الخزانة الثالثة..
فضائل هذه الأمة:
هذه الأمة لشرفها توَّجها الله ﷿ بأربعة تيجان:
١ - تاج: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠].
٢ - وتاج: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨].
٣ - وتاج: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
٤ - وتاج الشهادة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وحين يقول المسلم أنه مسلم، ثم لا يبلغ الدين، ولا يؤديه للآخرين، إنما هذا يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه،بدلًا من أداء شهادةٍ له تحقق فيه قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فهذه الأمة خير أمة، هذه الأمة عدلٌ خيارٌ وسط، وما عدا الوسط فأطراف داخلةٌ تحت الخطر والهلاك، فجعل الله هذه الأمة وسطًا في كل أمور الدين، وسطًا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، فجعلهم بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢].
أما اليهود والنصارى فقد آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
وهذه الأمة وسط في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
وهي أمةٌ وسط في باب الطهارة، والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حُرِّمت عليهم طيباتٍ أُحلت لهم عقوبةً لهم على فعلهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئًا، بل أباحوا كل شيء.
ووهب الله هذه الأمة من العلم والعمل، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمةٍ سواهم، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أحسنها، ومن الأعمال أفضلها، ولهذا كانوا وسطًا كاملين، ليكونوا شهداء على الناس بسبب عدالتهم، وحكمهم بالقسط.
وتبدأ شهادة المسلم للإسلام بأن يكون هو بذاته، ثم بيته وعائلته، ثم أسرته وعشيرته صورةً واقعيةً حية من الإسلام الذي يدعو إليه.
وتخطوا شهادته الخطوة الثانية بدعوة الأمة إلى الله، لتحقق الإسلام في حياتها كلها، حسب أمر الله ورسوله.
وتنتهي شهادته بالجهاد في سبيل الله، بإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم عن دينهم، من أي لون كانت هذه العوائق، فإذا استشهد في هذا فهو إذًا شهيد، أدى شهادةً لدينه، ومضى إلى ربه، وهذا وحده هو الشهيد، بل هو أعلى الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وهذا عمل الأنبياء، بل عمل سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، الذي جمع بين العبادة والدعوة، والتعليم والإحسان إلى الخلق، والجهاد في سبيل الله.
والله رءوف بالعباد، والملك ملكه، والخلق خلقه، ولا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، لا يمكن أبدًا أن يترك خلقه للشياطين تعبث بهم:﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
فحين حرف اليهود والنصارى كتاب ربهم، وبدلوا شرائعه، وكذبوا وافتروا، وظلموا وطغوا، وجحدوا وكتموا الحق، وصدوا عن سبيل الله، وقتلوا الأنبياء والرسل، وتركوا العمل بدينهم، ونقضوا العهد، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، وقالوا على الله ورسله غير الحق، بعد هذا الظلم والعدوان، والعناد والإعراض والإفساد، اقتضت حكمة الله ورحمته بالبشرية أن يرسل رسولًا يهديها إلى الحق، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧].
فأرسل الكريم الرحمن ﷻ محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، ورسولًا إلى الناس أجمعين إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠].
فلم يكن بد من تبليغٍ عام في ختام الرسالات، يُبلّغ إلى الناس كافة، لكي لا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل، ولم يسبق أن كانت هناك رسالةً عامة، ولم يكن بدٌ من هذه الرسالة العامة.
فكانت حقًا هذه الرسالة الكاملة رحمة الله للعالمين في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه عن رسوله محمد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأهل الأرض قاطبة، واليهود والنصارى، كل هؤلاء مدعوون إلى الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، مدعوون إلى الإيمان بالله، والإيمان بهذا الرسول، ونصره وتأييده كما أخذ عليهم ميثاقه بالإيمان به، فهو رسوله إلى أهل الكتاب، كما أنه رسوله إلى العرب، ورسوله إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها في كل زمانٍ وفي كل مكان، فلا مجال لإنكار رسالته، رسالته من عند الله، أو الادعاء بأنها خاصة بالعرب، أو أنها غير موجهةٌ إلى أهل الكتاب، بل هي للناس كافة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
بعث الله رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة، وإلى العالم قاطبة، وجعله رحمةً للعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
يدلهم ﷺ على ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فهو رسول الله إلى الناس كافة، وإلى اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الأرض.
وقد أخفى اليهود كثيرًا من أحكام الشريعة:
كرجم الزاني، وتحريم الربا، وقصة أصحاب السبت الذين مسخهم الله قردةً وخنازير وغير ذلك.
وأخفى النصارى الأساس الأول للدين وهو التوحيد:
فقالوا تارةً إن الله ثالث ثلاثة.
وتارةً قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم.
وتارةً قالوا المسيح ابن الله.
كما أخفى أهل الكتاب خبر بعثة النبي ﷺ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
فالمؤمنون من أهل الكتاب هم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والله سبحانه يتودد إلى أهل الكتاب، ويبين لهم أنه بُعث إليهم وإلى غيرهم رسولًا يهديهم إلى ربهم بعد ما ضلوا وانحرفوا عن الحق، وبدلوا وحرفوا كما قال سبحانه:﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة: ١٩].
إن الله سبحانه الذي خلق هذا الكون وعجائبه، وسيره بأوامره، هو الذي خلق الإنسان وفطرته، وهو الذي وضع للإنسان المنهج الذي يسير عليه في هذه الحياة، وهو سبحانه الذي رضي للبشرية هذا الدين العظيم الذي جاء به محمد ﷺ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
فالواجب على البشرية كافة أن تشكر الله على ما أنعم به عليها من هذا الدين الكامل، وتتبع الصراط المستقيم والدين القويم الذي جاء به محمدٌ ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وأما القول بأن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة فهو الكفر والشرك لا ريب، وأما القول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه أو أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، فهو الافتراء والكذب الذي لا دليل عليه، والذي جاء القرآن بتكذيبه.
فهل يستحق قيادة البشرية من ظلمها، وحرمها من الهدى، وصد عن سبيل الله، وكفر بالله وقتل رسله، ونقض:﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
وهل يستحق قيادة البشرية من يقول عن ربه إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء؟.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]
وهل يستحق إمامة البشرية من يقول عن خالقه أنه بخيل؟.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤]
وهل يستحق إمامة الناس من يقول عن ربه أنه أب؟.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة: ١٨]
وهل يستحق إمامة البشرية من استهان بالإله، وأشرك به، وهل بعد هذا من كفر وشرك؟.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤].
وماذا بقي من شريعة اليهود والنصارى؟ لقد حُرّفت، وبدلت، وزيد فيها، ونقص منها، وكتم الكثير منها، وهل قامت هذه الشريعة في حياتهم؟ وما هو مصير البشرية لو بقيت بدون إيمان يصلها بربها الذي خلقها، وشريعةٌ تستقيم بها حياتها؟.
ومن هنا كانت رحمة الله بالبشرية ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلمإلى الناس كافة، وببعثة النبي صلى الله عليه وسلمقطع الله الحجة على أهل الكتاب وغيرهم.
فهو مبعوثٌ إلى الناس كافة إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
بعث الله رسوله محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، وأشد القلوب استعصاءً على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت الحق ثم انحرفت، كاليهود المغضوب عليهم، ثم يليهم النصارى الضالون، فاللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديدٍ يهزها، وينفي عنها الركام والغبار، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها أول مرة، أما القلوب التي نوديت من قبل فالنداء الثاني لا تكون له جدته ولا تكون له هزته، ولا يقع فيها الإحساس بجديته وأهميته.
ومن ثم تحتاج إلى جهدٍ مضاعف، وصبرٍ طويل، وهذا ما حصل لنبينا ﷺ بدعوته لليهود والنصارى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥].
فلم يؤمن بالنبي ﷺ من اليهود والنصارى إلا القليل، بينما أسلم من الكفار والمشركين ما يزيد على مائة ألف شهدوا معه حجة الوداع، ثم تتابع دخول الناس في دين الله أفواجا، أما اليهود والنصارى فقلة.
ولهذا قال النبي ﷺ: «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لآمَنَ بِي اليَهُودُ» أخرجه مسلم.
ولكن لا بد من البلاغ للكفار والمشركين، واليهود والنصارى والهندوس وغيرهم من أمم الأرض: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
إن الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ هو الإسلام في صورته النهائية الأخيرة، والإسلام هو الدين الذي جاء به جميع الرسل، ولكن خص الله محمدًا ﷺ بكماله وجماله وجلاله، ليكون دين البشرية كلها، ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعًا، ولتهيمن على كل ما كان قبلها، وتكون هي المرجع النهائي، ولتقيم منهج الله في حياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها ويُحكم بها بين الناس: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
ولا يحل لأحدٍ أن يترك شريعة الله في أي حال، كما أنه ليس هناك رسولٌ جديد، ولا رسالةٌ جديدة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
لقد أكمل الله ﷿ لنا هذا الدين، وتمت به النعمة على العباد، ورضيه الله منهج حياةٍ للناس أجمعين، ولم يعد هناك من سبيل لتعديل شيءٍ فيه أو تبديله، ولا لترك شيءٍ من حكمه إلى حكمٍ آخر، ولا شيءٍ من شريعته إلى شريعةٍ أخرى، لأنه هو الدين الكامل الذي ارتضاه الله دينًا للبشرية إلى يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقد علم الله سبحانه حين رضيه للناس أنه يسع الناس جميعًا، وعلم حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا في أي مكان وأي زمان، وعلم سبحانه أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم، وأن يبرر بها العدول عن شيءٍ مما أنزله الله، وحذر سبحانه من إتباع أهواء الضالين، الذين في نفوسهم رغبةٌ خفية لتأليف القلوب ولو على غير الدين، ومن مسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقد حذر الله نبيه ﷺ من إتباع الأهواء، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
وبذلك أغلق الله ﷿ مداخل الشيطان كلها، وبخاصةٍ ما يبدوا منها خيرًا، وتأليفًا للقلوب، وتجميعًا للصفوف، بالتساهل في شيءٍ من شريعة الإسلام في مقابل إرضاء الجميع، والمحافظة على وحدة الصف.
إنه إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية، ولا وسط بينهما.
وهل يليق بالعاقل أن يرفض شريعة الله، ويتبع حكم الجاهلية؟ وهل أحدٌ أحسن من الله حكما أو دينًا؟.
قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
أيستطيع أحدٌ أن يقول أنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول أنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أحد أن يقول أنه أعرف بمصالح الناس من رب الناس؟ ألا ما أظلم من ينجيِ شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية، ألا ما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به سفلة الخلق: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨].
إنه إما إسلامٌ وإما جاهلية، وإما إيمانٌ وإما كفر، وإما حكم الله وإما حكم الجاهلية، وإما إلى الجنة وإما إلى النار: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
***
مختارات

