلك من أعظم الأذية له، فهو بشر، إلا أن الله شرفه بالنبوة والرسالة، وليس له من خصائص الربوبية والألوهية شيء، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله ﷿ للنبي ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقال ﷺ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا تُطْرِي النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أخرجه الدارمي.
• ما خص الله به النبي ﷺ من بين الأنبياء:
خص الله ﷿ الأنبياء والرسل بأحسن الصفات، وأحسن الأخلاق، وأفضل الكرامات، وخص نبيه ﷺ من بين الأنبياء والرسل بخصائص كثيرة جدًا، ومن هذه الخصائص:
أولًا: عموم رسالته ﷺ لجميع الثقلين، الإنس والجن إلى يوم القيامة.
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ثانيًا: أن الله أنزل عليه أعظم الكتب الإلهية، وهو القرآن العظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر/ ٨٧].
وحفظ الله هذا الكتاب من التبديل، والتغيير، والنسخ إلى يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
ثالثًا: ختم النبوة والرسالة به ﷺ، فلا رسول ولا نبي بعده،كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقال ﷺ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» أخرجه مسلم.
رابعًا: أن أمته خير أمة أخرجت للناس كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
خامسًا: أن أمته ﷺ خير الأمم يوم القيامة، وأكثر أهل الجنة.
كما قال ﷺ: «أَلَا إِنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً.
أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ».
أخرجه أحمد.
وقال ﷺ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ:فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»أخرجه مسلم وأهل الجنة من أتباعه صلى الله عليه وسلمأكثر من الثلثين.
سادسًا: أنه صلى الله عليه وسلمسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة كما قال ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» أخرجه مسلم.
ويقول ﷺ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
أخرجه مسلم.
سابعًا: أنه ﷺ صاحب الشفاعة العظمى في أهل الموقف يوم القيامة ليقُضى بينهم، وذلك حين يتأخر عن الشفاعة في الموقف آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فيقول النبي ﷺ: «فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا» أخرجه مسلم
فيشفع في أهل الموقف، ويقضي الله بينهم.
ثامنًا: أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، يحمله ويكون الناس تبعًا له، كما قال ﷺ: «أَنَاسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ».
أخرجه الترمذي تاسعًا: أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة، وأول من يدخل الجنة.
عاشرًا: أنه صاحب الوسيلة، وهي منزلة في الجنة لا تكون إلا لعبدٍ واحد، ويقول النبي ﷺ: «فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» أخرجه أبي داود.
الحادي عشر: أنه أوفر الناس حظًا من الشفاعة لأهل الكبائر من أمته صلى الله عليه وسلمكما قال ﷺ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» أخرجه الترمذي.
الثاني عشر: ما خصه الله به شريعته من تيسير الأحكام، ورفع الآصار والأغلال، ويسر العبادات، ومضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات، وتوسيع الحلال، وتضييق الحرام، وإعطاء الأجور العظيمة على العمل القليل:﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
الثالث عشر: حل الغنائم له ولأمته، وجعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورا.
وغير ذلك من الخصائص الكثيرة التي لا يتسع المقام لذكرها.
فصلوات الله وسلامه عليه.
• فضائل سيد الأنبياء والرسل.
خصال الشرف والحسن، والجلال والجمال والكمال، وفقها الله في جميع الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله، ورباهم، وأرسلهم لهداية عباده، ليعبدوا الله وحده لا شريك له، ثم جمع الله هذه الصفات والمكارم والمحاسن في سيد الأنبياء والرسل محمدٍ ﷺ كما قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة والملك والسلطان: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
وأيوب ﷺ كان من أصحاب الصبر على البلاء: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤].
ويوسف ﷺ كان مستجمعًا لهاتين الحالتين، فقد تعرض للبلاء في السجن، ثم آتاه الله الملك.
وموسى كان صاحب الشريعة القوية القاهرة، والمعجزات الظاهرة.
وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس صاحب التضرع.
وإبراهيم ﷺ كان صاحب الوجاهة في الدنيا والآخرة.
وكل واحد من هؤلاء تميز بخصلةٍ أو أكثر من خصال المدح والشرف.
ثم أمر الله محمدًا ﷺ أن يقتدي بهؤلاء الكُمّل من الأنبياء والرسل في صدق الإيمان، وحسن الأخلاق.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٧].
ثم قال بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٨٩ - ٩٠].
وأفضل عباد الله هو سيد الأنبياء والرسل محمد ﵊، فهو أفضل الخلق عبودية، وهو أفضلهم دعوة، وهو أفضلهم تعليمًا، فصلوات الله وسلامه عليه، كما قام بواجب العبودية لله حقًا، وكان عبدًا لله حقًا، وعبد الله بما أنزل في كتابه العظيم.
فاستحق أن يرفعه ربه للسماء، لأنه كان عبدًا بحق ﷺ:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وما كان صلى الله عليه وسلمعبدًا بحق إلا بمنهجٍ يعبد ربه بموجبه، فلهذا استحق التكريم بالإسراء والمعراج بعد أن أكرمه الله بنزول الكتاب أولًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف/ ١].
فلما أخلص في العبودية استحق تكريم الربوبية بالإسراء والمعراج إليه، لأنه التفت إلى ربه وتوجه إليه بحقيقة العبودية، لفتةً أراد أن يلفت بها سواه من الخلق، فكان من جزائه ﷺ أن عُرج به إلى السماء.
وأعطاه ربه الصلاة ليرفع بها أتباعه إلى المقام الذي وصل إليه بجسده، فالصلاة صلة بين العبد وربه، ومعراج المؤمن إلى ربه.
والله ﷿ أثنى على نبيه بوصف العبودية في مقاماتٍ كثيرة،فقال سبحانه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٩ - ١٠].
وأثنى على أمته ﷺ بوصف العبودية، فقال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
والله أعطى هذه الأمة ما أعطى نبيه ﷺ من المكارم، فقد جمع الله في محمدٍ ﷺ أحسن الأخلاق التي جمعها في الأنبياء، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء وهي هذه الأمة، التي قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
***
مختارات

