خزائن الإيمان بالله (القسم الثاني)
مقتضيات الإيمان بالله ﷻ:
الله ﷿ هو العظيم الذي خلق المخلوقات العظيمة، واختار منها آدم وذريته، وجعلهم خلفاء الأرض، وأعطاهم الدين، والكتاب العظيم، وأمرهم بعبادته وحده لا شريك له،ووعدهم على ذلك الأمن في الدنيا والجنة في الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وشأن الرب ﷻ أنه العظيم الذي لا أعظم منه، وشأن العبد،أنه الضعيف الذي لا أضعف منه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
فشأن العبد التواضع لربه العظيم، والتصاغر لربه الكبير، والافتقار إلى ربه الغني، فالله ﷿ له الكبرياء، وله العظمة، فمن نازعه واحد منهما عذبه كما قال النبي ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِدًا منهما قذفتُه في النَّارِ».
أخرجه مسلم.
ومن استكبر عن عبادة ربه العظيم أهلكه الله، وأدخله النار يوم القيامة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقوم عاد أعظم من تكبر عن عبادة الله، وكل أمة دمرهم الله لكفرهم، واستكبارهم وقد ذكرهم بما حصل لمن قبلهم من العذاب، وأنه سبحانه أهلك من هو أشد منهم قوة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ [الإسراء: ١٧].
وسنة الله أن من أصر على الكفر أهلكه الله، لأن الله لا يرضى لعباده الكفر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
فقوم عاد لما استكبروا، وافتخروا بقوتهم أخبر الله ﷿ أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، فما كان فوق عاد إلا الله، عاد تفوقت في كل شيء، تفوقت في البنيان، وتفوقت في القوة العسكرية، وتفوقت في الصناعة، وتفوقت في القوة العلمية، فماذا فعل الله بهم مع هذه القوة والكفر والكبر:﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ٦ - ١٤].
فالإيمان الذي ينجي العبد هو الإيمان بالله العظيم، الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، أما الإيمان الذي لا يتبعه عمل، ولا ينشأ عنه محبة وتعظيم لله فلا ينفع صاحبه، فإبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩].
وفرعون قال حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠].
فلم ينفعهما ذلك، لأنه لم يُقرن الإيمان بالعمل، بالحب لله، بتعظيم الله، بعبادة الله، فالمؤمن حقًا، من آمن بالله العظيم حقًا ثم عبده بموجب هذه المعرفة العظيمة، فمن آمن بوجود الله، ولم يؤمن به ربًا عظيمًا قديرًا، بيده كل شيء، وعبده وحده، فما آمن بالله العظيم: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
ومن عصى الله بمعصية من زنا أو سرقة أو شهادة زور، وقال يا رب، فليس بمؤمن حقًا، وإيمانه لا يقدم ولا يؤخر، لأنه إيمان لم يحجزه عن معصية الله، فكفى بالمرء علمًا أن يخشى الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وكفى به جهلًا أن يعصي الله، أو يعجب بنفسه أو يعجب بعمله، أو يعجب بعلمه.
قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو مُؤْمِنٌ» متفق عليه.
وإذا نقص الإيمان وقع الإنسان في المعصية ثم عوقب فورًا:﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
والطريق إلى معرفة العظيم النظر والتفكر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
الإيمان الذي يريده العظيم ﷻ، الإيمان الذي ينجيك من النار، الإيمان الذي يدخلك الجنة، الإيمان الذي أمر الله رسله أن يبلغوه إلى الناس، هو الإيمان الذي يحمل العبد على طاعة الله، يحمله على حب الله، على تعظيم الله، على تكبير الله، على الذل لله، ويمنعه من معصية الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الإيمان حقًا، الإيمان المطلوب الذي فيه الفوز والنجاة هو ما وقر في القلب يقينًا، وتبعته تقوى الله، فلا يفقدك الله حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
الله ﷿ هو العظيم الذي جاوزت عظمته حدود العقول، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، ولا يعرف الله بعظمته حقًا إلا الله وحده، والملائكة والأنبياء والرسل والمؤمنون إنما يعرفون من أسمائه وصفاته ما علمهم الله فقط: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
الله ﷿ هو الإله الحق، هو الرب العظيم، الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وإذا امتلأ القلب بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ازداد نوره، فإن القلوب إذا امتلأت بالإيمان بالله العظيم، تحركت الألسن والجوارح بالأعمال الصالحة، المقرونة بالحب لله، والتعظيم له، والذل له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
والله ﷻ هو العظيم بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة صفاته أن الله ﷿ له علو الشأن، وعلو الصفات، وقد وصف الله العرش بأنه عظيم وأنه كريم، فكم تكون عظمة وكرم من خلقه؟!.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فسبحان العظيم في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، يقول للشيء كن فيكون، يخلق ما يشاء، عظيم يفعل ما يريد: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
فهذا الرب العظيم، وهذا الإله الكبير، وهذا الملك الحق، أيليق به أن يعصى؟ أيليق به أن نستهين بأوامره؟ أيليق به أن نعصيه في ملكه؟ أيليق به أن نعصيه بنعمه؟.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٣ - ١٦].
هذا الرب العظيم الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، ألا نسعى لرضاه؟ ألا يطاع أمره؟ ألا تشكر نعمته؟ ألا تجب تقواه؟ ألا يرجو العبد جنته؟ ألا يخاف ناره؟ ألا نحذر سخطه؟.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
الملك كله لله العظيم، والخلق كله لله العظيم، والأمر كله بيد الله العظيم، وليس بيد أحد سواه شيئًا؛ لأنه ما كان شيئا حتى يفعل شيئًا، ومن أساء فإنما يسيء إلى نفسه، ولا يضر الله شيئاً، فمن سب الله أو رسوله أو دينه أو استهزأ أو استكبر عن عبادة ربه، وطاعة رسوله، فإنما يضر نفسه:﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
والله سبحانه هو العلى العظيم القوي القادر القاهر، مظهر دينه ولو كره الكافرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
ومن أثار الغبار من الأرض فإنما يثيره على نفسه، ومن أثار الغبار على هذا الدين فإنما يثيره على نفسه، لأن الدين يظهره ويحفظه العظيم ﷻ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
ومهما أنفق الكفار والملاحدة وبذلوا جهودهم المختلفة،فلن يستطيعوا إفساد هداية الله لخلقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
والله ﷿ بصير بالعباد، فمن آمن به وأطاعه نجا وأفلح،ومن كفر به وعصاه هلك وخسر: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
• خلق الله في كل إنسان ثلاث أواني:
١ - آنية المعلومات والمعارف وهي العقول، ونشترك فيها مع الكفار.
٢ - وآنية التوحيد والإيمان وهي القلوب، ونشترك فيها مع الملائكة.
٣ - وآنية الطعام والشراب وهي المعدة، ونشترك فيها مع البهائم.
والمؤمنون أسعد الخلق بهذه النعم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله سبحانه هو العظيم الذي لا يقف له شيء وأي نفس، وأي دولة، وأي حكومة بنت مجدها على سحق الشعوب وبنت غناها على إفقار الشعوب، وبنت عزها على إذلال الشعوب، وبنت حياتها على موت الشعوب، وبنت أمنها على إخافة الشعوب، إلا دمرها الله؛ لأن العظمة والعزة والكبرياء لله وحده لا شريك له، فمن نازعه في هذه الصفات هلك، كما قال سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠].
وقال الله ﷿ في الحديث القدسي: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِدًا منهما قذفتُه في النَّارِ».
أخرجه أبو داود.
والله لا يرضى بالطغيان أبدًا، ولا يرضى بالاستكبار أبدًا، ومن أذن الله له بالطغيان من البشر فإنما يوظف الله الطغيان لإظهار دينه، وإعزاز أوليائه، والله لم يأمره بذلك، ولكنه اختار الطغيان فسوف يحاسب عليه.
ثم يهلك الله هذا الطاغية، ويجعله مع الطغاة أثراً بعد عين، كما وظف الله طغيان فرعون، وسلطه على بني إسرائيل، عقوبة لهم ثم أغرقه وجنوده في البحر، وكما فعل الله بقوم عاد وثمود وسبأ: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة: ١ - ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
فالله ﷿ بالمرصاد، لكل طاغ وظالم ومفسد: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
فالعظيم سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وليس لقدرته وعظمته بداية ولا نهاية، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
هو العظيم الذي أعطى الحياة لكل حي، وأذن لكل حي أن يبقى حيًا، كما قال النبي ﷺ في دعاء الاستيقاظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» أخرجه ابن السني.
فطعام كل يوم، وحياة كل يوم، وهداية كل يوم، وعمل كل يوم، هو من فضل الله العظيم على العبد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
هو سبحانه العظيم في ملكه، العظيم في علمه، العظيم في قدرته، العظيم في خلقه، العظيم في عطاؤه، العظيم في ثوابه:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]
الله ﷿ عظيم قبل أن يعظمه الخلق، وكبير قبل أن يكبره الخلق، وحميد قبل أن يحمده الخلق، ورازق قبل أن يرزق الخلق، فإن عظمت ربك تولاك، وإن عظمت نفسك وكلك إليها: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فالمؤمن يعيش في الدنيا مع المنعم، وينسب النعم إلى الله، والكافر يعيش في الدنيا مع النعمة، وينسب حصولها لنفسه، ويكفر بالمنعم سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
وإذا عرفت العظيم بأسمائه وصفاته، وأفعاله، فعظمه بقلبك ولسانك وجوارحك، وعظم كتابه، وعظم رسوله، وعظم دينه، وعظم أولياءه، وعظم شعائره: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
هو سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، فمهما عرفت من عظمته وكبريائه فهو أكبر مما عرفت.
هو مما لم تعرف، هو العظيم قبل أن نعظمه، والعظيم أبدًا سواء عظمته أو لم تعظمه، هو العظيم الذي لا بداية لعظمته، ولا نهاية، له ما في السماوات وما في الأرض، وهو العلي العظيم: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو العظيم الكبير المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط، القادر المحيط بكل قادر، العظيم الذي لا أول له ولا آخر، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم:﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
والإيمان بأن لهذا الكون خالقًا ضرورةٌ فطرية، فطر الله الناس عليها، أما الإيمان بالله العظيم، الإيمان الكسبي الناشئ عن معرفة العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة دينه وشرعه، فهذا الإيمان المطلوب، الذي يخشع به القلب، وتخضع له الجوارح، بالطاعة والعبادة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
من عرف العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله آمن بالله العظيم، وأطاع أمره العظيم، وامتثل أمره العظيم ونال ثوابه العظيم:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن رأى بقلبه ربه العظيم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، تلاشت عظمة نفسه، فكبر الله، وحمد الله، وأطاع الله، وأحب الله، وذل لله، وخضع لله، وبتعظيم العظيم، وتكبير الكبير، والذل للعزيز، يرفع الله مقام هذا العبد،وكلما ازداد العبد ذلًا وافتقارًا رفع الله ذكره وقدره: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح: ١ - ٣].
هو ﷻ العظيم في رحمته، وأرحم الخلق بالخلق هم الأنبياء والرسل، وأعظمهم رحمة هو محمد ﷺ الذي دخل مكة متواضعًا، مطأطئ الرأس، تكاد عمامته أن تمس عنق راحلته، لأنه آمن بربه العظيم، وملأ قلبه علماً ورحمة وإيمانًا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن توكل على العظيم كفاه كل شيء، وأعانه، ومن أعتمد على نفسه أو علمه أو ماله أضله الله من جهة ما اعتمد عليه، ومن آثر طاعة الله على معصيته أفلح وربح، ومن آثر معصية الله على طاعته هلك وخسر، فمن ابتغى أمرًا بمعصية الله كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
وأفضل أحوال العبد أن يعظم ربه العظيم، وأن يتواضع لربه الكبير، ويمتثل أمره، فهذا هو العظيم عند الله، فكم من خامل في الأرض أمام الناس، عظيما كبيرًا في السماء:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
ومن تيقن أن ربه هو العظيم وحده لا شريك له فينبغي أن يعظم كتابه، ويعظم شعائره وأولياءه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
ومن عظم الله بقلبه ولسانه وجوارحه استوى عنده التراب والذهب، واستوى عندهم مدح الناس وذمهم، وكانت عبادته في الخفاء أقوى منها في العلانية لكمال معرفته بالله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وليس من سنة الله العظيم أن يكون السارق كالمسروق، والظالم كالمظلوم والكافر كالمؤمن، ولا المتقي ربه كالفاجر، وعظمة العظيم تأبى التسوية بينهما، فلابد من حساب وثواب وعقاب لكل واحد: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
***
مختارات

