الخزانة الخامسة..
• وظائف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
الأنبياء والرسل سفراء الله إلى عباده، ورسله إلى خلقه، اصطفاهم الله للقيام بوظائف، فهم حملة وحيه إلى عباده، وقدوة للناس فيما جاءوا به من عند الله، ومن أعظم وظائفهم:
الأول: إبلاغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم من الدين: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة، وعدم الخوف من الناس، والصبر على الأذى والتكذيب، ولهذا مدح الله الرسل بقوله:﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وهم يبلغون رسالات الله إلى عباده كما سمعوها بلا زيادة ولا نقص: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩].
وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ (٤٥)﴾ [الأنبياء: ٤٥].
الثانية: الدعوة إلى الله بين أقوامهم، كما قال سبحانه:﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
الثالثة: التبشير والإنذار، كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥] الرابعة: تقويم كل من انحرف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، كما قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].
الخامسة: تدبير شئون الأمة بدين الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله ﷿ لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
والله ﷿ أرسل رسله إلى عباده في أنحاء الأرض، وأماكن النبوات ثلاث:
نبوة موسى.
ونبوة عيسى.
ونبوة محمدٍ ﷺ.
وقد ذكرها الله بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ١ - ٣].
التين والزيتون ينبت في الشام، وفلسطين مكان ولادة ومبعث عيسى ﷺ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١].
وطور سينين هو الجبل الذي كلم الله عليه موساصلى الله عليه وسلم: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ [التين: ٢].
والبلد الأمين هي مكة المكرمة التي ولد وبعث فيها النبي محمد ﷺ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣].
فهذا القسم العظيم بأماكن النبوات الثلاث بعده قال ﷿: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨].
وفي هذا إشارةٌ إلى النبوات الثلاث، وأماكن ظهورها، حيث أقسم الله بمهد المسيح في الشام، ثم بجبل موسى، ثم آخرها مكة التي بعث الله فيها نبيه محمدٍ ﷺ.
والأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى، فدينهم واحد، وشرائعهم مختلفة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]
فالأنبياء كلهم إخوة جاءوا بدينٍ واحد، وهو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وفي تأخير البلد الأمين إشارة إلى ختم النبوات بنبوة محمدٍ ﷺ، وتأكيد معنى الوراثة، وراثة النبي ﷺ للأنبياء كلهم في التوحيد والإيمان والأخلاق، ناسخًا لما قبله من الشرائع، خَاتمًا لجميع النبوات والرسالات، فلا يدخله تبديلٌ ولا تحريفٌ ولا نسخ.
وفي هذه الأماكن الثلاثة التي أقسم الله بها ترابط، فأرض الشام أرض المحشر والمنشر، وأرض الميعاد، وأرض المجاهدين في سبيل الله الذين يقاتل آخرهم المسيح الدجال، ثم يقتله عيسى ابن مريم عند باب لد في فلسطين، وفي مكة خاتمة الرسالات وأكملها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
• خصائص الأنبياء والرسل:
الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله إلى خلقه لهم صفات كمالٍ خصهم الله بها، ومن ذلك:
أولًا: أن الأنبياء والرسل بعثهم الله من البشر.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
ثانيًا: أن الله بعث الأنبياء والرسل من الذكور.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ [الأنبياء: ٧ - ٩].
ثالثًا: أنهم خير الناس نسبًا، فجميع الرسل والأنبياء بعد نوح من ذريته، وجميع الأنبياء والرسل بعد إبراهيم من ذريته.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
أخرجه البخاري.
رابعًا: أن الأنبياء والرسل أحرارٌ لا أرقّاء، لأن الرق نقصٌ لا يليق بمقام النبوة والرسالة، والناس غالبًا يأنفون ويستنكفون من إتباع من اتصف بالرق أن يكون إمامًا وقدوةً لهم.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وفي قراءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفَسكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨].
يعني من أعلاكم نسبًا وشرفاً.
خامسًا: أن الله أعطى الأنبياء والرسل العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤].
وقال الله ﷿: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
سادسًاّ: كمال الأخلاق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فنعم الراكب، ونعم المركوب، الراكب هو محمدٌ ﷺوالمركوب الأخلاق العالية.
وبهذه الكمالات والمحاسن التي حبا الله بها الأنبياء والرسل انقاد لهم الناس، وأطاعوهم، وآمنوا بهم، لأن الناس لا ينقادون عن رضا وطواعية لمن قلت فضائله، وكثرت نقائصه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
خصهم الله ﷿ بالوحي، والعصمة في تحمل الرسالة، وتبليغها كاملة، والعصمة من الكبائر قبل الرسالة وبعدها، ومن قبائح العيوب، فالحمد لله رب العالمين أن أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أحسن كتبه، وجعلنا خير أمةٍ أُخرجت للناس.
• فضائل سيد الأنبياء والرسل محمدٌ ﷺ.
أثنى الله ﷿ على رسوله محمدً ﷺ في القرآن الكريم في مقاماتٍ كثيرةٍ: فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١ - ١١].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤].
وقال ﷿: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣].
فصلوات الله وسلامه عليه.
والله ﷿ اختار من القبائل العرب، واختار مُضَر من العرب، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختار محمدًا ﷺ من بني هاشم.
فهو ﷺ خيارٌ من خيارٍ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
وقال الله ﷿: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
فهو سيد الأولين والآخرين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وربه الذي اختاره ورباه وأرسله رحمة للعالمين، وكلما اتهمه قومه دافع الله عنه.
قال كفار قريش عنه: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦].
فقال له: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ [القلم: ١ - ٧].
فكل نبي يدافع عن نفسه كما قال قوم نوح ﷺ له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ [الأعراف: ٦٦].
فقال نوح ﷺ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾ [الأعراف: ٦٧].
وكذا سائر الأنبياء.
وكفار قريش وصفوا النبي ﷺ بأنه ساحر، وكاهن، وشاعر، ومحبون، وكذاب: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٦].
فقال لهم من أرسله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣].
وقال كفار مكة كما قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣].
فقال الله لهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ [يس: ١ - ٤].
وقال ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
أرسل الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلمرحمةً للعالمين، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والحق منطقه، والعدل سيرته والإحسان دأبه، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، فهو أحمد الناس لربه، وأحمد الخلق عند ربه،وأحمد الناس بين خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
هدى الله به الخلق بعد الضلالة، وبصّر به بعد العماية، وكثّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيْلة، وأعزّ به بعد الذلة، هو الذي أتاه الله لواء الحمد يوم القيامة، وأعطاه مفاتيح الجنة، وجعله سيد الأنبياء والرسل، وأرسله رحمة للعالمين:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
هو ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة، وأول شافع وأول مشفع، وكما يجب علينا عرفة من نعبده كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
كذلك يجب علينا معرفة رسوله الذي دعانا إلى عبادة الله ﷿، ومعرفة سيرته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وكلما أكثرنا من ذكر رسول الله ﷺ وسيرته، أحببناه وأطعناه، وكلما صلينا عليه صلى الله علينا عشرًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».
أخرجه مسلم.
هو ﷺ أجمل الناس، وأحسن الناس، وأكرم الناس، وأفصح الناس، وأرحم الناس، وأعبد الناس، وأرأف الناس كما قال ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
هو أحسن الناس أسماءً، وأحسنهم صفات، فهو أحمد ومحمد، وهو الماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه يوم القيامة، والعاقب الذي هو آخر الأنبياء والرسل، والخاتم، والسراج المنير، والمزمل، والمدثر، والرسول، والنبي، والرؤوف، والرحيم.
ربنا رءوفٌ رحيم، ونبينا رءوفٌ رحيم، فيجب على المؤمن أن يكون بالخَلق رؤوفًا رحيمًا.
هو ﷺ وسيمٌ، قسيمٌ، جميلٌ، حسن، فالوسيم من لم تشبع منه العين، إذا رأيته أحببته، والقسيم من أحاط الحسن والجمال بجميع جوانبه، والجميل أشرف الناس نسبًا، والحسن يتعلق بالجسد، ووجهه وجوارحه أحسن شيء، كأن وجهه قطعة قمر، وكأن الشمس تجري في جبينه.
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، فصلوات الله وسلامه عليه.
هو أجمل الناس خلقاً، وأعلاهم شرفاً، وأطهرهم نسبًا، فهو خيارٌ من خيار: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
أصول حياة الأنبياء والرسل.
حياة الأنبياء والرسل تقوم على أربعة أركان:
الأول: التضحية بكل شيء من أجل الدين، من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه بين خلق الله، وهذه التضحية تكون بترك الأدنى من أجل الأعلى، والخروج من مزاج النفس إلى مزاج الدين، وتقديم محبوبات الرب على محبوبات النفس، وتقديم الوحي على العقل، ومن ضحى بشيء من أجل الله، وهبه الله له فورًا كما حصل لإبراهيم ﷺ، وتلك حقيقة المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فإبراهيم ﷺ ضحى بالنفس وبالحياة، فوهب الله له الحياة فورًا: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وضحى بالبلد في العراق، فالله أعطاه أحسن بلد، وبنى البيت العتيق في مكة المكرمة، وضحى بالولد إسماعيل فالله أحيا الولد، وأخرج من نسله أفضل ولد، وهو محمد ﷺ سيد الأنبياء والرسل، وضحى بأم الولد هاجر، وتركها بواد غير ذي زرع، فالله ﷿ جعلها أمًا للعرب وجعل خطواتها نسكًا يتعبد به لله في الحج والعمرة إلى يوم القيامة.
الثاني: الاستقامة على الدعوة، فالدعوة أمر الله، كالصلاة أمر الله، والذي يريد الاستقامة لابد له من التوبة، ولا يستقيم على جهد الدعوة إلا من تيقن أن فلاح البشرية كلها بهذا العمل، ويلزم بيئة الإيمان، ليزيد إيمانه، ويحسن الظن بربه وبالناس، ويصبر على الأذى والمشقة، ويتحلى بمكارم الأخلاق: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
الثالث: المسابقة في كل ميادين طاعة الله ورسوله حتى الممات، في الدعوة، والتعليم، والعبادة، والإنفاق، وكل فضيلة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والصحابة ﵃ قدم كل واحدٍ منهم ما يملك وما يستطيع إلى آخر يومٍ في حياته من أجل إعلاء كلمة الله، ولهذا ﵃وقربهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
الرابع: الدعاء والاستغاثة بالله وحده، لأنه قاضي الحاجات كلها، والقرآن كله يبين دعوة الأنبياء والرسل، ودعاء الأنبياء والرسل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
وقال الله ﷿ عن يونس ﷺ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فالأنبياء يفزعون إلى الله في جميع حاجاتهم، لأن الله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء.
فمن قام بهذه الاصول حصل له كمال الإيمان والتقوى، والفلاح في الدنيا والآخرة، ومقصود الدعاء إحياء أمر الله بطلب الحوائج من الله وحده، ليس الاستجابة، لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
فالله سبحانه أمر بالدعاء، ووعد بالإجابة، والله لا يخلف الميعاد.
ومن نقض أو نقص من هذه الأصول العظيمة واحدًا، حُرم من الثمرة بقدر النقص، ومن سنة الله أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، والذين قاموا على هذا العمل العظيم بإخلاص ماتوا في هذا العمل بأحسن حال، في الصلاة، في الزيارات، في الشورى، في التعليم في البيان، في الدعوة وغير ذلك من أعمال الدين وجهوده.
واعلم أن الدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل أحد، في مكة لا توجد فريضة تزاحم فريضة الدعوة بعد الإيمان بالله ﷿.
والنبي ﷺ بدأ مع الأمة بالأعلى، وهو تعلم جهد الدعوة، والصبر على الناس، وتحمل الشدائد من أجل الدعوة إلى الله، ثم جاء تعلم أحكام الدين من صلاةٍ وزكاةٍ وغيرها في المدينة بعد الهجرة.
والنزول من الأعلى وهو الدعوة إلى ما دونه، وهو تعلم الأحكام، أسهل من الصعود من الأسفل إلى الأعلى، لهذا من فهم مقصد حياة النبي ﷺ وهو الدعوة إلى الله، فورًا يصعد إليه، ثم يسهل عليه القيام بأعمال الدين كلها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
والذي لم يفهم مقصد حياة النبي ﷺ وهو الدعوة إلى الله يصعب عليه القيام بأوامر الله، ثم الصعود إلى الأعلى وهي الدعوة، لأن الدعوة هي أعظم عبادة، وهي أم العبادات كلها، فهي التي تأتي بالمسلمين والمؤمنين والمصلين والمتقين وغيرهم.
واعلم أن تربية جميع الأنبياء بشيئين:
١ - الدعوة إلى الله.
٢ - والهجرة في سبيل الله.
لأن الهداية تأتي بعد الهجرة، كما قال ابراهيم ﷺ: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩].
والله ربى هذه الأمة بالدعوة والهجرة، لأن الدين ينتشر بالدعوة والهجرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
***
مختارات

