الخزانة الرابعة..
• الإيمان بين معرفة الرب، ومعرفة العبد:
الله ﷿ هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيد له، والله ﷿غني عن كل أحد، والإنسان محتاج إلى كل شيء، وإرادة الإنسان هي نزوع نفسه إلى شيء يكمل ضعفه، وحاجته ونقصه، بأكل أو شرب أو ركوب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وخلق الله الإنسان ضعيفًا، ليستعين بربه الخالق القوي، وإرادة الله هي حكمه على الشيء، فإذا حكم فلا راد لحكمه، ولا راد لقضائه، فكل شيء في ملكه، وكل شيء من مخلوقاته، مستجيب لمشيئته، ومسرع إلى إرادته،وخاضع لأمره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وكل المخلوقات مسخرة، والإنس والجن مخيرون، وإرادة الله مع المسخرات أمر، ومع المخيرات سماح بالفعل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
فسبحان الحكيم الخبير القدير، الذي يسوق بإرادته ظالمًا لظالم، ومنحرفًا لمنحرف، ويسوق من لا يعرفه إلى من يعرفه، إذا عصاه ليؤدبه.
وإرادة الله مع الإنس والجن إرادة سماح بالفعل، فيسمح للإنسان أن يفعل عندما تعلو الشهوة والإصرار، ويصرفه عن الشهوة المنحرفة رحمة به إذا لم يكن هناك إصرار،وإذا أطلق الله هذا الإنسان يفعل ما يشاء يطلقه على من يستحق التسليط ليؤدبه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣].
وإذا أراد الله هداية أحد أو إضلاله فتلك هي الإرادة الجزائية المبنية على إرادة الإنسان الاختيارية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فمن أراد الهداية واختارها أعانه الله، وشرح صدره للإسلام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
ومن أراد الضلال ضيق الله عليه نفسه، وعسر أموره، وهذا كله من رحمة الله بالعبد ليفوز ويتوب إلى ربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، يقلب القلب لصالح العبد، فإذا شاء العبد الهدى شرح الله صدره للهدى، وإذا شاء الضلالة ضيق الله صدره، ليكف عن الشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي يريد بعباده كل خير، ولهذا جعل القلوب كلها بيده لشدة رحمته بعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].
والله ﷿ هو الهادي الذي أعطى للإنسان حرية الاختيار،فمن شاء الهدى هداه الله إلى صراط يؤدي إلى دار السلام:﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
وهو ﷻ أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
هو سبحانه الهادي الذي يهدي من يشاء عن طريق آياته ومخلوقاته في هذا الكون العظيم، وعن طريق أسمائه وصفاته، وعن طريق نعمه وآلائه، وعن طريق كتبه المنزلة،وعن طريق رسله المرسلة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
وباب الكون أوسع أبواب الهدى، فبالخلق نهتدي إلى الخالق، وبالصور نهتدي إلى المصور، وبالرزق نهتدي إلى الرزاق: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٦ - ٧].
ففي الكون نرى الخالق يخلق، والرازق يرزق، والرحمن يرحم، والقهار يقهر، والكريم يحسن، والتواب يتوب، فالهدى عن طريق المخلوقات أقرب طرق الهدى، ولهذا أمرنا الله ﷿ بالنظر والتفكر والتدبر في الآيات الكونية:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
هو سبحانه الهادي إذا هداك بخلقه، فالهادي اسم من أسماء الأفعال وإذا هداك بكلامه فهو اسم من أسماء ذاته: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].
فالكون باب إلى معرفة الله ﷿، والقرآن هادي إليه، لكن الكون لغة عالمية يراه ويقرؤه ويفهمه كل إنسان، ومن آياته السماء والأرض، والشمس والقمر، والماء والنار، والجبال والبحار، والنبات والحيوان وغيرها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
لكن القرآن لا يقرؤه إلا العربي وهو باب عظيم من أعظم أبواب الهدى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
ولابد للمسلم من الاهتداء بهذا، وهذا، فالكون كتاب الآيات والمخلوقات العظيمة، والقرآن كتاب العلوم والأخبار، والأوامر والنواهي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فبالكون تعرف ربك، وبالقرآن تعبده، فالكون دله عليك،والقرآن يبين لك منهجه وأمره ونهيه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
هو سبحانه الهادي بخلقه، الهادي بكلامه، الهادي بأفعاله، فأنفق ينفق عليك، وارحم الناس يرحمك الله، وأحسن يحسن الله إليك.
فسبحان من يهدي إليه تارة بخلقه، وتارة بكلامه، وتارة بأفعاله، وتارة بالفطرة، وتارة بالإلهام، وتارة بالرؤية، وتارة بالأشخاص، وتارة بالانشراح، وتارة بالتيسير، وتارة بالتعسير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
كلمات الله ﷿ نوعان:
الأولى: كلماتٌ قدرية، وهي الكلمات التي بها يخلق ويرزق، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل، ويحيي ويميت: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
الثانية: كلماتٌ شرعية، وهي ما أنزل الله على رسله من الكتب والأوامر والنواهي: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والكلمات الشرعية كلها صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فهي خيرٌ محض.
أما الكلمات القدرية فهي خير في ذاتها والشر معها يتعلق بالمخلوقات لا بها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
فالخير كله بيد الله ﷿ والشر ليس إلى الله، فأفعاله سبحانه كلها خيرٌ لا شر فيها، وإنما الشر في مخلوقاته التي خلقها في غاية الحكمة والرحمة، والعدل والإحسان: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وما خلق الله قسمان:
الأول: مخلوقات لا شر فيها، كالملائكة والأنبياء والرسل والجنة.
الثاني: مخلوقات فيها شرٌ وضرر، كالهوام والسباع، والجن والإنس والشياطين، والنار والرياح، فهذه المخلوقات التي فيها خير وشر نستعيذ بالله من شرها.
ففي سورة الفلق استعاذة برب الناس من الشر الخارجي،وهو أربعة شرور كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
ولم يذكر الله من أسمائه في هذه السورة إلا اسم الرب، وفي سورة الناس استعاذة بثلاثة أسماء من أسماء الله هي الرب، والملك، والإله، من شرٍ واحد هو الشيطان، الذي هو الشر الداخلي، والذي هو سبب كل شر، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
وفي هذا بيان أن الشيطان أخطر عدو، فمن آمن بالله فلا يخاف ما سواه، فهو رب بيده ملكوت كل شيء، ملك يحميه من كل عدو، وإله يحبه، ويسأله ما يريد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله ﷻ هو الملك الحق الذي له الملك والملكوت، وله ملك الملوك، وما يملكون: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والملك من البشر هو الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، والله سبحانه هو الملك المالك المليك، الرحيم اللطيف بعباده، فالله سبحانه مالك الملك والملكوت فهو يملك كل شيء ويملك التصرف فيه، ومصير كل شيء إليه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦].
فكل شيء فيك أو لك أو عندك هو ملك لله ﷿، سمح لك في هذه الدنيا أن تتصرف فيه في حياتك، ثم يعود إليه فمالك ودارك وسيارتك وكل ما في دارك لله في يدك: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
والملك الحق هو الله الذي استغنى بذاته وصفاته عن كل موجود سواه، ويحتاج إليه كل موجود، ففي الكون اثنان، ملك وعبيد، وكل مخلوق مفتقر إلى ربه في خلقه وبقائه، وإمداده وتدبيره، وحركته وسكونه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والملك الحقيقي من البشر هو الذي يملك هواه، ولا يملكه هواه، هو الذي ملك نفسه وسخرها في طاعة الله، هو الملك الذي أُعتق من أسر نفسه، وليس ملكًا لنفسه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
• والملك نوعان:
الأول: مَلك يؤتيه الله من يشاء من عباده وهذا ملك زائل.
الثاني: ملك الحقيقي هو أن يملك الإنسان نفسه عن الهوى والمعاصي، ويحملها على الإيمان والتقوى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فإذا ملكت نفسك وهواك، وشهواتك وجوارحك، فأنت ملك.
وإذا قادتك نفسك وهواك، وشهواتك وجوارحك، إلى معصية الله فأنت مملوك لمملوك مخلوق: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وشتان بين الملك والمملوك، ولن ينفع الإنسان ملك العالم كله إذا لم يملك نفسه، ويحملها على طاعة مولاه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وكل إنسان تقف له مدمرتان مهلكتان هما المال والنساء، وكل إنسان إما أن يكون عبدًا لله، أو عبدًا لعبد الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والملك الحق الذي بيده ملكوت كل شيء، يفعل ما يشاء،ولا ينازعه معارض ولا يمانعه ناقد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو الملك الذي يدور بحكمه الفلك، وله الملك والملكوت، والمؤمن من أعظم ملوك الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فمن كان مؤمنًا مستقيمًا مالكًا لهواه وشهواته، فقد وعده الله في الدنيا بالخلافة في الأرض: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
أما في الآخرة فهو ملك من ملوك الدار الآخرة في ملك كبير بجوار الملك الحق: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فالله ﷻ هو الملك الذي بيده الملك والملكوت، وله العزة والجبروت.
• والملك أنواع:
١ - ملك النبوة والرسالة.
٢ - ملك العلم.
٣ - ملك العقل.
٤ - ملك العافية.
٥ - ملك الجاه.
٦ - ملك الأموال.
٧ - ملك القدرة.
٨ - ملك الجمال.
٩ - ملك القوة.
١٠ - ملك العزة.
وأعظم أنواع الملك ملك النبوة والرسالة.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤].
فأعظم الملك ملك النبوة والرسالة؛ لأن الأنبياء والعلماء لهم أمر على بواطن الناس وظواهرهم، أما الجبابرة فلهم أمر على ظواهر الناس لا بواطنهم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
والله سبحانه يؤتي ملكه من يشاء، فالله جعل النبوة والملك في بني إسرائيل، فلما نقضوا العهد نقلها إلى نسل إسماعيل، لمحمد ﷺ، ونزعها منهم، وسلط عليهم فرعون، حتى نقل هذا الملك العظيم وهذه النبوة العظيمة إلى هذه الأمة:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فسبحان الملك الحق الذي يُملك من يشاء ملك الدنيا، أو ملك الآخرة، أو ملك الدنيا والآخرة، لا اله غيره ولا رب سواه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
***
مختارات

