الخزانة الثامنة..
• معرفة الله أعظم أبواب الإيمان بالله:
الله ﷿ نور السماوات والأرض، هو النور الظاهر بنفسه، المبين الذي هو أبين من كل بين، هو النور المظهر لغيره من ظلمة العدم إلى نور الوجود.
هو الظاهر بذاته المظهر لكل ما سواه من مخلوقاته وآياته، هو النور الهادي الذي يرشد بهدايته كل أحد، هو النور الهادي الذي يرشد بهدايته من يشاء من عباده، فيبين له الحق، ويلهمه إتباعه، هو النور الظاهر الذي ظهر به كل ظهور: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
فسبحان النور الذي نور الكون بنوره الذي وسع كل شيء، ونور المخلوقات الظاهرة كالشمس والقمر، والنجوم والكواكب، ونور القلوب بالتوحيد والإيمان: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والله ﷿ هو نور السماوات والأرض، إن اتصلت به أعطاك من نوره بما يدلك عليه ويعينك على عبادته، ويهديك إلى سبل مرضاته: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
هو ﷻ النور الذي أحيا قلوب العارفين بنور معرفته، وأحيا نفوس العابدين بنور عبادته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وإذا ملأ الله قلب عبده بنور التوحيد والإيمان أبصر الطريق، وأحسن التصرف، وقال القول الحسن، وعمل العمل الصالح، وتخلق بالأخلاق الحسنة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإذا خلا قلب العبد من نور الإيمان، خبط خبط عشواء، لأنه أعمى، فأساء التصرف، وأساء القول، وأساء العمل:﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢].
واعلم أن الرؤية الحسية أساسها نور الشمس والقمر، مع نور العين، فلترى الأشياء والذوات فلابد من هذا وهذا، أما الرؤية القلبية فأساسها نور الله ﷿، فمن اتصل بالله ظهر على وجهه نور الإيمان، وامتلأ قلبه بنور الإيمان، فعبادة الله ﷿ تكسب القلب نورًا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
والله ﷿ هو الحفيظ لجميع ما في ملكه، فاحفظ الله يحفظك، وافعل الأسباب المشروعة لحفظ الصحة والمال والأهل، وتوكل على الحفيظ وحده في حفظها: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ [هود: ٥٧].
قال النبي ﷺ: «احْفَظْ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنفَعُوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوْكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضَرُّوْكَ إِلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد.
وما عند الله لن يناله العبد إلا إذا اتبع منهج ربه، حفظ الجوارح بطاعة الله، وحفظ العين بالبكاء من خشية الله، والغض عن محارم الله، وحفظ اللسان بالكف عن كل شي، وترك ما لا يعني، وإشغاله بالذكر والحمد، والدعاء والدعوة وحفظ المال بتأدية الزكاة، والكسب المشروع، وحفظ الوقت باستعماله فيما يرضي الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
واعلم بأن الله حفيظ عليم لا ينسى شيئًا، فكل أعمال الإنسان وأقواله ومواقفه وعطائه، وخيره وشره، كل ذلك محفوظ عند الحفيظ سبحانه في كتاب مرقوم يستحيل أن يضيع منه كلمة أو صفحة: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
فالله سبحانه يرى كل أحد، ويعلم بكل أحد، ولا ينسى أبدًا: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
وهو سبحانه حفيظ لا يضيع المؤمن، بل يحفظ له عمله،ويكافئه عليه في الدنيا والآخرة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وكذلك يحفظ للعبد نتائج عمله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فأسأل الحفيظ أن يحفظ لك دينك وتوحيدك وإيمانك، وأن يحفظ قلبك من الرياء والشرك والشبهات، وأن يحفظ جوارحك من المعاصي والآثام، وأن يحفظ أموالك من الشبهات والمحرمات، وأن يحفظ دنياك وأهلك وبدنك من كل سوء.
اللهم احفظنا بحفظك التام يا ذا الجلال والإكرام.
فسبحان الحفيظ الذي تكفل بحفظ كل شيء حفظ السماوات والأرض أن تزولا، وحفظ السماء أن تقع على الأرض وحفظ كل إنسان من البلايا، وحفظ كل مخلوق من شر ما خلق، وحفظ القرآن من التحريف والزيادة والنقص، وحفظ الدين من البدع والضياع: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
أقسام القلوب:
القلوب أربعة أنواع:
الأول: قلوب بهيمية.
الثاني: قلوب سبعية.
الثالث: قلوب إبليسية
الرابع: وقلوب ملكية.
كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفق عليه.
فلابد من الجهد على هذه القلوب، لتمتلئ بالتوحيد والإيمان والتقوى، ولا تنحدر إلى الحياة البهيمية أو السبعية أو الإبليسية.
وأعظم غذاءً للقلوب هو معرفة الله بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده، ودينه وشرعه:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله ﷿ هو ولى المؤمنين، ومن لم يكن الله وليه كان الشيطان وليه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
فسبحان الولي الحميد الذي تولى عباده بالصحة والعافية، والتربية والتعليم، والأمن، والهداية، والنصر والرزق، فإذا خالف عبده منهج صحته واستقامته فأجهزة الإنذار تنبهه، فالآلام والهموم أجراس إنذار مبكرة توقظ المؤمن من رقدته وتذكرة من غفلته، ليتوب إلى ربه، ويطيع مولاه:﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف: ١٩٦].
والله ﷿ هو العليم بكل شيء، أحصى جميع الأقوال، والأعمال، والحركات، والسكنات، هو العليم بدقائق الأمور، الخبير بأسرار الأقدار، البصير بالظواهر، الخبير بالبواطن:﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦].
أحصى الطاعات والمعاصي، وأحصى الذرات والأنفاس، وأحصى الأجسام والأرواح، وأحصى الكلمات والأحرف،وأحصى الأرقام والأشكال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وإذا علم المؤمن أن ربه عليم بكل شيء، بصير بكل شيء، سميع لكل شيء، وأيقن أن الله يحصى جميع أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، عبد ربه كأنه يراه، وأقبل على طاعته، وأجتنب معصيته، وسارع إلى مرضاته، وابتعد عما يسخطه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
والبشر عاجزون عن إحصاء منافع وبركات نعمة واحدة كالسمع أو البصر، وعاجزون عن شكرها من باب أولى، فكيف بإحصاء نعم الله على العباد؟، وكيف لهم القيام بشكرها؟
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فالله ﷿ هو العليم المحيط بكل ذرة في ملكه العظيم، المحيط الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددًا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٤].
فيجب على الإنسان أن يراقب قلبه، كما يراقب بدنه، فكما يسارع لوقاية أي عضو منه إذا أصيب بمرض، عليه كذلك أن يتعهد قلبه بألا يرى فيه ربه شيئاً لا يرضيه، والقلب محل نظر الرب، والبدن محل نظر الخلق.
فلا يليق بالعبد أن يتجمل للخلق، ولا يتجمل للرب، ولا يليق بالعبد أن يُطهر منظر الخلق من الأنجاس والأدناس، ولا يطهر منظر الرب من الشرك والشك، والبدع والمعاصي:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
اللهم أكشف عن قلوبنا الحجاب، حتى تشهد أنفسنا أنه لا إله أنت، ولا رب سواك، ونراك تعطى وتمنع، وتعز وتذل، وتحيي وتميت، ونعبدك كأننا نراك، اللهم أرزقنا نور المراقبة، حتى نعبدك كأننا نراك، وامنحنا حسن معرفتك، حتى نحمدك ونخشاك، وبصرنا بأعمالنا، حتى لا نفعل إلا ما فيه رضاك: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، وكمال الله ﷻ مطلق، وكمال الإنسان مقيد، فالله عليم والإنسان عليم، وعلم الإنسان هبه من العليم، لكن علم الله مطلق ليس له بداية ولا نهاية، وعلم المخلوق مقيد محدود له بداية ونهاية: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
فسبحان الخبير الذي أخبر عباده بأحسن الكلام وهو القران، الخبير الذي يعلم كل شيء، ولا يعزب عن علمه صغيرة ولا كبيرة، الخبير الذي يعلم كنه كل شيء، وحقيقة كل شيء مهما دق أو خفي، الخبير الذي يعلم كل شيء، يعلم الحق والباطل، ويعلم الظاهر والباطن، ويعلم الخير والشر، ويعلم الداء والدواء، والسر والعلن: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
هو الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا إله إلا الله وحده، هو العليم الخبير بالظواهر والبواطن، والبواعث والخواطر، والأسرار والخفايا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
أما الإنسان فهو مخلوق ضعف، عاجزٌ محتاج، لا يعلم إلا ما علمه الله، والإنسان مكشوفُ أمام ربه الخبير العليم بكل شيء، لا تخفى عليه منه خافية، علانيته كسره، وجهره كصمته، وظاهرة كباطنه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
ومن عرف أن الله خبير بأقواله وأفعاله وسائر أحواله، تأدب في سلوكه، وراقب ربه في جميع أعماله، واستقام على ما يرضى ربه، و أيقن أن ما قسمه الله له لن يفوته، وما لم يقسم له لن يدركه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
ومن عرف ربه هو الخبير العليم بكل شيء ناداه نداءًا خفيًا، وناجاه في سره، ودعاه في سره لعلمه بقربه منه، وكمال علمه بحاله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٢ - ٤].
فيجب على العاقل أن يكون خبيرًا بعالمه، وعالمه هو قلبه وبدنه، وجوارحه ولسانه، و أفعاله، وأخلاقه، وأفكاره، ويتفقد قلبه هل يطوف حول العاجلة أم حول الآجلة؟ هل يستأنس بربه ويستوحش من غيره؟، ويعرف الفرق بين إلهامات الرحمن، وخطوات الشيطان؟.
اللهم أنت العليم الخبير بالدقائق والبصائر، وأنت المطلع على المعلنات والسرائر، يسر لي أمري في جميع أحوالي، حتى أكون خبيرًا بما ينفعني ويضرني، بصيرًا بما يسعدني ويشقيني، إنك أنت العليم الخبير: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]
الله ﷿ هو الملك الحق الذي له الملك والملكوت، الملك الذي ينفذ أوامره في مملكته على جميع مخلوقاته، متى شاء، وكيف شاء، على من شاء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالله ﷿ بيده الخلق، وبيده الأمر، وبيده الملك، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، خلقًا وإيجادًا، وحياة وموتًا، وعزة وذله، وعطاءَ ومنعًا،وتصريفًا وتدبيرَ من غير مشاركِ ولا ممانع: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
والكون كله مملكة واحدة، لمالكَ واحد هو الله وحده لا شريك له: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
فسبحان مالك الملك والملكوت، كل شيء وقع في هذا الكون أراده الله ﷿، وكل شيء أراده الله ﷿، فلابد أن يقع، لأنه لا يقع في ملك الله شيء لا يريده: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
وما يقع في ملكه إما محبوبٌ له، أو مكروه له، فالمحبوب له هو التوحيد والإيمان والتقوى، والمكروه له هو الشرك والكفر والبدع والمعاصي.
وإذا أعطى الله الملك لأحد أعطاه الهيبة، فكل الناس يخافونه ويرجونه، وإذا أراد نزعها من أحد أسقط هيبته من قلوبهم، فكلهم يجترئوا عليه، ويكشر في وجه، حتى يسقطه ويخلعه.
ومن أراد الغنى والعزة فليكثر من ذكر هذا الاسم الكريم، فالله ﷻ هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيد له، يشهدون بوحدانيته، ويسبحون بحمده، ويخضعون لإرادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦].
فالإنسان عبد ضعيف لا يملك نفسه، ولا سمعه، ولا بصره، ولا عقله، ولا قوته، ولا أعصابه، ولا خلاياه، وإنما مالك ذلك كله هو الله وحده مالك الملك الذي أنت ذرة منه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فسبحان الملك الحق الذي يدعو عباده ليكونوا ملوكاً، وخلفاء في الدنيا، ويوم القيامة ملوكًا في الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢١].
فسبحان الملك الحق الذي يدعو عباده ليكونوا ملوكاً في الدنيا والآخرة، الحي الذي يدعوهم ليكونوا أحياء لا يموتون أبداً يوم القيامة، القادر الذي إذا أراد شيئًا كان،الذي يدعوهم إلى الدين الحق الذي إذا أمنوا به ثم أرادوا شيئًا كان لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وأعلم أيها المسلم أنك إذا أطعت الملك كنت في معية الملك، وإذا أطعت الكبير كنت في معية الكبير، وإذا أطعت الغنى كنت في معية الغنى، وإذا أطعت العزيز كنت في معية العزيز، وإذا أطعت القوى كنت في معية القوى ﷻ:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٦].
***
مختارات

