الخزانة الثانية..
قواعد إثبات أسماء الله الحسنى.
يثبت الاسم لله ﷿ إذا توفرت فيه خمسة شروط:
الأول: ثبوت الاسم بالنص؛ لأن أسماء الله الحسنى توقيفية لا تؤخذ إلا من الوحي، من القرآن أو السنة الثابتة، وما لم يرد فيه من الأسماء فليس بوحي، حتى لو كان معنى الاسم صحيحًا يدل على الكمال، فلا يسمى الله مثلًا بالواجد والماجد، ولا بالمفضل والمنعم، ولا بالمعز والمذل، ولا بالنافع والضار، ولا بالأعز والحنان وأمثالها؛ لأن هذه الأسماء لم ترد في القرآن ولم تثبت في صحيح السنة: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وواجبنا في الأسماء الحسنى، والصفات العلى، العد والإحصاء فقط، فما كان موجوداً في القرآن والسنة نثبته لله ﷿، فدورنا في إثبات أسماء الله الحسنى العد والإحصاء مما هو موجود في القرآن والسنة.
ثم الذكر والدعاء وعدم الاختراع والإنشاء كما قال سبحانه:﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الثاني: أن يكون الاسم علمًا على ذات الله، ليس فعلًا أوصفًا، فلابد من الرجوع إلى الوحي لإحصاء أسماء الله الحسنى، والنبي ﷺ أخبر أمته، أو دعا أمته، إلى إحصاء الأسماء المنصوص عليها في القرآن والسنة، فلا تؤخذ من غيرهما، والإحصاء يكون من شيء معلوم كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
رواه مسلم.
والاسم علم ذات الله، ويدل بالتضمن على الوصف والفعل.
والاسم غير الصفة والفعل، فلا نشتق لله أسماء من الصفات، والأفعال؛ لأن الأسماء توقيفية تثبت بالنص عليها بالاسم بالقرآن أو السنة، فلا يسمى الله بالخافض والرافع، ولا الباعث، ولا المحصي ولا المبدئ، ولا المعيد، ولا المقسط ولا العدل، ولا الجليل، ولا المغني، ولا المعز ولا المذل، ولا الباقي، ولا الرشيد، ولا الصبور والمانع، وأمثالها، ولو كانت هذه الأسماء تتضمن كمالًا لله؛ لأنها لم ترد في نص القرآن أو السنة، وإنما اشتقت من صفات الله وأفعاله.
ولا يجوز لنا أن نشتق من كل فعلٍ اسمًا لله ﷿، ولم يأذن الله لنا بذلك، ولم يخولنا الله أن نسميه بما نشاء، وإنما أمرنا بإحصاء أسمائه الحسنى من كتابه وسنة رسوله ﷺ،ثم حفظها ودعاء الله ﷿ بها كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وأمرنا النبي ﷺ بالعد والإحصاء للأسماء، ولم يأمرنا بالاشتقاق والإنشاء والاختراع: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقد أخبرنا الله ﷿ عن أسمائه وصفاته وأفعاله، فنسميه بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ، ونصفه ﷿ بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، ونقف عند حد النص، ولا نتجاوز القرآن والحديث، ولا نلحد في أسماء الله وصفاته، ولا نقول على الله غير الحق: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الثالث: الإطلاق فما ورد من أسماء الله مطلقًا كالملك والحي والرحمن وأمثالها نؤمن به ونذكره به، ونسمي الله به مطلقًا كما ورد.
ما ورد من أسماء مقيدًا كغافر الذنب، وعالم الغيب، وفاطر السماوات والأرض وأمثالها، نؤمن به، ونذكره مقيدًا كما ورد.
وما ورد مركبًا نسمي الله به كما ورد كالمقدم والمؤخر.
فالاسم المطلق لو قيدناه لا يحتمل نقصًا، أما الاسم المقيد لو أطلقناه فإنه يوهم نقصًا؛ ولأننا أمرنا بذكره كما هدانا لا على هوانا، فلا نطلق المقيد من أسماء الله الحسنى، ولا نفصل المضاف منها؛ لأن أسماء الله ﷻ توقيفية نتعبد لله بها كما وردت مطلقة أو مقيدة، أو مضافة أو مركبة.
فلا نسمي الله بالماكر، والكائد، والخادع، والغالب، والقائم، والفعال، والجاعل، والمقلب، والمصرف، والكاشف، والفالق، والفعال، والفاطر والمخرج، والشديد، والهازم، والصاحب، والخليفة، بل نذكر هذه الأسماء مقيدة كما وردت به في القرآن والسنة الثابتة فنقول: الله غالبٌ على أمره، الله قائمٌ على كل نفس، الله فعالٌ لما يريد، فاطر السماوات والأرض، اللهم نور السماوات والأرض، الله مقلب القلوب، وهكذا.
وكذا اسم الزارع والمنزل، والمنشئ، والماهد، والموسع، والكاتب، والمبتلي وغيرها من الأسماء المقيدة لا نذكرها إلا مقيدة بما قيدها الله ورسوله به في القرآن أو السنة الثابتة، فمن أراد أن يجمع أسماء الله الحسنى المطلقة فليحصها من القرآن والسنة الثابتة، وهي تزيد على مائة اسم.
ومن أراد أن يجمع أسماء الله المقيدة فليحصها من القرآن والسنة الثابتة وهي تزيد على مائة اسم ثم يدعو الله بها كما وردت بصيغتها مطلقة أو مقيدة، أو مركبة، وإلا كان ممن قال على الله غير الحق، وقال عن الله غير الحق، وقال على الله ما لا علم له به: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١].
الرابع: دلالة الاسم على الوصف، فأسماء الله لا تكون حسنى وهي بلا معنى؛ لأن أسماء الله ﷿ أعلام وأوصافٌ، فالعليم يدل على ذات الله، ويدل على إثبات صفة العلم لله، والحي يدل على ذات الله، ويدل على إثبات صفة الحياة لله، والخالق يدل على ذات الله، ويدل على إثبات صفة الخلق لله وهكذا.
فلا يسمى الله بالأسماء الجامدة التي لا مدح فيها ولا ثناء كاسم الدهر؛ لأن الدهر مخلوق، وهو وصفٌ جامد لا يفيد المدح والثناء على الله بنفسه، فليس اسمًا لله، وإنما هو اسم لمدة زمان الدنيا، وكذا لا يسمى الله بالأسماء التي هي من إضافة المخلوق إلى خالقه.
الخامس: دلالته الوصف الذي تضمنه الاسم على الكمال المطلق كاسم الملك، فأنه يدل على كمال ملك الله، وأن الله ملك قبل أن يخلق أحدًا، وأن كل ما سواه ملكه وعبيده، فإذا كان الوصف عند التجرد منقسمًا إلى كمال ونقص فلابد من تقييد الاسم بموضع الكمال دون النقص، فيكون من باب الأسماء المقيدة مثل: اسم المرسل: في قوله سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ [الدخان: ٥].
واسم المبتلى: في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾ [المؤمنون: ٣٠].
واسم المبرم: كما في قوله سبحانه: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ [الزخرف: ٧٩].
فنتعبد لله ﷿ بهذه الأسماء ونقيد هذه الأسماء وأمثالها بموضع الكمال؛ لأنها تنقسم عند الإطلاق إلى ما يمدح عليه الفاعل أو يذم، فنتقيد بموضع الكمال فقط.
الله ﷿ هو الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، هو الحي القيوم بذاته، وكل حيٍ سواه فهو حيٌ لا بذاته بل بإمداد الله له بالحياة، فإذا قطع عنه الإمداد صار جثةً هامدة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
والله وحده هو الحي بجميع صفات الجلال والجمال والكمال، هو الحي الذي وهب الحياة لكل حي، هو الحي الذي لا يموت أبدًا، وحياته لا بداية لها ولا نهاية، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
والحي هو الله وحده، فهو دائم الحياة، دائم البقاء، دائم الملك، أما الإنسان فمهما عاش لابد أن يموت، وحياته مقيدةٌ بعمره، وحياته موهوبةٌ من ربه، ومستمدةٌ من خالقه الحي الذي وهب الحياة لكل حي: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وحياة الإنسان دائمة، والموت في الدنيا كثوبٍ خلعته لتلبس غيره في الآخرة، والموت معبر لانتقال الحي من دارٍ إلى دار.
فسبحان الحي القيوم الذي ليس لحياته موتٌ ولا فناءٌ ولا زوالٌ، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والدين ركنان:
عبادة الحق.
والإحسان إلى الخلق.
والمؤمن يحترم الناس جميعًا، ويعاملهم بالإحسان، أما قلبه فلا يعلقه إلا بالله وحده، والله يغار إن رأى قلبك مع غيره، ومن ضايقك فإنما ألهمه الله لتفك ارتباطك معه، وتفر منه إلى ربك الحي القيوم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والرب العظيم الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، وهذا ملكه وسلطانه، وهذه نعمه وإحسانه، هو وحده الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
ومن عرف الله حقاً فر إليه وحده: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
لهذا يجب علينا معرفة الله ﷿ بأسمائه وصفاته وأفعاله،والتعبد لله بها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فنسمي الله بأسمائه الحسنى، ولا نلحد في أسمائه، والإلحاد هو الميل عن الطريق المستقيم، وقد حذرنا الله ﷿ من الإلحاد في أسمائه وصفاته وآياته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت: ٤٠].
• والإلحاد في أسماء الله الحسنى خمسة أنواع:
الأول: أن ينكر الإنسان شيئًا من أسماء الله التوقيفية، أو ينكر ما دلت عليه من الصفات الذاتية والفعلية، لأن الله أوجب علينا الإيمان بالأسماء، وبما دلت عليه من الصفات والأفعال.
الثاني: أن يجعل أسماء الله الحسنى دالة على صفاتٍ تماثل أو تشابه صفات المخلوقين، وهذا إلحاد، لأن الله ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثالث: أن يشتق من أسماء الله الحسنى أسماء للأصنام والأوثان كما اشتق المشركون اسم العزى من العزيز، وصنم اللات من الإله، لأن أسماء الله ﷿ مختصةٌ به، وكما أفرد الله نفسه بالربوبية والعبودية والألوهية، أفرد نفسه بالأسماء الحسنى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فتسمية غيره بها ميلٌ بها عما يجب فيها، وهذا هو الإلحاد في أسمائه، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الرابع: أن يسمي الله تعالى بأسماءٍ لم يسمِّ الله بها نفسه في كتابه، ولم يسمه بها رسوله صلى الله عليه وسلمفي سنته، كتسمية النصارى لله بالأب، وتسمية الفلاسفة له بالعقل الفعال؛ لأن أسماء الله الحسنى توقيفية، وتسمية الله بما لم يرد فيه نصٌ شرعي من قرآنٍ أو سنة ثابتة إلحادٌ في أسمائه،وقد نهينا عن الإلحاد في أسمائه وصفاته: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الخامس: أن يشتق من كل فعلٍ اسمًا لله، لم يرد به النص من قرآنٍ أو سنة، أو يسمه بما لم يسم به نفسه، كتسمية الله بالنافع والضار، والمعز والمذل، ونحو ذلك.
• فقه الأحوال والأعمال:
الله ﷻ هو الخلاق العليم، وهو الحكيم الخبير، خلق الأموال والأشياء والأحوال للابتلاء: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
فالأموال النقود، والأشياء المخلوقات من كل جنس، والأحوال الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف ونحوها.
فخلق الله الأشياء والأموال للابتلاء، وجعل الأيمان والأعمال الصالحة للنجاة
فليست رسالتنا في الدنيا الترقي بالأموال والأشياء والأحوال والجاه والمناصب، بل رسالتنا الكبرى الترقي في الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، والثبات على ذلك:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ومن أراد الترقي في إيمانه وأعماله فليجلس في بيئة الإيمان والأعمال الصالحة، ويفر من بيئة الأموال والأشياء:﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
فمن عاش في بيئة الأعمال ترقى في الأعمال، ومن عاش في بيئة الأشياء ترقى في معرفة الأشياء التي تشغله عن ربه والتي حذر الله منها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
وأعمال الدين كلها جواهر وزينة وأرباح وطمأنينة، وبجهد الحق تكون خليفة الحق في الأمة، وبجهد الباطل تكون خليفة الشيطان في الأمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]
والايمان والكفر، والحق والباطل، لا يجتمعان ولا يستويان: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
ومن سنة الله في الدنيا عدم ثبات الأحول على الإنسان ابتلاء، فالله يقلب الأحوال على الخلق كما يقلب الليل والنهار على الأرض، فيجري على عبده فقرًا بعد غنى، ومرضًا بعد عافية، وذلةً بعد عزة،وخوفًا بعد أمن: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
فالدنيا دار الابتلاء والعمل، والأخرة دار الثواب والعقاب:﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
ومن سنة الله في الدنيا:
السنة الأولى: أن ثبات الأحوال على العبد محال.
والسنة الثانية: الترقي بالأحوال والأموال والأشياء والمناصب محال.
والسنة الثالثة: الترقي والنجاة والفلاح فقط بالإيمان والتقوى.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فالأموال والأشياء والأحوال في الدنيا تتغير، والأحوال في الآخرة تثبت أبد الآباد للمؤمنين والكافرين، فحياةٌ بلا موت، وصحةٌ بلا سقم، وشبابٌ بلا هرم، ونعمةٌ بلا بأساء كما قال النبي ﷺ في أهل الجنة: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣]».
أخرجه مسلم.
فهذه سنة الله في المؤمنين.
وكذا سنة الله في الكافرين بالعكس: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
والشفاء والغنى والعافية في هذه الدنيا هي حاجاتنا، والهداية، وعبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إليه هي مقصدنا، والمقصد مقدمٌ على الحاجة، فنأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطي للدين بقدر الطاقة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فلا إله إلا الله، ما أعظم ملكه، وما أعظم سلطانه، وما أعظم خلقه.
الله ﷿ هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيدٌ له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦].
والله ﷿ هو الملك حقًا، الملك الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فالله ﷻ هو الملك المالك لكل شيء، الذي بيده الملك والملكوت.
له ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك عالم الغيب وعالم الشهادة، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك السماوات والأرض، وله ملك ما في السماوات وما في الأرض، وله ملك ما بين السماوات والأرض، وله ملك غيب السماوات والأرض، وله ملك خزائن السماوات والأرض، وله ملك جنود السماوات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك ميراث السماوات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
فسبحان الله ما أعظم ملكه، وما أعز سلطانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
والله ﷿ هو الخلاق العليم، خلق العرش العظيم، وجعله محيطًا بالكرسي الكريم، وخلق الكرسي وجعله محيطًا بالسماوات السبع، وخلق السماوات السبع وجعلها محيطةٌ بالأراضين السبع، وهو سبحانه الواحد الأحد المحيط بكل محيط: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦].
السماوات السبع ظرف، وفي داخلها مظروفاتٌ عظيمة، أعظمهم الملائكة والروح، والأراضون السبع ظرفٌ عظيم، وفي داخل هذا الظرف مخلوقاتٌ عظيمة من عالم الجماد والنبات والحيوان، والإنس والجن والملائكة؛ ومظروفات السماوات والأرض ظاهرةٌ وخفية، والمظروف أهم من الظرف، وأفضل مظروفات السماوات السبع هم الملائكة، وأفضلهم جبريل ﷺ، وأفضل مظروفات الأرض هم بنو آدم الذين أفضلهم محمدٌ ﷺ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فلله الحمد على نعمة الإيجاد، وعلى نعمة الإمداد، وعلى نعمة الإسعاد.
هو الرحمن الرحيم، الذي هدانا لما يحبه ويرضاه، الذي إن أُغلقت الأبواب لا يغلق بابه، وإن انقطعت الأسباب جاء مداده، وإذا قست القلوب لينها برحماته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
***
مختارات

