الخزانة الثالثة..
• فقه الإيمان بالله ﷿:
كل عبدٍ سائرٌ لا واقف، وكل عبدٍ صاعدٌ أو نازل، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام وإما إلى خلف، وإما إلى يمين وإما إلى شمال، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوفٌ البتة؛ فالإنسان شجرةٌ تثمر الحلو والمر ما دامت حية.
فالإنسان ماكينة الأعمال، والأشجار ماكينة الثمار، فكل عبدٍ ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي حسب العمل إلى الجنة أو إلى النار، فمسرعٌ من الخلق ومبطئ، ومتقدمٌ ومتأخر، وليس في الطريق واقفٌ البتة، إنما يتفاوتون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء، وفي الربح والخسارة:﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والكل يقيد في الصحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
فمن لم يتقدم إلى الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة، فهو متأخرٌ بلا شك إلى النار بالكفر والأعمال السيئة،والدين كله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٦ - ٣٧].
وأهل الإيمان متفاوتون فيه تفاوتًا عظيمًا، فإيمان الأنبياء ليس كإيمان غيرهم، وإيمان الصحابة ﵃ ليس كإيمان غيرهم، وإيمان المؤمنين الصالحين ليس كإيمان الفاسقين:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وهذا التفاوت العظيم حسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وما شرعه لعباده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وخشية الله وتقواه تكمل لمن كمل إيمانه، وتفاوت نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وأعرف الخلق بالله أشدهم حبًا له، وأشدهم تعظيمًا له، ومحبة الله لذاته وإحسانه، وجماله وجلاله، أصل العبادة، وكلما قويت المحبة كانت الطاعة أتم، والتعظيم أوفر،والسرور والأنس بالله أكمل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
اللهم إنا نسألك إيمانًا كاملًا، ويقينًا صادقًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وحلالًا طيبًا يا ذا الجلال والإكرام.
وكل ما يقع في العالم العلوي والعالم السفلي من تحريكٍ وتسكين، وتدبيرٍ وتصريف، وإحياءٍ وإماتة، وخيرٍ وشر، كل ذلك واقعٌ بمشيئة الله وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والكفار يقولون إن كفرهم، وتحريم ما أحل الله، واقعٌ بمشيئة الله، والله قادرٌ على أن يمنعنا منه، ولما تركنا عليه ولم يمنعنا منه عرفنا أنه راضٍ عنه، إذ لو كان لا يرضيه لمنعنا منه، وهذا فيه حقٌ وباطل، فكون الكفر والتحريم واقعٌ بمشيئة الله هذا حق، وكون ذلك يدل على رضاه فهذا باطل، وهذا محل الكفر منهم، لأن الله لا يرضى لعباده الكفر ولا الشرك، ولا يحبه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
والله قد يريد ما لا يرضاه لحكمة، لأنه لا يرضيه سبحانه إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا يقع في ملكه إلا ما أراده وقدره وأذن به من خلقٍ أو قولٍ أو فعلٍ أو خيرٍ أو شر، كما قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].
والعبد مخلوق لا يمكن أن يخلق أفعاله بدون مشيئة الله وإذنه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
فالله خالق الإنسان، وخالق أفعاله، وخالق كل شيء:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن ظن أنه يقع في ملك الله شيءٌ بدون مشيئته فهذا أعظم الكفر والقدح في ربوبية الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
والله ﷿ يعم جميع الخلق بدعوتهم إلى الدين، ثم يخص بالتوفيق والهداية من شاء، فالدعوة إلى الخير عامة، والتوفيق خاص: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
والله ﷿ هو خير الفاتحين، وهو خير الماكرين، والمكر هو إخفاء الكيد ليوصل الشر إلى غيره في خفاء، وهذا في حق بني آدم، وخير الماكرين هو الله ﷻ؛ لأن مكر الله بالغٌ من الجلال والجمال والحسن ما لا يخفى؛ لأنه سبحانه لا يوصل الشر إلا لمن يستحق الشر، ولا يدفع الشر إلا عمن هو أهلٌ أن يدفع عنه الشر؛ لأنه هو الحكيم العليم بعباده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
أما الكفار والمنافقون فكيدهم أشر شيء، وأقبح شيء، لأن مكرهم يوصل الشر إلى من استحق الخير، ويدفع الخير عمن يستحق الخير كما قال الله عنهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وكل ماكر، الله محيطٌ به وبمكره: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
والله ﷿ هو الملك الحق، الذي له ملك الدنيا والآخرة، ورؤية الله ﷻ في الدنيا جائزةٌ عقلًا، غير واقعةٍ شرعًا.
أما جوازها عقلًا، فلأن موسى ﷺ طلبها من ربه كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فرؤية الله في الدنيا جائزةٌ عقلًا، والذي منع منها عجز الآدميين عن تحملها، لأن الله لما تجلى للجبل العظيم الصلب اندك الجبل وتفتت، فكيف يتحملها اللحم والدم؟ ولهذا نفاها الله في الدنيا، فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
أما في الآخرة فهي واقعةٌ شرعًا، وجائزةٌ عقلًا، ولكن رؤية الله بلا إحاطة، لأن الله محيطٌ بكل شيء، ولا يحيط به شيء: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وقال النبي ﷺ لأصحابه حين سألوه هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟: قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا».
متفقٌ عليه.
أفعال الله ﷿ نوعان:
النوع الأول: أفعالٌ لازمة تتعلق بذاته، كالاستواء والنزول والمجيء والإتيان ونحوها، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
فهذه نثبتها لله بما يليق بجلاله، ولا نعلم كيفيتها، فكما لا نعلم كيفية ذاته، كذلك لا نعرف كيفية صفاته، ولا كيفية أفعاله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
الثاني: أفعال متكررة تتعلق بخلقه، مثل الخلق والرزق، والهداية، والإضلال ونحوها: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
فهذه كذلك نثبتها لله على ما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، فكما لا نعلم كيفية ذاته لا نعلم كيفية صفاته وأفعاله ﷻ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فالله يقلب الليل والنهار، والحر والبرد، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسلم والحرب، والأمن والخوف، لإظهار كمال قدرته، وكمال علمه، وقوة سلطانه، فإذا عرف العبد ذلك كان أقرب إلى خشية الله، والتضرع إليه، والانكسار بين يديه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فإذا عرفتم ذلك عبدتموه وحده، لما ترون من عظيم جلاله وجماله، وعظيم نعمه وإحسانه، وعظمة ملكه، وسلطانه، وخلقه وأمره.
ومن وجوه الحكمة أن الله ﷿ يبتلي عباده بالطاعات، والأوامر، في مختلف الأحوال من أمن وخوف، وغنى وفقر، وصحة ومرض، لتتجلى عبوديتهم لله في حال السراء والضراء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والله ﷿ له وحده الخلق والأمر وأمر الله سبحانه نوعان:
الأول: أمرٌ كوني قدري تعلقت به مشيئته الكونية، كأوامر الخلق، والتدبير والتصريف في الكون: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فما قدره الله لابد أن يكون، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
الثاني: أمرٌ دينيٌ شرعي تعلقت به محبته، فكل ما حصل من طاعات العباد تعلقت به مشيئة الله الكونية، وتعلقت به كذلك محبة الله الشرعية، فهو محبوب للرب، واقع بمشيئته، وما لم يحصل من الطاعات تعلقت به محبة الله الشرعية، دون مشيئته الكونية فلم تقع؛ لأن الله لم يشاءه كونًا.
وما وقع من المعاصي تعلقت به مشيئة الله الكونية، دون محبته الشرعية، فالله لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وما لم يقع من المعاصي تعلقت به محبة الله الشرعية، فإن الله لا يحب المعاصي، ولا يحب الكفر، دون مشيئته الكونية.
وأفعال العباد تنسب إلى الله خلقًا، وتنسب إلى العباد كسبًا، لأمرين:
الأول: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية، وقدرة بدنية،والذي خلق ذلك هو الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
الثاني: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
فما فعله العبد من خير أو شر فهو كسبه، ليتعرض لجزائه من الثواب أو العقاب، لأنه فعله، مسندٌ إليه شرعًا وعقلًا وحسًا، فعله بمحض اختياره على علم بعاقبته، مستعملًا القدرة التي منحه الله إياها، فإذا أطاع الله فطاعته وثوابه من فضل الله عليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
ومن عصى فمعصيته باختياره، وعقوبته من عدل الله فيه:﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
• الفرق بين صفات الله الذاتية والفعلية:
الصفات الذاتية كالحي لا تعلق لها بالمشيئة.
والفعلية هي التي لها تعلق بالمشيئة إن شاء الله فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالخلق والرزق ونحوها.
فالحي صفة ذاتية، لا تنفك عن الله أبدًا، أما الخلق فهي صفة فعلية، إن شاء خلق، وإن شاء رزق، وإن شاء منع، وإن شاء أعطى.
وصفة الذات لا يوجد لها مقابل في الأسماء، وصفات الفعل هي التي يوجد لها مقابل في الأسماء، فإذا قلنا الله حي فهي صفة ذات، وإن قلنا الله "يحيي" فهي صفة فعل، يحيي هذا، ويميت هذا، لأنها تقتضي أن يكون مميتًا: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وكل شيء لا يكون إلا بمشيئة الله وحده، ومشيئة الإنسان تحت مشيئة الله، والناس أحرار في اختيارهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
ومن ظن أن له مشيئة من دون الله فيقال له أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟ أخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟، أرزقك الله كما شئت أو كما شاء؟، ويوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟.
والله ﷿ خلق الكون كله، وجعل فيه سنناً تستجيب للمؤمن والكافر، وذلك عطاء الربوبية لكل الخلق في الخلق والرزق ونحوهما: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
ثم أنزل الله تكليفًا هو الشرع، بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ودعا الناس إليه، ورغبهم فيه، وحذرهم من مخالفته، وقال أنا أحب كذا، وأكره كذا، وافعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، فالذي يحبني يطيع أمري، ويفوز بثوابي،ومن عصاني نال عقوبتي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
فمناط الربوبية خلق ورزق، وإحياء وإماتة، وعطاء ومنع،ومناط الإلوهية تكليف وتشريف: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فالله هو الفعال لما يشاء، والإنسان يوجه الطاقة التي وهبها الله له فإن وجهها إلى خير أثابه الله، وإن وجهها إلى شر عاقبه الله والكل مسجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
فالفاعل الحقيقي لكل شيء هو الله، والمخلوق يوجه الفعل بما وهبه الله من الاختيار، فثواب الإنسان وعقابه لا على إنه فعل، بل لأنه وجه الفعل إلى كذا أو كذا، فاليد مثلا مخلوقة إن عملت بها خيرًا أثابك الله، وإن سرقت بها عاقبك، واللسان مخلوق إن شهدت به أنه لا إله إلا الله أثابك الله، وإن اغتبت به عاقبك الله وهكذا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
***
مختارات

